أجد نفسي مضطرًا إلى توضيح ما كتبته عن التعداد السكاني، لأنني لاحظت أن البعض يتعامل مع النقد وكأنه موجه إلى أشخاص، بينما أنا أتحدث عن منهجية عمل وسياسة وطنية واستراتيجية يفترض أن تواكب الأردن الذي يتحدث عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
أنا لا أنتقد شخصًا، ولا أبحث عن أخطاء لأضعها في سجل أحد، ولا أشكك في وطنية أو كفاءة القائمين على التعداد. لكنني في الوقت نفسه لا أعتقد أن مشروعًا وطنيًا بهذا الحجم يجب أن يكون فوق النقد أو الأسئلة.
التعداد السكاني ليس مناسبة بروتوكولية، وليس مجرد حملة لعدّ المواطنين.
إنه مشروع معلومات وطني، وستُبنى على نتائجه قرارات وسياسات في قطاعات الدولة المختلفة لسنوات طويلة ، ولذلك فإن السؤال عن كيف سنعدّ؟ لا يقل أهمية عن السؤال عن كم عددنا؟
ما أثار استغرابي هو أن بعض التصريحات التي وصلت إلى الرأي العام أعطت انطباعًا بأننا أمام عودة إلى التعداد التقليدي: موظف يطرق باب المنزل، يجلس أمام رب الأسرة، يطلب بطاقة التعريف، ويسجل البيانات.
وهنا من حقي، ومن حق أي مواطن مهتم بالشأن العام، أن يسأل:
هل هذا فعلًا هو التعداد الذي يتحدث عنه الأردن في عصر التحول الرقمي؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهذه قضية تستحق النقاش.
أما إذا كانت الإجابة لا، وأن العملية ستتم من خلال قواعد بيانات حكومية مترابطة، وخرائط جغرافية، وأنظمة رقمية، والذكاء الاصطناعي، وربط البيانات وتحليلها إلكترونيًا، فهنا أقول: هذه هي الرسالة التي يجب أن يسمعها المواطن بوضوح.
والأهم من ذلك، لماذا لا تكون دائرة الإحصاءات العامة هي المصدر الإعلامي الواضح لكل التفاصيل الفنية؟
ليس بالضرورة أن يكون رأس الهرم هو من يشرح كل إجراء تقني ، من الطبيعي في المشاريع الوطنية الكبرى أن يكون هناك ناطق إعلامي متخصص، يعرف تفاصيل المشروع، ويتحدث بلغة واضحة، ويجيب عن أسئلة الصحفيين، ويمنع تضارب التصريحات والاجتهادات التي تخلق صورة غير دقيقة عن مشروع يفترض أن يكون قائمًا على أعلى درجات المهنية.
المشكلة ليست في التصريح بحد ذاته، وإنما في الصورة التي يصنعها التصريح لدى الرأي العام.
وأقولها بصراحة أكبر:
إذا كنا قد استثمرنا في الحكومة الرقمية، وقواعد البيانات الوطنية، والخرائط الرقمية، والهوية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتحول الإلكتروني، ثم انتهينا في التعداد إلى سؤال المواطن عن بيانات موجودة أصلًا في سجلات الدولة، فهنا يجب أن نسأل أنفسنا: أين ذهبت كل هذه الاستثمارات والسنوات التي قضيناها في بناء الدولة الرقمية؟
أما أن يتحول هذا السؤال إلى اتهام بأننا ننتقد الأشخاص، فهذا خلط لا يخدم أحدًا.
النقد المهني ليس إساءة، والاختلاف ليس خصومة، وطرح الأسئلة ليس تشكيكًا.
بل إنني أرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع وطني هو أن يصبح المسؤولون محاطين فقط بمن يقول لهم: «كل شيء ممتاز»، بينما لا يجد أحد الجرأة ليقول: «توقفوا قليلًا… هل نحن نسير في الاتجاه الصحيح؟»
أنا لا أريد لتعداد الأردن أن يفشل، بل على العكس تمامًا.
أريد تعدادًا يليق بالأردن.
أريد أن نرى تجربة حديثة، تستفيد من البيانات التي بنتها الدولة خلال السنوات الماضية، وتستخدم التكنولوجيا حيث يجب استخدامها، والذكاء الاصطناعي حيث يمكن أن يضيف قيمة حقيقية، والخرائط الجغرافية وقواعد البيانات المترابطة للوصول إلى نتائج أكثر دقة وأقل كلفة وأكثر كفاءة.
ولهذا، لن أستعجل الحكم.
دعونا ننتظر العملية كاملة.
فإذا اتضح أن ما يجري هو فعلًا تعداد حديث، رقمي، ذكي، ومبني على تكامل قواعد البيانات الحكومية والخرائط الجغرافية وأحدث التقنيات، فسأكون من أوائل من يعترف بأن مخاوفه لم تكن في محلها.
وسأرفع القبعة عاليًا لكل من ساهم في هذا الإنجاز، وسأقول بكل وضوح:
أحسنتم… هذا هو الأردن الذي نريده.
لكن إلى أن نرى ذلك على أرض الواقع، فمن حقنا أن نسأل، ومن واجب أصحاب القرار أن يوضحوا، ومن حق الإعلام أن يستفسر، ومن حق المواطن أن يعرف.
فالمشاريع الوطنية الكبرى لا تخاف من الأسئلة.
الذي يخاف من الأسئلة هو المشروع الذي لا يملك إجابات واضحة.
ولذلك، دعونا لا نختلف حول الأشخاص…
فلنختلف حول الفكرة، والمنهج، والنتيجة التي نريدها.
فالهدف ليس تسجيل انتصار في مقال أو إثبات خطأ في تصريح.
الهدف أن نخرج من التعداد المقبل بصورة تليق بدولة تقول إنها دخلت عصر التحول الرقمي.


