الحرب مجزرة تدور بين أناس لا يعرف بعضهم بعضًا، لحساب آخرين يعرف بعضهم بعضًا ولا يقتل بعضهم بعضًا - بول فاليري، فيلسوف فرنسي.
في الولايات المتحدة، ثمة مؤشر غير رسمي يُعرف بـ«مؤشر البيتزا»، يُستدلّ به على انشغال مراكز القرار بمداولات مهمة. وتقوم فكرته على أن ارتفاع طلبات البيتزا في محيط البنتاغون والبيت الأبيض قد يشير إلى بقاء الموظفين في مكاتبهم حتى ساعات متأخرة، للتعامل مع أزمة، أو الاستعداد لعملية مرتقبة، أو اتخاذ قرارات سياسية مهمة.
ولعلّنا أمام مؤشر جديد هذه المرة، يُعرف لاحقًا بـ «مؤشر حفر القبور».
ففي الحادي والعشرين من تشرين الأول الماضي، داخل معسكر للجيش الأمريكي في ولاية كارولاينا الشمالية، اعتلى جنود أمريكيون جرافات وشرعوا في حفر قبور. لم تكن قبورًا لعدوّهم، بل لأنفسهم.
حفر مهندسون من لواء الهندسة العشرين، بالتعاون مع متخصصين في إدارة شؤون الوفيات وقساوسة عسكريين من قيادة إسناد الفيلق الثالث، خنادق طويلة في التربة الحمراء بقاعدة فورت براغ. ووُضعت داخلها أكياس جثث تضم نماذج لهياكل عظمية وحاويات مياه محكمة الإغلاق، لمحاكاة جثامين جنود أمريكيين قتلى، ثم عادت الجرافات فردمتها بالتراب.
كان عدد القبور المحفورة كبيرًا جدًا، وتمكّنت جرافة واحدة من حفر خندق يتّسع لعشرين جثمانًا في نحو ساعة وربع الساعة.
وردت هذه التفاصيل في تقرير نشره موقع «ميليتيري تايمز»، المتخصص في أخبار الجيش والدفاع وشؤون العسكريين والمحاربين القدامى وعائلاتهم. وانتشر التقرير على نطاق واسع عبر الإنترنت، ورأى فيه كثير من الناشطين دليلًا على التخطيط لحملة عسكرية كبرى تستهدف إيران وتتضمن إرسال قوات برية إليها.
دفع هذا التأويل الجيش الأمريكي إلى نفيه، مدّعيًا أن الأمر لا يعدو كونه تدريبًا اعتياديًا على دفن أعداد كبيرة من جنوده خلال حرب واسعة، إذا تعذّر نقل جثامينهم إلى الولايات المتحدة بسبب استهداف المطارات والطائرات وتعطّل وسائل النقل.
لكن اللافت أن هذا التدريب هو الأول من نوعه منذ الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، التي قُتل فيها 37 ألف جندي أمريكي. وهو يتلاءم، هذه المرة، مع سيناريو مواجهة عدو قادر على ضرب الموانئ والمطارات، بما قد يحول دون إعادة جثامين الجنود إلى بلادهم بالطائرات، وفق التقليد المتّبع، في نعوش ملفوفة بالعلم الأمريكي.
صرّح الرئيس ترامب عشرات المرات بأنه لن يشنّ حملة عسكرية على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، لكنه لم ينفِ قطّ احتمال شنّها بعدها. وتكاد وسائل الإعلام الأمريكية تُجمع على أن الحرب قادمة بعد انتهاء الانتخابات.
لعلّ حربًا تلوح في الأفق، يعود بعدها السياسيون إلى طاولة المفاوضات، تاركين جنودهم تحت التراب؛ كما في حروب البشر على مرّ التاريخ!.

