لم تعد أزمة السير في الأردن، وتحديداً في العاصمة عمّان، أزمة ساعات الصباح كما كانت في السابق ، كنا نعرف موعدها تقريباً؛ صباحاً مع ذهاب الموظفين إلى أعمالهم والطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم، وتشتد في مواسم الصيف مع عودة المغتربين إلى حضن الوطن، وقدوم الأشقاء العرب لزيارة بلدهم الثاني الأردن.
أما اليوم، فالمشهد مختلف تماماً.
في هذا الصيف تحديداً، أصبحت أزمة السير حاضرة في معظم أيام الأسبوع، وفي أوقات مختلفة من النهار، حتى بات المشوار الذي كان يحتاج إلى عشر دقائق يستنزف أحياناً نصف ساعة أو أكثر، وكأن شوارع عمّان تحولت إلى مواقف سيارات متحركة!
نحن ندرك أن عدد المركبات في المملكة يزداد عاماً بعد عام، وأن كثيراً من الأسر الأردنية تمتلك أكثر من مركبة، وهذا أمر طبيعي في ظل متطلبات الحياة ، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة: هل المشكلة في عدد السيارات فقط، أم في طريقة إدارتنا لحركة هذه السيارات؟
ففي الشوارع نفسها تجد السيارات الصغيرة، والباصات، والصهاريج، والشاحنات، والسيارات المبردة التي توزع المواد الغذائية على المحال، وسيارات جمع الخردة، وجمع النفايات، وبائعي الخضار، ومركبات الخدمات المختلفة… وكلها تتحرك في الأوقات نفسها، وعلى الطرق نفسها، وفي قلب المناطق الأكثر ازدحاماً.
وأذكر، إن لم تخنّي الذاكرة، أن الشاحنات الكبيرة كانت في السابق تخضع لأوقات محددة للحركة، وبعضها يحتاج إلى تصاريح خاصة لدخول مناطق معينة وفي ساعات محددة ، أما اليوم، فيبدو أن الحابل اختلط بالنابل، وأصبح كل شيء يتحرك في كل وقت، وكأن شوارع العاصمة قادرة على استيعاب ما لا نهاية له من المركبات.
وهنا لا بد أن نسأل: أين التخطيط المروري؟ وأين إدارة الحركة؟ وأين الحلول التي تواكب هذا النمو المتسارع في أعداد المركبات؟
القضية ليست مجرد دقائق نضيعها خلف مقود السيارة.
إنها قضية اقتصاد وبيئة وصحة وأعصاب.
كل دقيقة إضافية نقضيها في الازدحام تعني وقوداً إضافياً يُحرق بلا فائدة، وانبعاثات أكثر تلوثاً للهواء، ووقتاً إنتاجياً مهدوراً، وضغطاً نفسياً متزايداً على السائقين ، وليس سراً أن القيادة وسط الازدحامات الخانقة، يوماً بعد يوم، ترفع مستويات التوتر والإرهاق، وتترك آثاراً صحية لا ينبغي الاستهانة بها.
والأهم من ذلك كله أن استمرار الأزمة بهذه الصورة يعني أننا لا نتعامل مع المشكلة، وإنما نتعايش معها، وكأن الاختناق المروري أصبح جزءاً من طبيعة الحياة في عمّان.
وهذا أخطر ما في الأمر.
نحن بحاجة إلى حلول عملية، لا إلى مزيد من الدراسات التي توضع على الرفوف ، نحتاج إلى إدارة مرورية حديثة تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي، وتراقب حركة المركبات لحظة بلحظة، وتعيد تنظيم أوقات دخول الشاحنات ومركبات التوزيع والنفايات والخدمات إلى المناطق المزدحمة.
نحتاج إلى تفعيل النقل العام بصورة حقيقية، وربط مساراته بشكل أفضل، وتشجيع الناس على استخدامه، وتطبيق حلول ذكية لإدارة الإشارات والتقاطعات، وإعادة النظر في بعض مسارات الطرق وأوقات التحميل والتنزيل والوقوف، والأهم أن تكون هناك جهة واحدة تقود المشهد المروري برؤية واضحة ومسؤولية محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
عمّان مدينة عريقة وجميلة، لكنها اليوم تختنق من كثرة المركبات وضعف تنظيم الحركة.
ولا يجوز أن ننتظر حتى تصبح الأزمة أكبر من قدرتنا على التعامل معها.
فالسيارة التي تقف في شارع مزدحم ليست المشكلة وحدها؛ المشكلة الحقيقية هي منظومة لم تعد قادرة على إدارة هذا العدد المتزايد من المركبات بكفاءة.
ومن هنا، فإن السؤال ليس: متى ستنتهي أزمة السير؟
بل السؤال الأكثر إلحاحاً:
متى نبدأ فعلياً بإدارة أزمة السير قبل أن تتحول عمّان إلى مدينة لا تتحرك؟
فالطرق وحدها لا تصنع انسيابية المرور…
الإدارة الذكية هي التي تفعل.
