"قال له: أبي يجبر المكسورة، فرد عليه: أبي يجبرها قبل أن تنكسر.”
ليست هذه مجرد عبارة جميلة نتداولها في مجالسنا، بل هي منهج في الإدارة، وفلسفة في الحكم، وأساس في بناء المجتمعات ،؟فالدولة التي تنتظر حتى ينهكها الفقر، أو يثقل كاهل مواطنيها الغلاء، أو تزداد معاناتهم، ثم تبدأ بالبحث عن الحلول، تكون قد عالجت النتائج وتركت الأسباب تتفاقم.
في وطننا العزيز، لا يحتاج المواطن إلى كثير من الشروحات أو الأرقام ليعرف حجم الضغوط التي يعيشها ، فهو يلمسها كل صباح عندما يذهب إلى السوق، ويشعر بها عند دفع فاتورة، ويعيشها مع كل التزام جديد يفرضه واقع الحياة ، وفي المقابل فإن دخله سواء كان راتبًا تقاعديًا أو راتب موظف على رأس عمله، يتآكل يومًا بعد يوم، بينما ترتفع كلفة المعيشة بوتيرة لا ترحم.
وأنا هنا لا أتحدث عن أصحاب الامتيازات، ولا عن أصحاب الكراسي المخملية ومن يدور في محيطهم، وإنما عن الأغلبية الصامتة… تلك التي تستيقظ كل صباح وهي تحمل همَّ توفير لقمة العيش، وتسدد ما استطاعت من التزاماتها، ثم تؤجل ما تبقى إلى أجل لا تعلم متى يأتي.
هناك أسر وصلت إلى مرحلة العوز، لكنها ما زالت تخفي حاجتها خلف أبواب بيوتها ، لم تدفعها الظروف إلى مد اليد، لأن الكرامة التي تربت عليها أكبر من أن تسمح لها بالسؤال ، هؤلاء هم الذين يجب أن تبحث عنهم مؤسسات الدولة، لا أن تنتظر حتى يضطرهم الفقر إلى طلب المساعدة.
ولا يختلف الحال كثيرًا في القطاع الخاص، حيث يعمل آلاف الشباب والآباء برواتب لا تكاد تكفي أساسيات الحياة ، فكيف يمكن لراتب محدود أن يواجه إيجار منزل، وفواتير الكهرباء والماء، ومتطلبات الغذاء والدواء، ثم يفي بحقوق الأبناء في التعليم والحياة الكريمة؟
ونحن اليوم على أعتاب عام دراسي جديد، يعود السؤال ذاته ليؤرق آلاف الأسر: كيف سنوفر الحقائب والقرطاسية والملابس المدرسية؟ وكيف سنحافظ على ابتسامة أطفال لا يدركون لماذا أصبح كل شيء أصعب من ذي قبل؟
إن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بالمباني ولا بالمشاريع وحدها، وإنما يبدأ بالإنسان ، فالطفل الذي يذهب إلى مدرسته مطمئنًا، والأب الذي يعود إلى منزله وهو قادر على تلبية احتياجات أسرته، والأم التي لا تقضي ليلها تفكر كيف ستدبر مصروف الغد… هؤلاء هم الثروة الوطنية الحقيقية.
ولا يسعنا إلا أن نحيّي كل المبادرات الخيرية التي يقودها أفراد ومؤسسات، فقد كانت وما زالت سندًا لكثير من الأسر، وجزاهم الله خير الجزاء ،لكنها تبقى جهودًا مباركة لا تستطيع وحدها أن تحمل عبء قضية بهذا الحجم، لأن المسؤولية في جوهرها مسؤولية تكاملية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.
إن المطلوب اليوم ليس حلولًا مؤقتة، بل رؤية دائمة تجعل حماية المواطن أولوية، وتخفف من أعباء الحياة، وتوجه الدعم إلى مستحقيه، وتمنح أصحاب الدخل المحدود فرصة للعيش بكرامة ، فالمواطن لا يريد ترفًا، ولا يطلب المستحيل، بل يريد أن يشعر أن وطنه يقف إلى جانبه عندما تضيق به السبل.
الأوطان لا تُقاس فقط بما تحققه من مؤشرات اقتصادية، بل بما يشعر به الإنسان البسيط وهو يسير في شوارعها ، فإذا كان المواطن مطمئنًا على لقمة عيشه، وعلى تعليم أبنائه، وعلى مستقبله، فذلك هو النجاح الحقيقي.
فلنجعل شعار المرحلة: "الجبر قبل الكسر”… لأن كسر خاطر المواطن ليس خسارة لفرد واحد، بل هو خسارة للوطن بأكمله، ولأن الوقاية من المعاناة أسمى وأعدل وأقل كلفة من محاولة علاجها بعد أن تستفحل.
