في ذاكرة الأردنيين أسماء لا تغيب، ورجال رحلوا عن الدنيا منذ سنوات طويلة، لكن حضورهم ما زال أقوى من غيابهم، وكأنهم لم يغادروا هذه الأرض يوماً ، نذكرهم كلما ضاقت الأحوال، ونستحضر سيرتهم كلما اشتدت التحديات، لأن ما قدموه للوطن لم يكن مجرد مناصب تقلدوها أو ألقاب حملوها، بل كان نهجاً في العمل والإخلاص والانتماء.
لقد أدرك أولئك الرجال أن الدولة ليست كرسياً ولا امتيازاً، بل مسؤولية ثقيلة وأمانة عظيمة. كانوا يسهرون حين ينام الآخرون، ويقلقون على الوطن أكثر من قلقهم على أنفسهم. كانت هيبة الدولة تنعكس في هيبتهم، وكان حب الناس لهم وليد مواقفهم لا حملات الترويج لهم، فدخلوا القلوب دون استئذان، وبقوا فيها حتى بعد رحيلهم.
ويتساءل كثيرون اليوم: لماذا لا تزال تلك الأسماء حاضرة في وجدان الأردنيين؟ ولماذا يعود الناس إليها كلما تحدثوا عن الإدارة والقيادة والولاء للوطن؟
لأن الأردنيين لم يكونوا يبحثون يوماً عن مسؤول يتحدث كثيراً، بل عن رجل دولة يشعر بهمومهم ويحمل وجعهم ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار ، كانوا يبحثون عن القدوة، وعن المسؤول الذي يسبق فعله قوله، ويجعل من المنصب وسيلة لخدمة الناس لا غاية للتفاخر والتباهي.
لقد فقدنا الكثير من النماذج التي كانت تمثل حالة وطنية جامعة، نماذج كانت تزرع الثقة وتمنح الناس شعوراً بالأمان والاطمئنان. ولذلك ليس مستغرباً أن يزداد الحنين إلى تلك المرحلة، فالأوطان لا تعيش بالمباني والمؤسسات فقط، بل تعيش أيضاً بالرجال الذين يصنعون الفارق ويتركون أثراً لا يمحوه الزمن.
والمؤلم في الأمر أن فجوة الثقة بين المواطن وبعض المؤسسات الرسمية باتت تتسع عاماً بعد عام، حتى أصبح السؤال مشروعاً: ما الذي جرى ويجري؟ وكيف وصلنا إلى مرحلة يتعامل فيها كثيرون مع كل ما هو رسمي بشيء من الشك والحذر؟ وهل المشكلة في الأشخاص أم في النهج أم في غياب المشروع الوطني الجامع الذي كان يوحد البوصلة ويوجه المسار؟
إن الأردن لم يعجز يوماً عن إنجاب الرجال والنساء القادرين على حمل الرسالة، فالأردنيات ما زلن يلدن الكفاءات كما كن دائماً، لكن الأوطان تحتاج إلى بيئة تكتشف أصحاب الكفاءة، وتمنحهم الفرصة، وتفسح المجال أمام رجال الدولة الحقيقيين ليظهروا ويقودوا ويصنعوا الأمل.
سيبقى الحنين إلى أولئك الكبار مشروعاً ومفهوماً، لكن الأهم أن نستخلص من سيرتهم الدروس والعبر، وأن نعيد الاعتبار لقيم النزاهة والهيبة والكفاءة والانتماء الصادق ، فالأوطان لا تُبنى بالحنين وحده، وإنما ببناء جيل جديد يحمل ذات الروح وذات الإيمان بأن الأردن يستحق الأفضل دائماً.
رحل رجال كثيرون، وبقيت أسماؤهم تضيء صفحات الذاكرة الوطنية، أما الوطن فما زال ينتظر عودة البوصلة إلى اتجاهها الصحيح، لأن الشعوب لا تبكي الماضي بقدر ما تبحث عن مستقبل يشبه أجمل ما كان فيه.