من أجمل ما قيل بحق إحدى الحكومات غير العربية: «إنهم ينحتون الولاء والانتماء في ضمير شعبهم نحتاً». عبارة تختصر فلسفة عميقة في بناء علاقة حقيقية بين الدولة ومواطنيها؛ فالوطنية لا تُفرض بالشعارات، ولا تُطلب من الناس بقرار، وإنما تُبنى عبر سنوات من العدالة والإنجاز والكرامة والشعور بأن الوطن يتسع للجميع.
وهنا يحق لنا أن نسأل، بمرارة لا تخلو من الأمل: هل يمكن أن نصل يوماً في منطقتنا العربية إلى هذه اللوحة الجميلة؟ أم أننا وصلنا إلى مرحلة ينطبق عليها المثل القائل: «لا يصلح العطار ما أفسد الدهر»؟
لقد أنهكت سوء الإدارة ما تبقى من ثقة في نفوس شعوب متعبة، وأصبح المواطن العربي في كثير من الأحيان ينظر إلى المستقبل بقلق، وإلى مؤسسات الدولة بشك، وإلى فرصه في الحياة وكأنها مرتبطة بمن يعرف، لا بمن يستحق.
ثقافة التوريث في بعض المناصب العليا، والمحسوبية والواسطة، وتقديم القريب والمقرّب على صاحب الكفاءة، ليست مجرد أخطاء إدارية عابرة؛ إنها معاول تهدم بصمت جسور الثقة بين المواطن والدولة ، فكيف يشعر شاب بالعدالة وهو يرى الطريق أمامه مغلقاً، بينما تفتح الأبواب على مصاريعها أمام من وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب؟
المشكلة أن من عاش حياته بعيداً عن الحاجة، ولم يعرف طعم الانتظار على أبواب المؤسسات، أو القلق على راتب آخر الشهر، أو الخوف على مستقبل أبنائه، قد يصعب عليه أن يدرك حجم معاناة الآخرين ، ومن هنا تبدأ الفجوة بين المسؤول والمواطن، وكلما اتسعت الفجوة أصبح الخطاب الرسمي أكثر بعداً عن الواقع الذي يعيشه الناس.
وفي المقابل، يبدو أن ثقافة «كل واحد يدير النار على قرصه» قد أصبحت، للأسف، حاضرة في جزء من مجتمعاتنا؛ فحين يفقد الإنسان ثقته بأن النظام العام سيمنحه حقه، يبدأ بالبحث عن مصلحته الفردية، وتتراجع قيمة المصلحة العامة أمام قاعدة: «أنا ومن بعدي الطوفان».
لكن السؤال الأكبر: من المسؤول عن كل ذلك؟
ربما لا توجد إجابة واحدة. فالدولة مسؤولة عن بناء المؤسسات العادلة، والنخب مسؤولة عن تقديم القدوة، والمجتمع مسؤول عن مقاومة ثقافة الواسطة، والمواطن مسؤول عن عدم تحويل الفساد إلى «شطارة» والمحسوبية إلى «خدمة». إنها منظومة كاملة، إذا اختل جزء منها انعكس الخلل على الجميع.
ولعل أصعب ما تواجهه منطقتنا العربية اليوم ليس نقص الموارد، ولا غياب الكفاءات، ولا حتى نقص الأفكار وإنما أزمة ثقة ، والثقة حين تُهدم لا تُعاد ببيان أو خطاب، بل تحتاج إلى سنوات من الممارسة الصادقة والعدالة والإنجاز.
قد تحتاج منطقتنا العربية إلى أجيال حتى تستطيع أن تنحت الولاء والانتماء في نفوس شعوبها، لا بالخوف، ولا بالشعارات، ولا بكثرة الحديث عن الوطنية، وإنما بالعدالة والكرامة وتكافؤ الفرص واحترام الإنسان.
وربما يكون الأمل معلقاً على أجيال جديدة، أكثر وعياً وأقل خوفاً، ومدعومة بكل أنواع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، تستطيع أن تكسر بعض القواعد القديمة، وتعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وتدرك أن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة ليس في الحجر وحده، وإنما في بناء الإنسان والثقة بالمستقبل.
فالأوطان لا تحتاج مواطنين يخافون عليها فقط…
بل تحتاج مواطنين يؤمنون بها، ويشعرون أنها لهم، وأنها عادلة معهم.
وعندما يصل المواطن إلى هذه القناعة، عندها فقط يبدأ الوطن بالنحت في الضمير… لا أن يُكتب على الورق.
