يقول الموروث الشعبي: "المشكلة مش برتقالة… ولكن قلوب مليانة”، وهي عبارة تختصر الكثير من المشاهد التي نعيشها اليوم. فغالباً ما تكون ردود الفعل الحادة تجاه بعض الأحداث أو التصريحات أكبر من الحدث نفسه، لأن ما يظهر على السطح ليس سوى انعكاس لما تراكم في النفوس من مشاعر القلق والإحباط وعدم الرضا عن جوانب مختلفة من الواقع المعيشي والاجتماعي.
فالمواطن الذي يواجه تحديات الحياة اليومية، ويشعر بثقل الأعباء الاقتصادية، ويراقب فرصاً تضيع أو حقوقاً يعتقد أنها لا توزع بعدالة، قد لا يكون غاضباً من حادثة بعينها بقدر ما هو متأثر بحالة عامة من الضغوط المتراكمة ، وعندما تضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات، أو عندما ينتشر الاعتقاد بأن المحسوبية والواسطة ما زالتا تؤثران في بعض جوانب الحياة العامة، فإن حالة الاحتقان تصبح أكثر قابلية للظهور عند أي مناسبة أو نقاش عام.
في هذا السياق، برزت مواقع التواصل الاجتماعي كمنصة مفتوحة للتعبير عن الآراء والمواقف ، ورغم ما يوجه إليها من انتقادات بسبب انتشار الجدل الحاد أحياناً أو المعلومات غير الدقيقة أحياناً أخرى، إلا أنها أصبحت بالنسبة للكثيرين متنفساً للتعبير عن الهواجس والمطالب والأسئلة التي قد لا تجد طريقها إلى المنابر التقليدية ، فهذه المنصات لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت إلى مساحة للنقاش العام، ومرآة تعكس ما يدور في الشارع من أفكار ومشاعر.
ولو تأملنا المشهد بموضوعية، لوجدنا أن المشكلة لا تكمن في وجود هذه المنصات بحد ذاتها، وإنما في كيفية استخدامها. فحرية التعبير حق أساسي، لكنها تقترن دائماً بالمسؤولية ، والكلمة التي تُكتب في لحظة غضب قد تترك آثاراً تتجاوز صاحبها لتطال أسرته أو محيطه أو حتى المجتمع بأسره ، كما أن التطور التكنولوجي الهائل الذي نعيشه اليوم جعل كل ما يُنشر قابلاً للانتشار والتوثيق والبقاء لفترات طويلة، الأمر الذي يفرض مزيداً من الوعي والحكمة عند التعبير عن الرأي.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أهمية وجود مساحات آمنة ومنظمة للحوار والتعبير. فالتجارب الإنسانية تؤكد أن المجتمعات الأكثر استقراراً هي تلك التي تتيح لأفرادها التعبير عن آرائهم ومخاوفهم وطموحاتهم ضمن أطر قانونية تحترم الحقوق وتحافظ على النظام العام في الوقت نفسه ، فالكبت لا يلغي الأفكار، بل قد يدفعها إلى مسارات أكثر تعقيداً، بينما يساهم الحوار المسؤول في تحويل الاختلاف إلى فرصة للفهم والتطوير.
ولعل من أبلغ ما يمكن الاستشهاد به في هذا المقام المقولة التي تفرق بين العاقل والمجنون؛ فليس الفرق في وجود الأفكار أو الخواطر، إذ إن جميع البشر تراودهم أفكار مختلفة ومتباينة، وإنما الفرق في القدرة على ضبطها وتقييمها قبل تحويلها إلى كلمات أو أفعال ، فالعاقل يدرك أن لكل كلمة أثراً، وأن الحكمة ليست في قول كل ما نعرف أو نفكر به، بل في اختيار الوقت والأسلوب المناسبين للتعبير.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في كثرة الأصوات أو تنوع الآراء، بل في بناء جسور الثقة وتعزيز ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر ، فالمجتمعات لا تتقدم بالصمت، كما أنها لا تستفيد من الفوضى، وإنما تنهض عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن العدالة متاحة، وأن المستقبل يحمل ما يستحق الأمل والعمل من أجله.
