ليس هناك خلاف بين اثنين على أن ضبط السرعات على الطرق ضرورة وطنية وإنسانية قبل أن يكون إجراءً قانونيًا ، فكل حادث يتم تجنبه يعني أسرة نجت من الفقد، وأطفالًا لم يفقدوا أبًا أو أمًا، وأرواحًا كُتب لها عمر جديد. ومن هذا المنطلق، فإن المواطن الأردني يقف إلى جانب كل جهد صادق يهدف إلى تعزيز السلامة المرورية وحماية مستخدمي الطرق، لأن سلامة الإنسان يجب أن تبقى دائمًا فوق كل اعتبار.
غير أن دعم هذه الجهود لا يلغي حق المواطن في طرح الأسئلة، خاصة عندما يلاحظ وجود كاميرات مراقبة السرعة في مواقع يرى كثيرون أنها تجعل الالتزام بالسرعة المحددة أمرًا بالغ الصعوبة، ولا سيما على المنحدرات الحادة التي قد تؤدي بطبيعتها إلى زيادة سرعة المركبة حتى دون الضغط على دواسة الوقود ، وعندما تتكرر المخالفات في الموقع نفسه رغم الحرص والانتباه، يصبح التساؤل مشروعًا: هل الغاية هي تقويم السلوك المروري والحد من الحوادث، أم أن النتيجة العملية أصبحت تسجيل أكبر عدد ممكن من المخالفات؟
إن نجاح أي سياسة مرورية لا يُقاس بعدد المخالفات المحررة، وإنما بانخفاض أعداد الحوادث والإصابات والوفيات، وبمدى اقتناع المواطن بعدالة الإجراءات وموضوعيتها ، فالقانون يحقق رسالته عندما يشعر المواطن بأنه يحميه، لا عندما يعتقد أنه وقع في مخالفة كان من الصعب تفاديها ، وحين يقتنع الناس بأن الهدف هو الحفاظ على أرواحهم، فإن احترامهم للقانون يصبح نابعًا من القناعة لا من الخوف.
ومن هنا، فإن مراجعة مواقع كاميرات ضبط السرعة بصورة دورية، وفق دراسات هندسية ومرورية معلنة وشفافة، والاستماع إلى ملاحظات المواطنين والخبراء، لا يُعد تراجعًا عن تطبيق القانون، بل هو تعزيز لعدالته ورفع لمستوى الثقة به. فالمؤسسات القوية هي التي تراجع أداءها باستمرار، وتصحح ما يحتاج إلى تصحيح دون حرج.
إن العلاقة بين الدولة والمواطن تقوم على الثقة، والثقة لا تُبنى إلا بالشفافية والعدالة والشعور بأن المصلحة العامة هي البوصلة التي توجه جميع القرارات ، لذلك، فإن كل إجراء يعزز هذا الشعور هو استثمار في استقرار المجتمع واحترام القانون.
ويبقى الأمل أن تكون كل كاميرا على الطريق رمزًا لحماية الأرواح، لا سببًا في ترسيخ الانطباع لدى البعض بأن الجباية أصبحت هي العنوان ، فحين تجتمع السلامة مع العدالة، يربح الجميع، ويصبح القانون مصدر طمأنينة وثقة، لا مصدر قلق وتساؤلات.
والله من وراء القصد.
