بوفاة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز تكون المملكة العربية السعودية خسرت قائدا "اصلاحيا” اراد ان ينقلها، وبشكل تدريجي، الى مرحلة جديدة من الحداثة من خلال تغييرات اجتماعية وسياسية واقتصادية، ولكن تقدمه في السن وتدهور حالته الصحية، ومعارضة المؤسسة الدينية القوية، وانفجار الثورات في الوطن العربي، وتصاعد قوة التيارات الاسلامية المتشددة وخطرها المزدوج الداخلي والخارجي على الاسرة السعودية الحاكمة، حيث "الدولة الاسلامية” في الشمال والقاعدة في الجنوب، جعل من هذه المهمة صعبة ان لم تكن مستحيلة.
الذين عرفوا العاهل السعودي الراحل، وتعاملوا معه، اجمعوا على طيبته، وبدويته، وعروبته، وبديهيته، وقدرته على اتخاذ القرار، مثلما اجمعوا على محاربته للفساد المتجذر في المملكة، خاصة في ميدان صفقات الاسلحة وعمولاتها التي تزكم الانوف، حتى انه الغى صفقة طائرات "يورو فايتر” المتقدمة لانه جاء من يهمس في اذنه بأن نسبة العمولات فاقت الثلاثين في المئة.
الملك عبد الله حاول ان يواجه "هوامير” الفساد في اوساط الاسرة وخارجها، فاعداد الامراء يتضاعف بشكل متسارع، وشره بعضهم للمال من خلال الانتقال لعالم التجارة والبزنس لا يحتاج الى شرح، ولكن جهوده، او بعضها، حقق بعض النتائج الايجابية.
العاهل السعودي الراحل كسر العديد من المحرمات في المملكة عندما انشأ جامعة مختلطة للعلوم والتكنولوجيا تحمل اسمه، اصبحت الطالبات تجلسن جنبا الى جنب مع الطلاب في مقاعد الدراسة والمعامل والمختبرات، وارسل عشرات الآلاف من المبتعثين من الجنسين للدراسة في الخارج، كما يعود له الفضل في ادخال المرأة الى مجلس الشورى، وذهب خطوة ابعد عندما تبنى حوار المذاهب، ومن بعده حوار الاديان، واطلق مبادرة السلام العربية، لكن اصلاحاته ظلت مقتصرة على جوانب اجتماعية واقتصادية، ولم تتطرق للجوانب السياسية الا بشكل طفيف جدا.
***
من الطبيعي ان يختلف الكثيرون، ونحن منهم، حول بعض هذه الخطوات والاصلاحات، خاصة عندما يتعلق الامر بمبادرة السلام العربية، السعودية الاصل في طبعتها الاولى، لانها قدمت تنازلات كبيرة للاسرائيليين ودون ان تحقق اي نتائج فعلية، وقد برر احد المسؤولين الكبار هذه المبادرة بأنها كانت تهدف لامتصاص الغضب الامريكي تجاه المملكة بسبب مشاركة 15 سعوديا في هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عام 2001، ولكن امتصاص الغضب شيء والثوابت العربية والاسلامية شيء آخر يرتقي الى درجة القداسة.
العاهل السعودي الجديد الملك سلمان بن عبد العزيز الذي قضى السنوات الخمس الاخيرة مراقبا وصامتا حتى لا يقدم على اي خطوة يمكن ان تحول دون توليه العرش، بدأ، ومنذ اللحظة الاولى، وضع بصماته بوضوح على خريطة الحكم، بتصفية ارث العاهل السعودي الراحل جزئيا في المرحلة الاولى على الاقل من خلال اطاحته بالسيد خالد التويجري مدير الديوان الملكي، والسكرتير الخاص للعاهل الراحل وكاتم اسراره، واصدار مرسوم ملكي بتعيين الامير محمد بن نايف وزير الداخلية والرجل القوي في المملكة وليا لولي العهد، وابنه الامير محمد بن سلمان وزيرا للدفاع علاوة على رئاسة مكتبه، اي مكتب الملك الجديد، الامر الذي قطع الطريق على الامير متعب بن عبد الله نجل العاهل السعودي الراحل، الذي اخترع منصب ولي ولي العهد وفصله على مقاسه على امل توليه لاحقا.
الملك سلمان وبمثل هذه المراسيم الملكية السريعة حقق امرين على درجة كبيرة من الاهمية يحددان ملامح عهده الجديد:
-
الاول: اعادة الجناح السديري في الاسرة الى الواجهة مجددا، وبقوة، من خلال تثبيت وتعيين ابرز اثنين من جيل "الشباب” فيه، اي الاميرين محمد بن نايف، ومحمد بن سلمان في اقوى منصبين واهم وزارتين في الدولة، اي وزارتي الدفاع والداخلية، علاوة على تولي الاول منصب ولاية العهد الذي يضعه على بعد درجتين من العرش.
-
الثاني، تعزيز وتسهيل وبدء نقل السلطة الى الجيل الثاني من الامراء او احفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود وبطريقة انتقائية تركز على الولاء والكفاءة، حسب مواصفاته.