جائحة «الوحدة»

جائحة «الوحدة»
سوسن الابطح
أخبار البلد -  

إذا كنت تفترض أن الذكاء الاصطناعي، هو لتأدية مهمات مهنية، أو تقنية، فإن واقع الحال، هو عكس ذلك، تماماً. تبيَّن أن أكثر من نصف مستخدمي البرامج الذكية من صنف «تشات جي بي تي» و«ديب سيك» و«مانوس» وغيرها، يرون فيها بالدرجة الأولى، الرفقة المحببة، والتواصل العاطفي المأمون الجانب، إضافة إلى الطبابة النفسية. ففي زمن التوحد والتوحش، يفضل الإنسان أن يفضفض للآلة، يستشيرها، ويأنس إليها على أن يلجأ إلى صديق أو أحد أفراد العائلة. وإذ ما تأزمت النفس، وضاق الصدر، فلا بأس باستشارة نفسية من طبيب افتراضي. ساعد على ذلك توفر الخدمة الصوتية. حتى أن بعض الأزواج يلجأون إلى تقنية الذكاء الاصطناعي لحل مشاكلهم، ويعجبون بأن لها حساسية على تحليل نبرة الصوت، وفهم ما وراء الكلمات. هذا ما أسروا به للباحث مارك زاو ساندرز، أثناء إجرائه دراسة نشرها في «هارفرد بزنس رفيو» وبحث فيها عن أهم الأغراض التي يستخدم الناس لأجلها الذكاء الاصطناعي اليوم، ورتبها بحسب أولويتها لدى المستخدمين.

 

جاءت النتائج مختلفة بشكل لافت عن دراسة مثيلة أجراها العام الماضي. وجد أن المستخدمين صاروا أكثر رومانسية وعاطفية، وانسجاماً مع هذه الروبوتات؛ ما كانوا عليه قبل أشهر فقط. فقد باتوا يعتمدونها بصفتها «طبيباً نفسياً» أو «صديقاً حميماً» لمواجهة الضغوط العاطفية، بينما تراجعت استخداماتها في المهام الروتينية والعملية.

الظريف أن الوظيفة الثانية بعد الرفقة والاستشارة النفسية، التي يفضلها عشاق هذه البرامج، وعددهم يتزايد بشكل كبير بحيث يفوق رواد برامج التواصل، هي «تنظيم الحياة»، كرسم جدول لبرنامج يومي، أو ترتيب نظام العمل. وجاء بالدرجة الثالثة «تحديد الهدف» أو العثور عليه، والمساعدة في بلورة الرؤية الشخصية لأمر ما. وهذا استخدام لم يكن أولوية السنة الفائتة.

نتائج أثارت ما يشبه الصدمة. فالشائع أن المرء يستخدم برامج ذكية ليصل إلى معلومات لا لإقامة علاقات ودية. لكن يتضح أن الرابط بات حميمياً، والألفة خلقت حبلاً عاطفياً بين السائل والمجيب، ولو كان مجرد صوت رقمي.

الرومانسية الوليدة بين البشر وآلتهم، دفعت مارك زوغربيرغ الذي لن يترك فرصة إلا ويستثمرها لجني المال، لأن يركز في «ميتا» على إنجاز برامج تعطي أولويتها لسد هذه الحاجات النفسية والشعورية بشكل خاص، وتلبي العطش العاطفي لذوي النفوس المعذبة والحائرة. ويرى أن شركته هي الأمهر في القيام بهذه المهمة؛ ذلك لأنه جمع من البيانات، بفضل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»؛ ما يؤهله ليكون طبيب المعذبين والباحثين عن أنس. فمن أقدر منه على فهم سيكولوجيا مشتركيه، هو الذي أحصى خلجات نفوسهم ونبضات قلوبهم، وبات يعرف ما سيفكرون به قبل أن يمرّ في خاطرهم.

زوغربيرغ بين الأوفر حظاً صحيح، لكنه ليس وحيداً في الساحة. التطبيقات الصينية لوسائل التواصل جمعت بيانات أكثر من مليار ونصف المليار شخص على مدى سنوات طويلة ماضية. وهي من الحنكة بحيث شرّعت برامجها التوليدية الذكية، الجديدة، بالمجان؛ ما يتيح لها جمع أكبر قدر من المعلومات السلوكية، بأقصر وقت، وتعليم نفسها بسرعة. فالمجانية يقابلها الإقبال الكثيف. والشبان الصينيون بدأوا حملة على «تيك توك» ترشدك إلى تطبيق صيني مجاني مقابل كل تطبيق أميركي مماثل، مدفوع، للفوز بأكبر عدد من الرواد، وجمع أدق البيانات.

اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي بهدف تحفيز الإبداع، أو البحث عن معلومات معرفية، وكتابة نصوص، كلها أمور تأتي في ذيل الاستخدامات.

في زمن غربة الإنسان عن أخيه الإنسان، نصف المستخدمين هدفهم فك العزلة الذاتية، وطلب النصح حيث يغيب الصوت البشري المقابل.

تحولات درامية، صارت مصدر وحي، ومنبع رزق مغرياً، لصناع التكنولوجيا، ليصمموا المزيد من المنتجات التي تجاري بؤساء العصر. لهذا؛ يرى الرئيس التنفيذي لـ«مايكروسوفت» جاريد سباتارو أن الرواج سيكون من نصيب منتجات ذكية، تعمل بصفتها مساعداً شخصياً للإنسان. ترسل البريد الإلكتروني، تتبادل الدردشات مع أصدقائه بدلاً منه، ترتب الملفات، تحرره من روتين العمل، وتكون بمثابة شريك فكري وعاطفي أيضاً.

بكلام آخر، لم يعد الجوال أو اللوح الإلكتروني، أو الجهاز المحمول وسائل اتصال وربط مع الآخر، كما أشيع عنها، بقدر ما حولها الذكاء الاصطناعي تدريجياً، إلى أدواتنا المفضلة للتواصل مع أنفسنا أو أشباحنا الخفية. أي أنك تبوح لهذه الأجهزة، بما تخجل أن تعترف به لأقرب أحبائك. أما الخوف على الخصوصية، فالجيل الجديد يسخر من وساوسنا، ويسألون: ماذا بقي لنتحفظ عليه بعد أن صاروا يعرفون كلماتنا السرية، ومضمون مراسلاتنا، وطبيعة المعلومات التي نبحث عنها وحتى أرقام بطاقاتنا وحساباتنا البنكية. فهل بقي ما يستحق حمايته والتضحية من أجله؟

إنها جائحة «الوحدة» التي تهدد البشرية وتعصف بها، كما لم يضربها مثلها من قبل.

 
 
 
شريط الأخبار وفيات الخميس 29-10-2026 الهلسة: ترحيل ذوي الإرهابيين درءاً للتوترات الطيبي يضع أصوات العرب في معادلة إسقاط نتنياهو الفيدرالي الأميركي يثبت أسعار الفائدة في اجتماعه قبل الأخير للعام الحالي الخارجية السورية: استدعاء السفير الأردني وتسليمه مذكرة احتجاج على قصف مواقع في محافظة درعا أسرة الاتحاد الأردني لشركات التأمين تحتفل بمناسبة تسلم المهندس ماجد سميرات رئاسة مجلس الاتحاد العام العربي للتأمين ونجاح مؤتمر GAIF35 نيوتن للتأمين ترسّخ حضورها في معرض ومؤتمر العمليات الخاصة «سوفكس 2026» "صناعة عمّان" و" التدريب المهني" تبحثان سبل تعزيز تشغيل الأردنيين في القطاع الصناعي نقابة المقاولين تقيم يوم عزاء لشقيق الزميل نادر برقان شهيد حادثة كنيسة حمود وجع الكرك وجعنا".. ماكدونالدز الأردن ينظّم وقفات تضامنية في جميع فروعه بالمملكة ارتفاع عدد قتلى اصطدام قطارين فائقي السرعة في إسبانيا إلى 30 15.8 مليون دينار حجم التداول في بورصة عمان مركز تطوير المناهج: الاتهامات الموجّهة إلى المناهج لا تعكس محتواها الفعلي تحالف نتنياهو يحصد 53 مقعدا مقابل 48 لتحالف آيزنكوت و19 للعرب بعد فرز 100% من الأصوات باستثناء الجنود نظام لتحديد عدد أعضاء المجالس البلدية .. والانتخابات في النصف الأول من 2027 سخط واسع في الهيئة العامة لجمعية جراحة العظام إزاء "سابقة خطيرة" وسط صمت النقابة "أخبار البلد" تكسب قضيتها مع رئيس ديوان المحاسبة أمام محكمة بداية جزاء عمان قرارات جديدة لمجلس الوزراء (تفاصيل) المرشح عن القطاع الغذائي راكان العبسي: هدفنا بناء ربط حقيقي بين التجار والدوائر الحكومية لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة بنك الاتحاد يدعم مشروع صيانة وتحديث حديقة البحتري تعزيزاً للاستدامة الحضرية