سيطر المعتقد النيوليبرالي بأن "القطاع العام بطيء بينما القطاع الخاص مبتكر" على الحوار الاقتصادي في الأردن منذ أواخر الثمانينات. لا بد من تغيير هذا الفكر لتصحيح سردية ثنائية الابتكار والإنتاجية من خلال استبدال الفكر النيوليبرالي بالاقتصاد المؤسسي التطوري ومفهوم السياسة الصناعية الحديثة وهو ما تقوم به دول مثل فنلندا وألمانيا وكوريا وكذلك دول الاتحاد الأوروبي.
المبدأ الأساس في الاقتصاد التطوري أن النمو والابتكار ليسا توازناً ساكناً، بل عملية تاريخية ديناميكية تقودها التكنولوجيا، والمؤسسات، والتعلّم التراكمي. كما أن الابتكار غير خطّي يحكم مسيرته عدم اليقين الجذري ولا يمكن للسوق وحده تنسيقه بكفاءة.
في هذا الاقتصاد ينبغي أن لا يُختزل دور الدولة بأن تكون حكما أو منظما يتدخل فقط عند فشل السوق؛ بل تستطيع أن تكون مستثمراً ريادياً يتحمل المخاطر المبكّرة ويموّل مسارات بحث وتطوير طويلة الأجل، وهو ما يفتح المجال لاحقاً أمام القطاع الخاص للدخول بثقة أكبر ومخاطر أقل.
فبدلاً من الاكتفاء بسياسات التصحيح من ضرائب وتنظيم ودعم محدود، يجب الذهاب إلى سياسات تشكيل وصناعة الأسواق، حيث تحدد الحكومة اتجاهات التكنولوجيا والاستثمار من خلال صياغة قواعد اللعبة ومعاييرها والمشتريات الحكومية والتمويل طويل الأجل وبناء القدرات المؤسسية، ما يتطلب انتقالاً فكرياً من منطق "إصلاح فشل السوق" إلى منطق "توجيه الأهداف الجماعية" وتوليد قيمة عامة.
حسب الأدبيات الاقتصادية الحديثة (أخص هنا كتابات البروفيسور ماريانا ماتسوكاتو) فإن أفضل طريقة لتحريك الابتكار والإنتاجية هي صياغة مهمّات وطنية قابلة للقياس على نمط تشترك فيه الدولة والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع، مثل: الحياد الكربوني، صحة عامة أفضل، أو نقل نظيف. الفكرة ليست "مشروعاً واحداً"، بل منظومة ابتكار يُعاد تنظيمها حول هدف واضح، مع مؤشرات أداء ومسؤوليات وعقود متوازنة.
مثلا، يعتبر الأردن أحدى أفقر دول العالم مائياً، وهو يعاني أيضا من كلفة طاقة مرتفعة تؤثر على تنافسيته الصناعية والزراعية. بدلاً من التعامل مع هذه الملفات كلّ على حدة، يمكن صياغة مهمة وطنية واحدة ( مهمة الماء، والطاقة، والغذاء ) تحوّل أزمة الموارد إلى محرّك ابتكار صناعي محلي. وتهدف المهمة الى خفض فاقد المياه إلى أقل من 25%، ورفع نسبة الطاقة المتجددة في ضخ المياه إلى 60%، وزيادة إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 40% بحلول عام 2033. تُنفَّذ المهمة عبر مشتريات حكومية لحلول كشف التسرب وكفاءة الضخ، وتمويل طويل الأجل لمشاريع تحلية صغيرة لامركزية، وفرض معايير إلزامية لكفاءة الطاقة في قطاع المياه.
يمكن توجيه السياسة الصناعية نحو مهمة واضحة، وهي مضاعفة صادرات صناعات مختارة عالية القيمة مثل الدواء، والغذاء المُصنّع، والمكوّنات الهندسية والكهربائية الخفيفة خلال سبع سنوات. بحيث تُستخدم هنا أدوات مثل عقود تصدير مدعومة مشروطة بالأداء، وتمويل مراحل الانتقال من الابتكار إلى التصنيع، ومشتريات حكومية تفضيلية للمنتج المحلي عالي الجودة. الدعم هنا ليس إعفاءً مفتوحاً، بل عقداً تنموياً بين الدولة والشركات.
من الممكن أيضاً اعتماد "مهمة وظائف شبابية إنتاجية"، حيث يعاني الأردن من بطالة شبابية مرتفعة ومن فجوة بين التعليم وسوق العمل. فبدل برامج تشغيل مؤقتة، تُصاغ مهمة وطنية لخلق 200 ألف وظيفة إنتاجية خلال سبع سنوات، بأجور أعلى من متوسط القطاع الخاص الحالي بنسبة 20%. ويتحقق ذلك عبر برامج تدريب مرتبطة بعقود تشغيل فعلية، ودعم أجور مؤقت مشروط بالاستمرار، وشراكات مع القطاع الخاص لتحديد المهارات المطلوبة فعلياً، لا نظرياً.
كما يجب في التحول الى الاقتصاد التطوري تركيز السياسات العامة على الأنشطة التي تخلق القيمة بدلا من تلك القائمة على استخراج القيمة كالأنشطة الريعية/الاستخراجية وكأنها قيمة مضافة، وإلى إعادة تصميم الحوافز والقياسات بحيث تكافئ الاستثمار والإنتاجية والابتكار لا المضاربات والريع.
حين تتحمل الدولة جزءاً كبيراً من المخاطر (تمويل مبكّر، بنية تحتية، انفاق على الابحاث)، يجب أن تمتلك أيضا أدوات لاسترجاع جزء من ثمار استثماراتها (عوائد، حقوق ملكية، شروط إعادة استثمار، مشتريات ذكية)، ما يرفع من عدالة التوزيع ويقوي المالية العامة ويزيد شرعية التدخل.
وهكذا يُجمّع اقتصاد المهمات المكوّنات (التمويل والتنظيم والمشتريات والتدريب) حول هدف واحد، بدلامن تشتيت الموارد.
وتهدف السياسة الصناعية الحديثة الى تشكيل سوق بدلا من الحماية أو التنظيم، فالسياسة الصناعية الحديثة ليست عبارة عن جمارك أو حماية تقليدية؛ بل صياغة بيئة تضع الاستثمار في مسار محدد ومربح.
كما يمكن أن تستخدم استراتيجية عقود المشتريات الحكومية (حلول كفاءة الطاقة، والمياه، والرقمنة) طلباً مضموناً للابتكار المحلي من خلال معايير ومواصفات ترفع الجودة وتدفع الشركات للاستثمار.
أيضاً، على الحكومة أن تقدم تمويلا طويل الأجل لمراحل سلسلة الانتقال من الابتكار الى التصنيع، وهي المراحل التي يموت أو يعيش فيها الاختراع من حيث التطبيق، وهي السلسلة التي تبدأ عملية زيادة الإنتاجية والانتقال بالاقتصاد من التبعية والريعية إلى القيادة والإنتاجية.
من المهم جدا للأردن، خاصة مع وجود القيود المالية على الموازنة، أن يكون أي دعم مشروطاً، كالتمويل مقابل التزام تصديري أو توظيفي أو تدريبي، وأن توجد عقود شراكة تتضمن بنود مشاركة ولو صغيرة في العائد، أو إقامة صندوق ابتكار، أو شرط إعادة استثمار جزء من الأرباح، ومنع التحول إلى دعم ريعي.
عطفاً على ما سبق، لتتكلل جهود الدولة الريادية بالنجاح كمشكّل للسوق وتجنب فشل المشاريع الكبرى، يجب إقامة وحدات "تصميم مهمّات" داخل الحكومة تجمع المعلومات وتحللها وتصيغ السياسات، كما يجب قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي والتنموي بدلاً من اعتماد الأثر المالي فقط. أيضاً، من الضروري اعتماد عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص حيث أنها توفر حلولاً متزنةً توزع المخاطر بين القطاعين.






