الشريط الإعلامي

المنهج الكمي في تقييم مؤتمرات القمم الدولية

آخر تحديث: 2022-12-03، 08:39 am
أ. د. وليد عبدالحي
أخبار البلد-
 
كثيراً ما تباينت الآراء في تقييم حدث سياسي معين، ولما كانت الظاهرة السياسية هي الأكثر غواية لإصدار أحكام التقييم المعيارية، مالت البحوث السياسية تدريجياً نحو المنهج السلوكي في تحليل وتقييم بل والتنبؤ في الظواهر السياسية.
ويقوم المنهج السلوكي على تدعيم المناهج الكيفية بتوظيف آليات تكمية الظواهر واستخدام طرائق التحليل الرياضي والإحصائي، فيتحول المنهج الوصفي أو المقارن أو التاريخي…إلخ إلى نماذج قياس ورصد حجم التغير الكمي في الظاهرة موضوع البحث، ويتمّ تقسيم الظاهرة الكبرى إلى مؤشرات فرعية ليتم قياس كلّ منها عبر الزمن أو عبر مقارنة هذه المؤشرات ببعضها البعض.

وبالرغم من أن لكل منهج مثالبه، فإن تزايد التوجه نحو المنهج الكمي بفعل تغلغل المدرسة السلوكية وبضغط من الدراسات المستقبلية أدى إلى تعزيز مستوى الموضوعية في تحليل الظواهر والابتعاد عن الانطباعية والانحياز الأيديولوجي بقدرٍ كافٍ.

وتمثل ظاهرة مؤتمرات القمة، وهو التعبير الذي جرى تداوله منذ طرحه رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرتشل Winston Churchill سنة 1950، أحد الظواهر التطبيقية للنشاط السياسي والديبلوماسي، وربما تكون دراسة يوهان جالتنج Johan Galtung رائدة في هذا المجال، فهو يرى أن الدول ككيانات معنوية لا تتعامل مع بعضها البعض إلا عبر الأفراد، وهو ما يستوجب اعتماد هؤلاء الأفراد وحدة التحليل لا بصفتهم الفردية بل بصفتهم التمثيلية، فهناك فرق في الصلاحيات بين الرئيس ورئيس الوزراء ووزير الخارجية، وعليه، عند دراسة مؤتمر دولي لا بدّ من تحديد المركز السياسي للفرد المشارك في النشاط السياسي والدولة التي يمثلها هذا الفرد، لكن جالتنج عدّ مؤتمرات القوة هي التي يشارك فيها رؤساء الدول أو رؤساء الوزراء فقط، أما وزراء الخارجية فلا تُعدّ قمة إلا إذا كان المشاركون من القوى القطبية الدولية، وقد طبّق جالتنج هذا التصور في دراسةٍ حلّل فيها مؤتمرات القمة الدولية خلال الفترة 1941–1961.[2]

وتتباين تعريفات مؤتمرات القمة من باحث لآخر في بعض الجوانب، فقد كان المعنى محصوراً لفترة كافية خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها في زعماء القوى العظمى، وهو ما كرسه تشرتشل، كما أن مستوى التمثيل انحصر في الصف الأول من قيادة الدولة؛ الحاكم الأول أو رئيس الوزراء حسب بنية النظام السياسي، وهنا برزت إشكالات في تحديد معنى مؤتمرات القمة مع بروز بعض المناقشات حول مدى اعتبار ولي العهد مثلاً ضمن قائمة القمة أم لا؟ أو نائب الرئيس أو الممثل الشخصي للرئيس.

أما موضوع دور مؤتمرات القمة فهناك آراء متباينة في هذا الجانب، فهناك من يرى أن ظاهرة كبرى مثل العولمة زادت من وتيرة ديبلوماسية القمة، ففي السابق كان الشأن المحلي هو الأكثر حضوراً على جدول أعمال الحاكم، ثم ما لبث أن تزايد التشابك والتداخل بين دول العالم بسبب اتساع التجارة الدولية والترابط الاقتصادي والتقني وغيره، وهو ما فتح الباب أمام تسلل الشأن الإقليمي إلى هذا الجدول. ومع تنامي ظاهرة العولمة أصبح الشأن العالمي يزاحم الشأنين الآخرين، وتدل إحدى الدراسات على أن معدل مشاركة الرئيس الأمريكي في مؤتمرات القمة تصاعَد وبشكل تدريجي من سنة 1945 إلى 2007، فقد ارتفع المعدل الشهري من 0.59 مؤتمر قمة شهرياً إلى 6.53 مؤتمر قمة شهرياً،[3] ولو نظرنا في اجتماعات قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) North Atlantic Treaty Organization (NATO) سنجد أنه خلال الفترة 1949–1990 عقد الحلف 10 مؤتمرات قمة، أي بواقع نحو مؤتمر كل 4 سنوات، لكن الفترة من 1991 إلى 2008 عرفت 11 قمة، أي بواقع 1.6 قمة سنوياً، مما يعني أن إيقاع مؤتمرات القمة للناتو تسارع بقدر يقترب من الضعف، وهو ما يؤكد ما ذهبنا له من تزايد دور دبيلوماسية القمة.[4]

وهناك دراسات أخرى، ترى أن تنامي دور الرأي العام وهيئات المجتمع المدني المحلي والإقليمي والدولي، وتطور وسائل الاتصال تُلقي بظلالها على مؤتمرات القمة باتجاه تراجع دور هذه الديبلوماسية من حيث الفاعلية، لا سيّما أن مؤتمرات القمة المقتصرة على الزعماء تناقش موضوعات متنوعة قد لا تتوفر الخبرات الكافية لرؤساء الدول أو الحكومات لإدراك أبعادها خصوصاً في ظلّ التعقيد الهائل في المجتمع الدولي،[5] ويرى باحثون آخرون أن لمؤتمرات القمة جوانب إيجابية وأخرى سلبية، فهي تعزز الثقة أحياناً لكنها قد تنتهي لاهتزاز هذه الثقة بين طرفَي العلاقة، لا سيّما عند وجود زعماء يفتقرون للخبرة الديبلوماسية، كما أن محاولة استرضاء الرأي العام في مجتمع كل زعيم يلعب دوراً في نجاح أو فشل القمة.[6] وهنا تتباين المسألة طبقاً للنظام السياسي، ففي الدول الديموقراطية يشكل الفشل أو النجاح أحد عوامل دعم مركز الرئيس خصوصاً في جولات الانتخابات القادمة، لكن الأمر ليس بهذا الشكل في الدول ذات الحزب الواحد أو الدول الوراثية للعرش.

دور ديبلوماسية القمة في العلاقات الدولية:

بالرغم من أن العديد من مؤتمرات القمة الإقليمية أو العالمية تنتهي إلى نتائج غير ذات قيمة مادية ملموسة، إلا أن هناك من يرى أن رمزية القمة لها دلالة في أنها تسهم في تكريس فكرة الحوار الدولي، وبالتالي تكريس فكرة البعد السلمي في إدارة العلاقات الدولية، إذ إن تبادل وجهات النظر—حتى ولو لم يحصل اتفاق—يؤسس لبناء الثقة بين طرفَي العلاقة ويعزز مستوى الفهم الجيد لكل طرف لوجهة نظر الطرف الآخر، ويعطي أصحاب هذا الرأي مثالاً على ذلك في القمم السوفييتية الأمريكية خلال الحرب الباردة بالرغم من عمق الخلافات بين الطرفين. لكن وجهة نظر أخرى ترى أن عدم تحقيق نتائج ملموسة قد يقود إلى نتائج ذات مضمون سلبي مثل:[7]

1. إضعاف صورة ديبلوماسية القمة لدى الرأي العام المحلي أو الإقليمي أو الدولي، ويمكن ملاحظة هذه المسألة في مستوى توقعات الرأي العام العربي لنتائج القمم العربية.[8]

2. إضعاف مركز القادة الذين شاركوا في القمة بسبب الفشل في تحقيق نتائج، نتيجة تفسير الفشل بأنه دليل على قصور الذكاء الديبلوماسي لدى الحاكم، أو دليل على الفقر في المعلومات والمهارات الديبلوماسية، أو أنه دليل على النزق السياسي.

3. قلق القادة من أن تقديم تنازلات في المفاوضات قد يهزّ من صورة الحاكم.

ويرى باحثون آخرون أن التشابك والتعقيد في الشأن الدولي، وتأثير العولمة، جعل الإحاطة بكافة ملابسات أي قضية أمراً في غاية التعقيد، وهو ما جعل القادة يفوضون كثيرا ًمن المجالات خصوصاً ذات الطابع التقني إلى التكنوقراط، فإذا فشل التكنوقراط في إنجاز المهمة فإن الحاكم يتحمل تبعات النتائج وهو ما يجعله أقل حماساً للمشاركة لكي لا تقع مسؤولية الفشل مباشرة عليه.

من جانب آخر، فإن ديبلوماسية القمة بعد اتساع عضوية الدولة الواحدة في عشرات المنظمات الدولية والإقليمية، ونتيجة للتطور التكنولوجي وصولاً إلى المؤتمرات عن بعد، أفقدت مثل هذه المؤتمرات خاصية القرارات السرية، وهي سِمة كانت طاغية في تاريخ العلاقات الدولية، وهو ما يفقد المفاوضون آلية كانت فاعلة في السابق.

المؤشرات الكمية لتحليل وتقييم مؤتمرات القمة:

نظراً لاتساع موضوع البحث، فإننا سنركز بحثنا على مؤتمرات القمة العربية، مستفيدين من المؤشرات والطرائق التحليلية لمؤتمرات القمة في العالم كلّه، مع ضرورة التنبيه إلى أننا سنتجاوز القمم الثنائية أو الثلاثية بين الزعماء العرب والتي قد تسبق أو تلحق مؤتمرات القمة الجماعية.

لقد عقدت الدول العربية خلال الفترة 1964–2001 ما مجموعه 19 مؤتمر قمة، أي بمعدل مؤتمر قمة كل 1.9 سنة تقريباً، وعند توزيع هذه المؤتمرات نجد أن سبعة مؤتمرات منها عُقدت في المغرب، أي ما يقارب 37%، تليها مصر 4 مؤتمرات، ومؤتمرين لكل من الأردن والجزائر والعراق، واقتصرت تونس والسودان على مؤتمر واحد لكل منها، بينما لم يُعقد أي مؤتمر قمة عربي في أي دولة خليجية.[9] هذه ظاهرة تستحق التأمل، فلماذا هذا الدور الكبير للمغرب من ناحية، ولماذا كانت أكثر من ثلاثة أضعاف الجزائر أو العراق، ثم ما دلالة أن الخليج لم يستضف أي قمة عربية خلال 36 سنة؟

أما الفترة من 2001 إلى 2022، فقد تمّ عقد 18 مؤتمر قمة أيضاً، كان من بينها خمسة مؤتمرات في دول الخليج، فهل يعكس ذلك دلالة معينة بأنه خلال 37 سنة لم يتم عقد قمة واحدة في أي من دول الخليج، بينما تمّ عقد خمسة منها خلال نحو 20 سنة؟ والملاحظ أنه من الخمسة مؤتمرات كان اثنان منها في السعودية واثنان في قطر وواحد في الكويت، فهل لهذا دلالة؟ وهل له صلة بالمنافسات الخليجية وبالاضطرابات العربية خلال الفترة من 2010 إلى الآن؟ وإذا أضفنا لهذه القمم تلك الاجتماعات الطارئة فإن عدد ما استضافته دول الخليج يصبح 6 مؤتمرات؟ فهل هذا تجسيد لانتقال الوزن من دول الثورة إلى دول الثروة؟[10]

وتشير دراسة غربية حول مؤتمرات القمة العربية، أن الخلافات العربية في مؤتمرات القمة تدور حول ستة جوانب: من يحضر؟ ما جدول الأعمال؟ متى يعقد المؤتمر؟ أين يعقد؟ لماذا يعقد؟ كيف يتم حلّ نقاط الخلاف؟[11]

من الطبيعي أن تحاول كل دولة أن تدعي أن القمة التي تعقد فيها ناجحة، بينما خصوم هذه الدولة سيحاولون تشويه الصورة العامة والنتائج خصوصاً، وهو ما دفعنا للتفكير بتقييم دقيق لمؤتمرات القمة العربية بعيداً عن الغرائزية أو الانفعال اللحظي، ولمساعدة الثقافة السياسية العربية على الانضباط في التقييم لكل ظاهرة سياسية، ولا ندّعي أن المنهج المقترح هو منهج كامل، لكننا نرى أنه أفضل بقدرٍ كبير من التقييم الانطباعي والقائم على التحليل المتسرع.

وفي حالة القياس الكمي للقمم عبر فترة زمنية كاملة يمكننا رصد "الاتجاه الأعظم Mega-trend" لمختلف المؤشرات التي يتم القياس على أساسها، وبالتالي نستطيع طرح رؤى استراتيجية أكثر تناغماً مع الواقع المكشوف ومع المتغيرات الدفينة في باطن الظاهرة.

نموذج القياس المقترح:

كما يتم تقييم مستوى النمو في دولة معينة، أو مستوى الاستقرار أو الديموقراطية أو الفساد، يمكن لنا أن نضع مؤشرات تساعدنا على تقييم الديبلوماسية العربية من خلال ظاهرة محددة هي القمم العربية، وقد حددنا لظاهرة القمة العربية مؤشرات يمكن تحويلها لدلالات كمية على النحو التالي:

1. عدد الحضور الفعلي للدول قياساً للعدد الكلي:

يمثل الحضور مؤشراً على درجة من احترام الدولة المضيفة أو احترام قيادتها الداعية للقمة، كما يشير إلى أن الدولة لديها استعداد أولي للتعاطي مع الموضوعات التي سيتم طرحها من خلال ما يتضمنه جدول الأعمال، وعليه يمكن أن نحسب نسبة الحضور من إجمالي المدعوين، ونعطي قيمة لنسبة الحضور؛ عالية 3 نقاط، ومتوسطة 2 نقطة، وضعيفة 1 نقطة.

2. مستوى التمثيل في القمة لكل دولة (الرئيس، أو الحاكم، أو رئيس الوزراء، أو وزير الخارجية، أو دون ذلك)، يمثل حضور رئيس الدولة، الحاكم، بنفسه مؤشراً على درجة الاهتمام واحتمالات الإنجاز، إذ من المعلوم أن صلاحيات الموظف الحكومي تتسع بارتفاع مكانته في سُلّم صنع القرار، فوجود رئيس الدولة يعني أن التذرع بالصلاحيات تكون مختلفة عن حضور رئيس الوزراء أو وزير الخارجية أو ما دون ذلك، وكثيراً ما كان تخفيض مستوى التمثيل مؤشراً على عدم الرضا عن المؤتمر، أو عدم الرضا من سياسات الدولة المضيفة، أو بسبب العلاقة مع رئيس هذه الدولة المضيفة، أو من باب التعامل بالمثل، فإذا تغيّب رئيس الدولة المضيفة عن قمة في بلدٍ ما فإن رئيس تلك الدولة قد يتغيّب عن القمة المطروحة كردٍ على تغيّب رئيس الدولة المضيفة، ويمكن استثناء حالات المرض أو وقوع حدث مفاجئ.

وعليه، يمكن حساب عدد رؤساء الدول، مثلاً في الدول العربية 22 رئيساً أو ملكاً وأميراً، وحساب نسبة الرؤساء الحاضرين ونسبة الدول التي تمثلت برئيس الوزراء أو ولي العهد أو نائب الرئيس…إلخ، وعدد الدول الممثلة بوزير الخارجية أو ما دون ذلك، ثم حساب نسبة كل مستوى على حدة.

3. وزن الدول الحاضرة في المؤتمر، ويمكن الاعتماد في هذا الجانب على المقاييس الدولية الخاصة بمكانة الدول في مستوى القوى الدولية والتي تعتمد في القياس على مئات المؤشرات الفرعية؛ السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية، والجيو–سياسية…إلخ، فكلما كان عدد الحضور من الدول الأقل أهمية كان ذلك مؤشراً سلبياً، كما أن الأمر ينطبق على القرارات التي سنشير لها لاحقاً، أي كم هي نسبة القوى المركزية التي أيدت القرار، وكم هي نسبة من رفضه أو امتنع عن تأييده، فكلما كان تأييد القوى المركزية أعلى دلّ ذلك على احتمالات التنفيذ ويسر الانتقال للتطبيق الفعلي نسبياً. ويمكن أن نشير في هذا الجانب إلى قيام الاتحاد الإفريقي بمنح الكيان الصهيوني صفة "المراقب"، لكن الجزائر تمكنت من إلغاء هذا القرار مستفيدة من مكانتها الديبلوماسية في القارة الإفريقية.[12]

4. العلاقة بين عدد ومستوى الحضور وبين الدولة المضيفة للمؤتمر: إن عدد ومستوى التمثيل المشارك في القمة مؤشر على مستوى العلاقة بين الدولة المضيفة وبين بقية الدول، وهنا لا بدّ من حساب معامل الارتباط بين حضور الرئيس ومستوى العلاقات التجارية والسياسية والثقافية والعسكرية…إلخ بين البلد المضيف وبين الدولة المشاركة، ما لم يكن هناك مشكلة قانونية مثل تجميد عضوية دولة، أو أن الميثاق يشترط بعض الشروط غير المتوفرة لحظة انعقاد القمة. وإذا أظهر لنا معامل الارتباط وجود علاقة، عالية أو متوسطة أو ضعيفة، بين مستوى التمثيل وبين حجم العلاقات بين الدولة المضيفة والدول المشاركة يمكن حساب ذلك رياضياً، ولكن إذا تبين ضعف الارتباط يمكن إسقاط حساب هذا المتغير.

5. مدة المؤتمر وعدد بنود جدول الأعمال وتقييم أهمية بنود الجدول: يمثل جدول الأعمال مؤشراً مهماً على تقييم القمة، إذ إن إدراج 40 موضوعاً مثلاً على قمة ليوم واحد وبمشاركة عدد كبير من الدول هو مؤشر سلبي بوضوح، لأن ذلك يعني أن الوقت المتاح لمناقشة كل موضوع سيكون محدوداً جداً بسبب عدد الموضوعات وعدد المتحدثين من ممثلي كل دولة، وتشير دراسات عن اجتماعات الجامعة العربية على هذه الإشكالية بشكلٍ واضح، بل إن زيادة الموضوعات تستهدف أحياناً منع مناقشة موضوعات معينة إلا لفترة قصيرة. وتزداد المشكلة حدة إذا كانت بعض الموضوعات معقّدة وتحتاج لمداولات طويلة، مما يعني أن مدة المؤتمر المقررة ستكون سيفاً على رقبة هذه الموضوعات المهمة، وعليه يجب حساب كم هو عدد الموضوعات المطروحة في جدول الأعمال، وكم هي نسبة المهم جداً منها، ونسبة متوسط الأهمية، ثم نسبة الموضوعات الإجرائية غير المهمة نسبياً.

6. التصويت على القرارات (التأييد – الرفض – الامتناع عن التصويت – التغيّب عن التصويت – الانسحاب): يرتبط الإنجاز بشكل جوهري بالقرارات المتخذة، وهنا لا بدّ من مراعاة القاعدة القانونية لاتخاذ القرار وسريانه، فهل هو بالإجماع أو بالأغلبية، وهل هي مطلقة أو نسبية أو بالثلثين، ثم حساب عدد المصوّتين والممتنعين عن التصويت والمتغيّبين عن الجلسة أو المنسحبين من الجلسة، وكل ذلك يسهل تحويله إلى نسب مئوية وتحديد مدى قوة القرار استناداً لقوة الموافقين عليه أو المعترضين وأوزانهم النسبية.

7. أهمية القرارات التي تمّ تأييدها: تضع أغلب المنظمات الدولية في مواثيقها تصنيفاً للموضوعات والقرارات التي تأخذها، فهناك الموضوعات الشكلية أو ذات الطابع الإجرائي؛ موعد القمة، ومكانها، وانتخاب لجان معينة…إلخ، وهناك الموضوعات الجوهرية مثل القضايا السياسية المهمة، أو الاقتصادية، أو العسكرية ذات التأثير على الأمن القومي أو على السياسات العليا للدول المشاركة، وكلما كانت نسبة الموضوعات المهمة التي تمّ اتخاذ قرار فيها أعلى كلما كانت قيمة الإنجاز أعلى. وقد دأب الباحثون في مجال القرارات الجوهرية على تحليل مضمون هذه القرارات، فهل هي عامة أو محددة الجوانب بشكل دقيق، وهل هي مجرد مناشدات، وهل فيها تحديد لخطوات التنفيذ، أو تحديد إجراءات معينة، أو تحديد مدى زمني للتنفيذ…إلخ، ويتم حساب عدد القرارات المهمة وتحديد وزنها طبقاً لتحليل المضمون فيها. ومعلوم أن منهجية تحليل المضمون تصلح لدراسة هذه القرارات لا سيّما ما يسمى تحليل المضمون الهيكلي والمفاهيمي.

8. عدد القرارات التي تمّ تشكيل لجان متابعة لتنفيذها: يمكن الفصل بين هذه النقطة وما سبقها، فاتخاذ قرارات بتشكيل لجان متابعة لتنفيذ القرارات وتقديمها تقارير دورية عن مدى الإنجاز في القرارات المهمة التي تمّ اتخاذها، وهو مؤشر على مستوى جدية القرارات ونوايا التنفيذ، فإذا كان عدد القرارات ذات لجان المتابعة أعلى كان ذلك مؤشراً على الأهمية الأكبر والعكس صحيح، فإذا خَلت القرارات من أي لجان متابعة فإن ذلك يعني ترك الأمر لكل دولة دون أي التزام.

9. مستوى التنفيذ الفعلي: يمكن اعتبار هذا المؤشر هو البعد المستقبلي في عملية التقييم، ويمكن تحديد مستوى التنفيذ من خلال مؤشرات فرعية مثل:

أ. تخصيص الدولة المشاركة في القمة لجنة أو هيئة لتنفيذ القرارات.

ب. اعتماد الدولة أو الدول المشاركة مبالغ مالية أو بنية تحتية مناسبة لتنفيذ القرار.

ج. المدة المقترحة للإنجاز ومدى التزام الدولة بالمدة المحددة وتقديم تقارير دورية حول ذلك.

د. توزيع المهام بين الدول لإنجاز القرارات ذات الطابع الجماعي أو ذات الطابع الإقليمي الفرعي؛ المغرب العربي أو الخليج أو حوض النيل…إلخ.

التقييم للقمم:

من الضروري، كما أشرنا، تخليص التحليل السياسي من الانحياز الأيديولوجي قبل الوصول للتخطيط الاستراتيجي، بهدف رؤية الظواهر على حقيقتها، خصوصاً أن غواية الانحياز هي الأعلى في الظواهر السياسية والاجتماعية، ولما كانت الدول العربية تقع كلها ودون استثناء في خانة دول الاستبداد السياسي، فإن قراراتها رهينة بموقف "الحاكم" أياً كان توصيفه، ومن هنا تكون مؤتمرات القمة ذات أهمية واضحة في النشاط الديبلوماسي العربي، وهو ما يستدعي إيلاء مؤتمرات القمة اهتماماً أكبر لمعرفة وتحديد الاتجاهات، فعلى سبيل المثال؛ تراجعت مدة القمم العربية زمنياً من 1.9 يوم في الفترات الأولى بعد حرب حزيران 1967 إلى يوم واحد، ولم يدم من بين آخر 17 مؤتمر قمة عربية أكثر من يوم واحد إلا مؤتمر واحد، وهو ما يعني أن مستوى وجدية المؤتمرات تتراجع، وهو مؤشر يكشف أن مؤتمراً يضع 40 بنداً على جدول أعماله وتشارك فيه أكثر من عشرين دولة ويدوم ليوم واحد يعني إما أن عدد من شارك في النقاش محدود جداً، أو أن نصيب مناقشة أي موضوع لم تدم أكثر من دقائق؛ فلو كان لدينا 40 بنداً سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وعسكرياً، ومحلياً، وإقليمياً، ودولياً، واستغرق حديث كل مندوب 5 دقائق، فهذا يعني أن المناقشات الكلية يجب أن تدوم أكثر من 73 ساعة طبقاً للمعادلة التالية: 40 (موضوعاً) × 22 (زعيماً) × 5 (دقائق لكل موضوع) = 73.3 ساعة، فما بالنا إذا كان مجموع الوقت لمؤتمر القمة الأخير قرابة 6 ساعات فقط، دون حساب الاستقبال، فإذا أضفنا لها مدة مساوية لمشاورات وزراء الخارجية العرب، تكون المدة مساوية قرابة 16% من الحد الأدنى المطلوب.

إن هذه الورقة تدعو الباحثين العرب إلى توظيف المنهج الكمي في تحليل القمم العربية، ثم توظيف هذه المعطيات الكمية لإنتاج تحليل كيفي يستند لمؤشرات واتجاهات عظمى في الديبلوماسية العربية، وقد تزايدت الدراسات الكمية الخاصة بمؤتمرات القمة أو ديبلوماسية القمة خصوصاً لتقييم هذا النمط الديبلوماسي.[13]

الخلاصة والتوصيات:
1. تزايد دور ديبلوماسية القمة في إدارة الشأن الدولي، والذي تدل عليه المؤشرات الكمية.

2. إضعاف العولمة والتشابك التقني والتجاري لموضوع سرية القرارات والمداولات في ديبلوماسية القمة.

3. إن التحليل الكمي لديبلوماسية القمة يخفف من النظرة الانطباعية والانحياز الأيديولوجي أو التعصب القطري.

4. ضرورة إيلاء الباحثين العرب هذه المنهجية اهتماماً أكبر مما هو سائد حالياً في أدبيات العلاقات الدولية العربية.