ما جاء في حديث دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان بأن المناطق التنموية ومنها المدن الصناعية والمناطق الحرة ، ليست مجرد مساحات استثمارية او تجارية ، بل ادوات تنموية متكاملة تسهم في دعم الإقتصاد الوطني وتحقيق التنمية في المحافظات وتوفير فرص عمل للمجتمع المحلي كلام صحيح.
لأن دورها تنمية المناطق في المدى المتوسط والبعيد من خلال تنفيذ البنية التحتية فيها ، الجاذبة للأستثمار في كافة القطاعات الإقتصادية التي تساهم وبدرجة كبيرة في نمو الإقتصاد الوطني وتشغيل الإيدي العاملة وخاصة اذا ما توفرت كفاءة البيئة التنظيمية التي تعزز جذب الإستثمارات محلياً واقليمياً ودولياً فيها .
وعليه فقد ساهمت المناطق التنموية والمناطق الحرة فعلاً في النمو الإقتصادي ، ولكن يجب الحذر من المبالغة في تقدير حجم الأثر فهنالك ثلاث مستويات :
الأول :الأثر المباشر : الإستثمارات التي تدخل الى المناطق التنموية والحرة ، والمصانع والشركات التي نشأت والوظائف التي توفرها .
الثاني : الأثر غير المباشر : المشتريات من الموردين المحليين ، والنقل ، والخدمات والطاقة ، والبنوك ، والتأمين ، والصيانة وغيرها .
والثالث : الأثر طويل الأجل : نقل التكنولوجيا ، رفع مهارات العمال ، تطوير الصارات ،تكوين سلاسل قيمة محلية وزيادة انتاجية الإقتصاد.
لكن وجود استثمارات بقيمة (6) مليار دينار لا يعني ان هذا المبلغ يضاف سنوياً الى الناتج المحلي الإجمالي ، فالإستثمار هو مخزون من رأس المال وليس قيمة مضافة سنوية ، لذلك لقياس أثر المناطق التنموية والحرة بدقة ينبغي النظر الى القيمة المضافة والأنتاج والصارات والأجور والإنتاجية ، وليس الى حجم الإستثمار وحده .
ولخبرتي العملية في المناطق الحرة والمدن الصناعية لحوالي عقدين ، أعددت كتاب عن تطور تجربة المناطق التنموية والحرة في الأردن عام 2021 ، وقد اظهرت الدراسة ان هنالك تباين في وجهات النظر بين غرفة صناعة عمان والمطورين الرئيسيين للمناطق التنموية والمناطق الحرة ومن اهمها قدرة المساحات المتاحة للإستثمارات في المناطق التنموية والحرة على إستيعاب الإستثمارات المستقبلية في العقدين القادمين ، وكذلك المصانع القائمة حالياً خارج المناطق التنموية والتي ترغب في الإنتقال اليها .
فمن خلال مقارنة الأراضي المتاحة للاستثمارات في المناطق التنموية والمناطق الحرة , مع عدد المصانع المقامة خارج المناطق التنموية وكما جاءت في كتاب غرفة صناعة عمان الى الباحث يتبين لنا مايلي :-
1 – أن اجمالي مساحات الأراضي المتاحة للاستثمارات المستقبلية في المناطق التنموية وفي المناطق الحرة تقدر بحوالي ( 15400 ) دونم , وبمعدل عشر دونمات لكل مصنع وما يتطلبه من مخازن لوجستية الى المواد الاولية والانتاج , تقدر طاقتها الاستيعابية حوالي ( 1500 ) مصنع .
2 – وكما جاء في كتاب غرفة صناعة عمان أن المصانع خارج المناطق التنموية والحرة تقارب ( 6900 ) مصنع فقط التي في محافظة العاصمة , ولو افترضنا أن هنالك مصانع مقامة في كافة محافظات المملكة ما يقرب من ( 20 % ) من عدد المصانع في العاصمة , يكون عدد المصانع في الأردن بحوالي ( 8300 ) مصنع , وباضافة زيادة متوقعة عليها خلال السنوات القادمة 2021 – 2040 ( 30% ) وعليه يكون اجمالي المصانع الحالية والمتوقعة خلال العقدين القادمين ما يقرب من ( 10800 ) مصنع , وعلى افتراض أن العوامل الداخلية والخارجية واحد وفي كافة محافظات المملكة .
3 – وعلى افتراض أن ( 40% ) من هذه المصانع والتي تبلغ بالارقام المطلقة حوالي (4300) مصنع , هي مصانع لاتتناسب مع مواصفات وأنواع الصناعات التي يجب أن تكون في المناطق التنموية , أو الحرة , كالصناعات الكبيرة أو الثقيلة , يبقى حوالي ( 6500 ) مصنع تعمل خارح المناطق التنموية والمتوقع أن تعمل خلال العقدين القادمين 2021 – 2040 .
وكما ذكر فان الطاقة الاستيعابية للمناطق التنموية والمناطق الحرة لا تتجاوز أكثر من (1500) مصنع , حسب الاراضي المتاحة للإستثمارات المستقبلية فيها , من ذلك يتبين لنا أنه من المتوقع بأن تنشأ مصانع ومخازن تجارية خلال العقدين القادمين تفوق قدرة المساحات المتوفرة للاستثمارات في المناطق التنموية والمناطق الحرة مقدرة بحوالي ( 3500 ) مصنع , وباضافة انشأ وتنفيذ المصانع ذات وفرات الحجم الكبير والتي تتطلب مســـــــاحات كــبيرة والمقدرة بحوالـــــــــي ( 4300 ) مصنع . وبذلك يكون اجمالي المصانع المتوقع تنفيذها خارج المناطق التنموية والمناطق الحرة يقدر بحوالي ( 7800 ) مصنع خلال العقدين القادمين .
لذا نقترح البدائل التالية حول امكانية انشاء وتنفيذ المصانع والمخازن اللوجستية في المناطق التنموية أو المناطق الحرة أو خارجها وكما يلي : -
البديل الأول : -
أن لايتم تنفيذ المصانع والمخازن اللوجستية الا في المناطق التنموية أو المناطق الحرة , خلال الخمس سنوات الأولى من العقد الثالث القادم 2021 – 2030 .
البديل الثاني : -
أن معظم المصانع ذات وفرات الحجم الكبير تقع معظمها على الطريق الصحراوي الدولي الذي يربط جنوب وشمال المملكة , وأيضا مع دول الجوار . ابتداء من بلدية القطرانة مرورا في بلدية ضبعا وضبيعة , والجيزة وشرق مدينة سحاب الصناعية , والمنطقة الحرة الموقر , الى شرق جنوب عمان مروراً بالميناء البري والمتضمن جمرك عمان الجديد في الماضونه ومن ثم شرق محافظة الزرقاء وبالقرب من المنطقة الحرة الزرقاء , وصولا الى المناطق الشرقية من محافظة المفرق , والمتواجد فيها , منطقة الملك حسين بن طلال التنموية / المفرق , ومدينة الثريا الصناعية الخاصة , الى حدود جابر والتي يقع بها المنطقة الحرة السورية الأردنية المشتركة .
أن يتم أولا تنظيم المنطقة من قبل الجهات الرسمية المعنية , من بلدية القطرانة وعبر كافة البلديات التي يمر فيها الطريق الصحراوي الدولي باتجاه الشمال حتى الحدود السورية منطقة جابر . وضمن مخطط شمولي واضح المعالم , تقدر المسافة بحوالي 180 كيلومتر . على أن يتم انشاء المصانع والمخازن افقيا ما بين ( 10 – 20) كيلومتر على امتداد الطريق مناصفة بين شرق وغرب الطريق ان أمكن , وكما هو معمول به في بعض دول العالم مثل اسبانيا , وألمانيا وغيرهما .
ان هذه المنطقة الممتدة من بلدية القطرانة الى الحدود الشمالية عبر الطريق الدولي المذكور وبمسافة تقدر بحوالي 180 كيلومتر تستوعب كافة الصناعات الحالية والمستقبلية حتى 2021 – 2060 هذا من جانب ومن جانب آخر أن غالبية المناطق التنموية , والمناطق الحرة في المملكة تقع فيها أو بجوارها .
والأهم من هذا وذاك أن العوامل الخارجية والداخلية غالبيتها متوفرة في هذه المنطقة , الجاذبة الى بيئة الأعمال المحلية والدولية , من توفر بنى تحتية الى المناطق التنموية , والمناطق الحرة التي تقع فيها , وأيضا توفر البنى التحتية الى المصانع وأماكن التخزين المتواجدة فيها , خارج المناطق التنموية والحرة هذا من جانب توفير المساحات المطلوبة للإستثمار في مختلف الأنشطة الإقتصادية ومن جانب آخر فإن ابرز التحديات الحالية والمستقبلية التي تواجه المناطق التنموية والحرة والإستثمار في الأردن وكما يلي :
- ارتفاع بعض الأشغال في بعض المناطق خلال 2025 مؤشر ايجابي لكنه يعني في الوقت نفسه ان هنالك مناطق ما زالت بحاجة الى استثمارات وتخصصات وحوافز وتسويق افضل .
- ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل ، الصناعة الأردنية تواجه تحدياً في تكلفة الطاقة ، واللوجستيات خصوصاً في الصناعات كثيفة الإستهلاك للطاقة . لذلك فإن تقديم إعفاء ضريبي وحده قد لا يكون كافياً لجذب الإستثمار اذا كانت تكلفة الأنتاج والنقل أعلى من الدول المنافسة.
-المنافسة الإقليمية الأردن ينافس دولاً تمتلك اسواقاً أكبر او طاقة ارخص ، او حوافز صناعية لوجستبة أكبر قوة ، لذلك لا ينبغي ان تقوم استراتيجية المناطق التنموية والحرة على من يقدم اعفاءات اكثر بل على سؤال اكثر اهمية من يستطيع ان يوفر للمستثمر افضل منظومة إنتاج وتصدير
-ضعف الروابط بين الشركات المحلية والمستوردين اذا استورد المصنع معظم مدخلاته من الخارج ثم صدر منتجاته ، يكون الأثر المحلي اقل مما لو كان يستخدم موردين اردنيين .
-مشكلة نوعية الوظائف ، عدد الوظائف مهم لكن الأهم هو مستوى الأجور ، الأستقرار الوظيفي ، المهارات المكتسبة ، نسبة الأردنيين ، مشاركة المرأة ، الوظائف الفنية ، الهندسية ، والإدارية ، وقدرة العامل على الإنتقال لاحقاً الى وظائف ذات انتاجية اعلى . ومن ثم فإن الف وظيفة منخفضة المهارة ليست مساوية اقتصادياً الى الف وظيفة صناعية او تقنية عالية المهارة .
-اين تكمن الفرص المستقبلية : ارى ان الأردن امام فرص كبيرة اذا انتقل من نموذج المناطق الصناعية التقليدية الى نموذج المجمعات الإقتصادية المتخصصة اي ان يكون لكل منطقة تخصصاً واضحاً وفق ميزاتها النسبية ( وقد بدأ الخطوات بذلك ) وإذا ما تم اضافة الكرادور من الحدود الشمالية جابر على امتداد الخط الصحراوي الى بلدة القطرانه المرحلة الأولى كما ذكر ونأمل من الحكومة الحالية ان تدرس الموضوع لما يتوافق ورؤيا التحديث الإقتصادي 3030-2020
وما يجب ان يحدث في المرحلة المستقبلية ، عن جودة الإستثمار وليس كمية الإستثمار ومن اهم السياسات المقترحة :
-ربط الحوفز بحجم القيمة المضافة المحلية وليس بحجم الإستثمار فقط
-اعطاء حوافز اضافية للمشروعات التي تحقق صادرات مرتفعة
-انشاء برامج تدريب مشتركة بين المصانع والجامعات وكليات المجتمع
-تخفيض كلف الطاقة من خلال الطاقة الشمسية ومشروعات التخزين والطاقة المتجددة .
-تحسين الربط بين المدن الصناعية والمناطق التنموية والموانيء والحدود ومراكز النقل
-التحول الى مناطق صناعية ذكية خضراء
-التركيز على الصناعات ذات القيمة المضافة مثل الأدوية ، والغذاء المتقدم ، والمستلزمات الطبية والكيماويات والتكنولوجيا .
-استهداف الإستثمار الأجنبي الذي يجلب التكنولوجيا والأسواق وليس راس المال فقط .
-قياس اداء كل منطقة تنموية وحرة سنوياً وفق مؤشرات واضحة ،الأستثمار ، الوظائف ، الصادرات ، الإنتاجية ، الأشغال ، القيمة المضافة ونسبة المدخلات المحلية .
كل ما ذكر يتسق مع رؤية التحديث الإقتصادي 2030-2020 من خلال تعميق وتوسيع دور المناطق التنموية والمدن الصناعية والمناطق الحرة في جذب الإستثمارات النوعية وخلق فرص عمل .
بقلم : دكتور علي المدادحه
13/9/2026

