أخبار البلد -
كان للرأي العام مكان. مقعد من قش في مقهى، صحيفة تتنقل بين يدين، طاولة عليها فناجين كثيرة، جامعة يتجمع طلابها عند الدرج، مقر حزب تفوح منه رائحة التبغ والورق، نقابة، مكتبة، رصيف طويل يصلح للنقاش. وكانت السياسة، قبل أن تصبح محتوى، تحتاج إلى أجساد تجتمع في مكان واحد. في بيروت مثلاً، أمكن طوال عقود أن ترسم خريطة سياسية للمدينة انطلاقاً من مقاهيها وصحفها وجامعاتها. لكل جريدة قراؤها، ولكل حزب دوائره، ولكل مقهى شخصياته الدائمة. كان الرجل يشتري الصحيفة التي تشبه مزاجه السياسي، ثم يجلس إلى رجل اشترى صحيفة أخرى. هنا تبدأ المشكلة الجميلة: طاولة واحدة وحقيقتان. اليوم يستطيع شخصان يعيشان في البيت نفسه أن يستيقظا داخل عالمين سياسيين مختلفين تماماً. يحمل كل واحد منهما هاتفه، يفتح التطبيق نفسه، فتظهر أمام كل منهما بلاد مختلفة، زعماء مختلفون، أخطار مختلفة، أبطال مختلفون، فضائح مختلفة، وأحياناً حرب مختلفة. الخوارزمية تعرف أن الأول توقف طويلاً أمام خطاب سياسي معين، وأن الثاني شاهد مقطعاً يسخر من صاحب الخطاب، فتواصل تقديم المادة التي تزيد احتمال بقائهما أمام الشاشة. هكذا جرى تحول بالغ الأهمية في تاريخ الرأي العام الحديث: انتقلت مساحة واسعة من عملية ترتيب العالم من المؤسسة الإعلامية إلى المنصة. والقضية أعمق من حكاية صحف ورقية تراجعت أمام الإنترنت. نحن أمام تغيير أصاب مفهوم الجمهور نفسه. كان الجمهور، في المعنى الكلاسيكي، جماعة واسعة تتعرض لمجموعة محدودة نسبياً من الرسائل العامة. نشرة أخبار واحدة يشاهدها مئات الآلاف. عنوان رئيسي تقرأه مدينة كاملة صباحاً. خطاب سياسي يسمعه المؤيد والخصم. حتى الدعاية القديمة كانت تحتاج إلى ساحة مشتركة كي تعمل. أما اليوم فهناك ملايين الساحات الصغيرة، وكل واحدة منها تتشكل في اللحظة نفسها وفق سلوك صاحبها. هذا التحول يعيدنا إلى الفكرة التي صاغها يورغن هابرماس حول «المجال العام»، حين درس تاريخ المساحات التي اجتمع فيها المواطنون لمناقشة الشأن المشترك، ووجد في المقهى والصحافة والصالونات الأوروبية المبكرة جزءاً من ولادة الجمهور السياسي الحديث. توسعت الدراسات اللاحقة في نقد حدود هذا التصور والفئات التي بقيت خارجه، فيما ظلت فكرته المركزية حية: الحياة السياسية تحتاج إلى مساحة مشتركة يتداول الناس داخلها القضايا العامة. العالم العربي عرف نسخته الخاصة من تلك المساحة. حملت الصحيفة دوراً بالغ الأهمية، ثم جاءت الإذاعة، وبعدها التلفزيون، وصولاً إلى الفضائيات. ومع كل وسيط جديد كانت خريطة النفوذ تتغير. القوميون عرفوا قوة الإذاعة. الأنظمة فهمت أهمية الصحيفة ثم التلفزيون. حركات المعارضة استفادت من الفضائيات. ثم جاء الإنترنت وأعطى الفرد قدرة كانت تحتاج سابقاً إلى مطبعة أو محطة إرسال. في البداية بدت الشبكة فضاءً واسعاً للتحرر من البوابات القديمة. دراسات أكاديمية تناولت المجال العام العربي الإلكتروني منذ بداياته وجدت أن تعليقات القراء والمنتديات والمواقع الإخبارية فتحت مساحات أمام مواطنين عرب للمشاركة في النقاش العام وتقديم رواياتهم للأحداث ومنافسة سرديات وسائل الإعلام التقليدية. ثم جاءت الانتفاضات العربية عام 2011، فبلغ التفاؤل بالتكنولوجيا ذروته. الهاتف صار كاميرا ومنشوراً ودعوة إلى تظاهرة وشهادة على ما يحدث في الشارع. بدا لبعض الوقت أن المواطن حصل على مطبعته ومحطته التلفزيونية وإذاعته في جهاز واحد. مرت السنوات، ونضجت التجربة، وظهرت صورة أكثر تركيباً. فالفضاء الرقمي الذي وسّع قدرة الناس على الكلام منح الحكومات والقوى السياسية والشركات أدوات هائلة للمراقبة وجمع البيانات والتأثير وصناعة الحملات وتوجيه الرسائل. ويصف الباحثان محمد زياني وجو خليل في كتابهما The Digital Double Bind: Change and Stasis in the Middle East الشرق الأوسط الرقمي بوصفه فضاءً متنازعاً عليه، تتحرك داخله أدوات التعبير والتعبئة إلى جوار المراقبة والضبط السياسي. وهنا دخل إلى السياسة العربية لاعب غريب عن قاموسنا السياسي القديم: الخوارزمية. وهي تعرف شيئاً شديد الأهمية: ما الذي يجعل الإنسان يبقى؟ هذه المعرفة تساوي مالاً ونفوذاً. كل ثانية إضافية يقضيها المستخدم داخل التطبيق تحمل قيمة اقتصادية. لذلك تدخل الأخبار في منافسة مع الرياضة والطبخ والموسيقى والفضائح والحيوانات الطريفة والحوادث والإعلانات. يصبح مقتل عشرات البشر في حرب مادة تظهر بين أغنية ووصفة طعام. وبعد تمريرة واحدة بالإصبع تنتقل العين من جثمان طفل إلى حذاء معروض للبيع. حدث هنا انقلاب ثقافي عميق: الخبر فقد مكانه الخاص. كانت نشرة الأخبار تبدأ بموسيقى يعرفها الناس، فيجلسون أمام الشاشة مستعدين نفسياً لدخول الشأن العام. وكانت الصحيفة تفصل السياسة عن الرياضة والثقافة والوفيات عبر صفحات وأبواب. أما الشاشة الصغيرة فتضع الوجود كله في مجرى واحد. الحرب والزفاف والزلزال والنكتة والانتخابات وكأس العالم تصل تباعاً تحت ضغط الإبهام نفسه. ويتعلم الدماغ تدريجياً إيقاعاً جديداً للسياسة. تحتاج الفكرة إلى سرعة. يحتاج السياسي إلى جملة تصلح للاقتطاع. يحتاج الصحافي إلى عنوان قادر على انتزاع ثانية من انتباه شخص يتعرض لمئات المحفزات يومياً. تحتاج المأساة إلى صورة قوية كي تعبر. هكذا تتحول السياسة نفسها. فالمنصة تتجاوز نقل الخطاب السياسي إلى إعادة تشكيله. السياسي الذي كان يتحدث عشرين دقيقة صار يبحث عن عشرين ثانية قابلة للانتشار. المفكر الذي يحتاج إلى خمس صفحات لشرح قضية معقدة يجد نفسه أمام شخص يختصر العالم في فيديو قصير. الصحافي الذي أمضى أسبوعين في تحقيق استقصائي ينافس رجلاً يفتح الكاميرا الأمامية ويقول بثقة: «سأخبركم بما يحدث فعلاً». وكلمة «فعلاً» هنا صناعة كاملة. إنها توحي بحقيقة مخفية وصل إليها صاحب الفيديو، وبأن المشاهد أصبح عضواً في دائرة صغيرة تعرف أكثر من الآخرين. ومن هذه البنية البسيطة ولدت إمبراطوريات من المؤثرين والمعلقين السياسيين. وهذا يعيد تعريف الزعامة. زعيم الأمس كان يحتاج إلى حزب. زعيم اليوم يستطيع أن يبدأ بحساب. الأول يحتاج إلى تنظيم ومكاتب ومندوبين وصحيفة وشبكة علاقات واجتماعات وسنوات طويلة لبناء اسمه. الثاني يبدأ من القدرة على جذب الانتباه. وإذا اجتمع الانتباه مع الغضب أو الفكاهة أو الكاريزما أو الجرأة، يمكن أن يتشكل حول شخص واحد جمهور يفوق جمهور حزب كامل.
من المقهى إلى الخوارزمية: أين يتكوّن الرأي العام العربي اليوم
عبد الحليم حمود






