لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للاتصال أو تصفح الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي؛ لقد أصبح نافذة ضخمة على حياتنا اليومية، نضع فيها تفاصيلنا وصورنا ومحادثاتنا واهتماماتنا وتحركاتنا، وأحياناً أسرارنا دون أن ندرك حجم المعلومات التي يمكن أن تكشفها هذه الأجهزة والتطبيقات عنا.
والأخطر من ذلك أن كثيراً من الناس ما زالوا يتعاملون مع العالم الرقمي بعقلية الهاتف التقليدي؛ يضغطون على «موافق» دون قراءة، يمنحون التطبيقات صلاحيات واسعة دون معرفة أسبابها، ويشاركون مواقعهم وصورهم ومعلوماتهم الشخصية وكأنها أمور عادية لا قيمة لها.
ما لا يعرفه كثيرون أن الخوارزميات الذكية لا تعمل فقط بالقواعد التي نراها أمامنا، وإنما تعتمد على منظومات هائلة لتحليل سلوك المستخدم وتوقع اهتماماته واحتياجاته.
قد تتحدث عن رحلة سياحية، ثم تجد إعلانات عن الفنادق والطائرات والوجهات السياحية أمامك. وقد تبحث عن منتج، فتبدأ الإعلانات بملاحقتك من منصة إلى أخرى ، وقد تزور أماكن معينة، أو تتفاعل مع موضوعات محددة، فتتكون لدى المنصات صورة أكثر دقة عن اهتماماتك وسلوكك.
لكن هنا يجب أن نكون دقيقين: ليس صحيحاً بالضرورة أن كل ما تقوله حول هاتفك يتم تسجيله سراً وتحليله كما يتخيل البعض. إلا أن التطبيقات والأجهزة قد تجمع، وفق الصلاحيات والإعدادات وسياسات الخصوصية، قدراً كبيراً من البيانات؛ مثل الموقع، وسجل التصفح، وبيانات الاستخدام، والتفاعلات، والبحث، والمشتريات، وأحياناً البيانات الصوتية عند استخدام ميزات المساعد الصوتي أو التسجيل التي منحتها الإذن.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: نحن لا نعرف دائماً ماذا تجمع التطبيقات عنا، ولماذا تجمعه، وإلى أين تذهب هذه البيانات، وكيف يمكن استخدامها لاحقاً.
إنها ليست قضية تكنولوجيا فقط، بل قضية خصوصية ووعي وثقافة رقمية.
فالشركات الرقمية تعرف أن البيانات أصبحت ثروة وكلما عرفت عنك أكثر، استطاعت أن تفهم اهتماماتك بصورة أفضل، وأن تقدم لك محتوى وإعلانات أكثر ملاءمة، وبالتالي تزيد فرص التسويق والمبيعات والإيرادات.
وهنا علينا أن نسأل السؤال الأهم:
هل نحن نستخدم التكنولوجيا… أم أن التكنولوجيا تستخدمنا؟
المشكلة الأكبر ليست في وجود الخوارزميات، ولا في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الخدمات؛ فهذه أدوات يمكن أن تكون مفيدة جدا ، المشكلة في أن يستخدم الإنسان هذه الأدوات دون أن يعرف حقوقه، ودون أن يفهم كيف يحمي بياناته، ودون أن يدرك أن صورة صغيرة أو موقعاً جغرافياً أو عملية بحث أو تعليقاً عابراً قد تكون جزءاً من ملف رقمي أكبر عنه.
والأكثر إثارة للقلق أن الأمية الرقمية أصبحت في بعض الحالات أخطر من الأمية التقليدية.
فقد يكون الإنسان متعلماً ويحمل أعلى الشهادات، لكنه لا يعرف الفرق بين رابط آمن ورابط احتيالي، ولا يعرف كيف يراجع أذونات التطبيقات، أو يغلق مشاركة الموقع، أو يحمي حساباته بالمصادقة متعددة العوامل، أو يكتشف أن صورة نشرها قد تحتوي على معلومات تكشف مكانه.
ولا يكفي أن نقول للناس: «أغلقوا خاصية التتبع».
فالحماية الرقمية ليست زرّاً واحداً نضغط عليه، وإنما ثقافة وسلوك مستمر.
ماذا نستطيع أن نفعل؟
أولاً، علينا مراجعة صلاحيات التطبيقات الموجودة على هواتفنا، خصوصاً صلاحيات الموقع والكاميرا والميكروفون وجهات الاتصال والصور.
ثانياً، عدم منح أي تطبيق صلاحية لا يحتاجها فعلياً لأداء وظيفته.
ثالثاً، مراجعة إعدادات الخصوصية في أنظمة تشغيل الهواتف وفي حسابات التواصل الاجتماعي بصورة دورية.
رابعاً، استخدام كلمات مرور قوية ومختلفة للحسابات المهمة، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل متى كانت متاحة.
خامساً، عدم الضغط على الروابط المجهولة، وعدم إدخال البيانات البنكية أو كلمات المرور استجابة لرسائل مشبوهة.
سادساً، تقليل نشر المعلومات الشخصية الحساسة، مثل تفاصيل السفر ومكان الإقامة والعنوان ورقم الهاتف والوثائق الرسمية.
سابعاً، تعليم كبار السن والأطفال خصوصاً؛ لأنهم من أكثر الفئات عرضة للاستغلال والاحتيال الرقمي.
وثامناً، والأهم، أن نتوقف عن الضغط على «أوافق» دون أن نعرف على ماذا وافقنا.
أما الحل الحقيقي، فلا يبدأ من الهاتف، وإنما من المدرسة.
نحن بحاجة إلى مادة دراسية جديدة للأجيال القادمة، لا تعلمهم فقط كيف يستخدمون الهاتف والحاسوب، بل تعلمهم كيف يعيشون بأمان في العالم الرقمي.
مادة تتناول التواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وإدارة المحتوى، والأخلاقيات الرقمية، وحماية الخصوصية والبيانات الشخصية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، ومخاطر الاحتيال الإلكتروني، وكيفية التحقق من الأخبار والمعلومات، وكيف يترك الإنسان «أثراً رقمياً» قد يبقى سنوات طويلة.
بل يجب أن يتعلم الطالب منذ الصغر أن الإنترنت ليس مكاناً بلا قوانين، وأن الخصوصية ليست ترفاً، وأن البيانات الشخصية ملك لصاحبها وليست مادة مجانية لمن يريد استغلالها.
نحن أمام جيل يعيش جزءاً كبيراً من حياته داخل عالم رقمي، ولذلك فإن محو الأمية الرقمية يجب أن يصبح جزءاً أساسياً من التعليم، تماماً كما تعلمنا القراءة والكتابة والحساب.
فالمستقبل لن يكون لمن يملك أحدث هاتف فقط، وإنما لمن يعرف كيف يستخدمه ويحمي نفسه من خلاله.
وفي عالم أصبحت فيه الخوارزميات تعرف عنا أحياناً أكثر مما نتوقع، فإن أخطر شيء ليس أن تكون التكنولوجيا ذكية…
بل أن يكون المستخدم جاهلاً بكيفية عملها.
وما خفي من عالم البيانات والذكاء الاصطناعي قد يكون أعظم بكثير مما نتصور؛ ولذلك فإن أفضل حماية لنا ليست الخوف من التكنولوجيا، وإنما الوعي بها.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.

