عمان 28 نيسان- عاينت حوارية نظمها، منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافي مساء أمس الاثنين، مسيرة الأديب الأردني المهاجر عقيل أبو الشعر، بحضور نخبة من الأدباء والمدعوين.
وشارك في الندوة، التي حملت عنوان: "عقيل أبو الشعر..الروائي الغائب"، المترجم والباحث الدكتور عدنان كاظم، ونائب عميد كلية الدراسات العليا بجامعة آل البيت الدكتورة منتهى الحراحشة، وأستاذ الدراسات السردية والثقافية الدكتور زهير عبيدات، وأدارها الناقد الدكتور زياد أبو لبن.
وتناولت الندوة سيرة عقيل بوصفها رحلة معرفية وإنسانية مركّبة؛ تبدأ من بلدة الحصن في شمال الأردن أواخر القرن التاسع عشر، مرورًا بتكوينه التعليمي في مدارس الإرساليات، ثم انتقاله إلى إيطاليا لدراسة اللاهوت والفلسفة، حيث تشكّلت ملامح وعيه الثقافي والفكري.
وأضاءت الندوة على تجربة عقيل الروائية المبكرة، ولا سيما روايته "الفتاة الأرمنية في قصر يلدز"، التي يذهب بعض النقاد إلى اعتبارها من أوائل المحاولات العربية في كتابة الرواية وفق المفهوم الغربي، بما تحمله من بنية سردية ورؤية فكرية تتجاوز سياقها الزمني.
وتوقف المتحدثون في الندوة عند التحولات الحادة في حياته؛ من الملاحقة والنفي، إلى الهجرة نحو أوروبا، ثم انتقاله إلى الدومينيكان، حيث انخرط في العمل السياسي والدبلوماسي، في مسار استثنائي لكاتب عربي في تلك المرحلة. وناقشوا كذلك إشكالية الغياب والانقطاع، التي دفعت بعض الباحثين إلى التشكيك في وجوده أصلًا، قبل أن تأتي جهود الدكتورة هند أبو الشعر لتعيد بناء سيرته واستعادة جزء من إرثه، عبر تتبّع وثائقه وأعماله التي نشر بعضها باسم "أشيل نمر".
وقدمت الدكتورة الحراحشة قراءة نقدية بعنوان "تجلّيات حضور الكاتب الأردني عقيل ابو الشعر رغم الغياب في السرد الروائي في رواية "القدس حرة نهلة غصن الزيتون " مقاربة سردية تحليلية"، مشيرة إلى أن حضور الكاتب في الرواية الحديثة لم يعد محصورًا في ظهوره المباشر أو صوته السردي الواضح، بل أصبح يتجلى بشكل أعمق داخل البنية النصية بوصفه رؤية موجهة ومنظومة فكرية تتحكم في إنتاج المعنى، مشيرة إلى أنه في رواية القدس حرة – نهلة غصن الزيتون لعقيل أبو الشعر، يتخذ هذا الحضور شكلاً غير مباشر، إذ يغيب الكاتب عن السرد بوصفه شخصية، لكنه يحضر بوصفه بنية فكرية وجمالية تنظم النص من الداخل.
وبينت أن رواية القدس حرة – نهلة غصن الزيتون تكشف عن نموذج سردي يتجاوز مفهوم الكاتب الحاضر في النص إلى مفهوم "الكاتب الضمني"، حيث لا يظهر عقيل أبو الشعر بوصفه صوتًا مباشرًا، بل بوصفه رؤية فكرية وتنظيمًا سرديًا ورمزًا جماليًا متغلغلًا في بنية النص. وهكذا يتحول السرد إلى فضاء تتداخل فيه حدود الحضور والغياب؛ ليصبح حضور الكاتب نفسه أحد أشكال "الحضور الكامن في الغياب" الذي يشكل جوهر التجربة الروائية.
من جهته قال الدكتور كاظم، إننا "أمام أديب بارع صور لنا كل ما كان يدور من جوانب الحياة المختلفة ببراعة لغوية فريدة وحنكة أدبية كبيرة تدل على عمق ثقافته وحدة بصيرته وسلاسة ورفعة أسلوبه البعيد عن المغالاة والتعقيد والحشو والثرثرة"، مشيرا إلى أنه يبدو كشخصية أسطورية في جولاته ورحلاته وأعماله وكتاباته واللغات التي يجيدها والشهادات التي حصل عليها والمواقع التي شغلها، وثقافته المتنوعة الواسعة وبراعته اللغوية الفريدة التي اكتسبها خلال مراحل حياته المليئة بالهجرة والترحال والدراسة بين الأردن وفلسطين وفرنسا وإيطاليا وجمهورية الدومينيكان، حيث انتقل في طفولته من الحصن إلى القدس لدراسة اللاهوت في دير الفرنسيسكان في القدس، وهناك تعلم عدة لغات من بينها اللاتينية والإسبانية والفرنسية، وكان طموحاً عاشقاً للحرية فلم يواصل حياة الرهبنة وغادر الدير وبدأ بالكتابة ضد الحكومة التركية في القدس، حيث تعرض للملاحقة من قبل الأتراك وهاجر إلى باريس حيث درس الحقوق، وإلى إيطاليا حيث درس الموسيقى، ثم انتقل بعد ذلك إلى سان بيدرو دي ماكوريس في جمهورية الدومينيكان، حيث عمل في مجال التعليم والموسيقى والصحافة، وعاش فيها بقية حياته وكتب فيها معظم أعماله، ثم عاد إلى القدس عام 1920 كمراسل لصحيفتين أوروبيتين لم يذكر اسميهما، وهي الفترة التي كتب فيها رواية "القدس حرة" التي يطغى عليها الأسلوب الصحفي، حتى أنه ضمنها بعض التقارير الصحفية، ثم عاد إلى فرنسا في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو العقد الأخير على ما يبدو من حياته، عندما عُين قنصلاً فخرياً لجمهورية الدومينيكان في مدينة مارسيليا عام 1931 واستمر هناك حتى عام 1940.
وأضاف، لقد طغى الأسلوب الصحفي على أسلوب عقيل، الذي يخلو من الزخرفة والتعقيد، ولكنه يتمتع بمستوى لغوي رفيع، كما أنه تأثر بما شاع في أوروبا في عصر النهضة أبان العصور الوسطى من أساليب أدبية لاتينية وإغريقية استخدمها الكتاب الأوروبيون بتضمين كتاباتهم عبارات لاتينية وإغريقية، وهم الجيل الذي كان يدعى باللاتينيين أو اللاتينيست، نسبة إلى استخدامهم اللغة اللاتينية في كتاباتهم تعبيراً عن عمق ثقافتهم، وقد بدا ذلك واضحاً في روايات عقيل حيث استخدم اللاتينية والفرنسية والإسبانية والإنجليزية في كتاباته.
الدكتور زهير عبيدات الذي قدم قراءة في المنجز الروائي لأبو الشعر نوه بثقافته العميقة وانجازاته الفكرية والأدبية، مشيرا إلى أنه حاصل على الدكتوراة في الفلسفة والموسيقى ودرس اللاهوت والسياسة والأدب والرسم والنحت والتاريخ واتقن سبع لغات.
وبين أنه كتب 9 روايات وديوان شعر وكتابا عن العرب في ظل الحكم العثماني، مشيرا إلى أن مشروعة الابداعي بدأ عام 1912، وأن منجزاته لها قيمة أدبية وتاريخية وتوثيقية بحيث مثل نموذج وعي لكاتب على ثقافة عالية.
ولفت إلى أن ريادة أبو الشعر تتجلى أنه مثّل منصة حوارية حضارية ورواياته جزء من الأدب العالمي، كما قدم حوارا مع النظرية النقدية الغربية وانشغالاته كانت انشغالات إنسانية.