إسراء الخوالدة - أكد رئيس المركز الوطني للأمن السيبراني، المهندس محمد الصمادي، أن الأردن نجح خلال السنوات الماضية في بناء منظومة وطنية متكاملة للأمن السيبراني، انتقلت من مرحلة بناء القدرات إلى مرحلة ترسيخ الريادة الإقليمية، مشدداً على أن الحضور السيبراني للدول لم يعد يقاس بحجم اقتصاداتها أو قدراتها التقليدية، وإنما بمدى قدرتها على حماية فضائها الرقمي.
وقال الصمادي، في مقابلة خاصة مع «أخبار البلد»، إن الأردن يحتل مكانة متقدمة على المستويين الإقليمي والدولي في مجال الأمن السيبراني، إلا أن الأهم من ترتيب المملكة في المؤشرات الدولية هو ما يعكسه هذا التقدم من نضج تشريعي، وقدرات وطنية، وكفاءات بشرية، وشراكات مؤسسية، ومنظومة متطورة للاستجابة للتهديدات السيبرانية.
وأوضح أن مفهوم الأمن السيبراني لم يعد مرتبطاً بالتكنولوجيا وحدها، وإنما يمثل «منظومة وطنية متكاملة وشاملة»، تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية هي الأشخاص والسياسات والتكنولوجيا، مبيناً أن رفع الوعي والقدرات البشرية، وتطبيق السياسات والمعايير السيبرانية، إلى جانب تبني التقنيات المتقدمة، تشكل ركائز أساسية للوصول إلى النضج السيبراني.
وفيما يتعلق بمدى جاهزية الأردن للتعامل مع هجمات إلكترونية واسعة النطاق، أكد الصمادي أن الفارق الحقيقي يكمن في سرعة اكتشاف الهجوم، وكفاءة الاستجابة له، والقدرة على ضمان استمرار الخدمات والحد من آثاره.
وبيّن أن المركز يعمل على بناء منظومة وطنية تشمل الرصد والاستجابة وإدارة الحوادث والإنذار المبكر ورفع جاهزية المؤسسات، إلى جانب تنفيذ تمارين وطنية سيبرانية بصورة دورية لقياس مستوى الجاهزية وقدرة المؤسسات على التعامل مع مختلف السيناريوهات.
وأشار إلى أن هذه التمارين تركز بشكل خاص على القطاعات الحيوية، ومنها الطاقة والمياه والاتصالات وغيرها من القطاعات التي ترتبط خدماتها بشكل مباشر بحياة المواطنين واستمرارية الأعمال.
ولفت إلى أن التمارين لا تقتصر على الجانب الفني، وإنما تشمل أيضاً الجانب الإداري والتشغيلي، بما في ذلك قدرة الإدارات العليا على إدارة الأزمات واتخاذ القرارات المناسبة، وتطبيق الإجراءات والسياسات المعتمدة في حال وقوع هجوم سيبراني.
وأكد أن المركز يعمل بشكل مستمر مع الجهات الوطنية ذات العلاقة لتعزيز خطط استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث، بما يسهم في تقليل آثار الحوادث السيبرانية إلى أدنى مستوى ممكن.
«الإطار الوطني» مرجعية للمؤسسات
وتطرق الصمادي إلى مشروع الإطار الوطني للأمن السيبراني، موضحاً أن المركز بدأ العمل عليه منذ نحو عام، ويهدف إلى وضع مجموعة من الإجراءات والسياسات التي يتعين على مؤسسات الدولة اتباعها للوصول إلى مستويات متقدمة من النضج السيبراني.
وأوضح أن تطبيق السياسات الأساسية للأمن السيبراني من شأنه تقليل فرص التعرض للهجمات، وفي حال وقوعها الحد من تأثيراتها، مؤكداً أن تعزيز الأمن لا يرتبط بالاستجابة للهجوم فقط، وإنما يبدأ من الإجراءات الوقائية والسياسات التي تطبقها المؤسسات قبل وقوع الحوادث.
ارتفاع الهجمات السيبرانية 22% في الربع الثاني
وفيما يتعلق بحجم الهجمات السيبرانية التي تعرضت لها المملكة، كشف الصمادي أن المشهد السيبراني العالمي يشهد ارتفاعاً في وتيرة الهجمات وتنوعاً في طبيعة التهديدات، وأن الأردن ليس بمعزل عن هذا الواقع.
وأوضح أن المركز يرصد محاولات وأنشطة ضارة متعددة، تتراوح بين الاستطلاع ومحاولات الاختراق والبرمجيات الخبيثة والتصيد الإلكتروني، إضافة إلى هجمات تستهدف في بعض الحالات تعطيل الخدمات.
وأشار إلى أن آخر تقرير للمركز حول الموقف الأمني للربع الثاني من عام 2026 أظهر ارتفاعاً في عدد الهجمات السيبرانية بنسبة تقارب 22% مقارنة بالربع الأول من العام الحالي، فيما بلغت نسبة الحوادث المصنفة بالخطيرة نحو 1.1%.
وشدد الصمادي على أن ارتفاع عدد الهجمات لا يعني بالضرورة نجاحها، موضحاً أن عدداً كبيراً منها يتم اكتشافه وإحباطه قبل أن يترك أثراً، وأن المعيار الأهم يتمثل في قدرة منظومة الأمن السيبراني على اكتشاف الهجوم والتعامل معه والحد من تداعياته.
وعزا الارتفاع المسجل خلال الربع الثاني، في جانب منه، إلى التطورات والأوضاع الإقليمية، باعتبار أن الهجمات السيبرانية تتأثر بصورة مباشرة بالمتغيرات الجيوسياسية، مؤكداً أن الفضاء السيبراني لا يعترف بالحدود الجغرافية.
وبيّن أن المركز يصدر تقاريره الدورية التي تتضمن مؤشرات ومعلومات حول المشهد السيبراني الوطني، مع مراعاة عدم نشر بعض البيانات الحساسة التي قد تمس الأمن الوطني أو يستفيد منها المهاجمون.
وحول الجهات التي تقف وراء الهجمات السيبرانية، أوضح الصمادي أن المشهد أصبح أكثر تعقيداً، ولم يعد المهاجم بالضرورة شخصاً يعمل بشكل منفرد، بل ظهرت منظومات متكاملة تمتلك التمويل والخبرات والأدوات الفنية اللازمة لتنفيذ الهجمات.
وأشار إلى أن مصادر التهديد تشمل عصابات الجريمة السيبرانية المنظمة ومجموعات الابتزاز الإلكتروني التي غالباً ما يكون هدفها تحقيق مكاسب مالية، إلى جانب مجموعات قد تستهدف جمع المعلومات أو التأثير على البنى التحتية الحيوية، فضلاً عن مجموعات ذات دوافع سياسية أو أيديولوجية.
وأكد أن الدوافع تختلف من هجوم إلى آخر، وقد تكون مالية أو إعلامية أو سياسية أو أيديولوجية، مشدداً على أن المركز لا يبني تقييمه للمخاطر على هوية المهاجم فقط، وإنما على مستوى التهديد وحجم تأثيره المحتمل.
وقال إن التطورات الاقتصادية والجيوسياسية والإقليمية، إلى جانب التطور المتسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت جميعها عوامل مؤثرة في طبيعة التهديدات السيبرانية.
الاستراتيجية الوطنية 2025-2028.. حماية البنى الحيوية ورفع الجاهزية
أكد الصمادي أن المركز يعمل وفق رؤية وطنية شاملة تنسجم مع الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني للأعوام 2025-2028، والتي تركز على بناء منظومة أكثر مرونة واستدامة.
وبيّن أن أبرز الأولويات تتمثل في تعزيز حماية البنى التحتية الحيوية، ورفع مستوى النضج السيبراني لدى الجهات الوطنية، وتطوير القدرات في مجالات الرصد والاستجابة، والتوسع في برامج بناء القدرات والتوعية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتوسيع التعاون الدولي والإقليمي، والاستفادة من التقنيات الحديثة وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.
وأكد أن هذه الأولويات لا تأتي كمشاريع منفردة، وإنما ضمن منظومة مترابطة تهدف إلى بناء شبكة وطنية متكاملة للأمن السيبراني.
وختم الصمادي بالتأكيد على أن بناء منظومة أمن سيبراني قوية يقوم على ثلاثة محاور رئيسية: العنصر البشري من خلال بناء القدرات والتدريب والتوعية، وإيجاد سياسات واضحة وقابلة للتطبيق، وتوفير التقنيات المناسبة والمتقدمة، بما يعزز قدرة الأردن على حماية أمنه الوطني ومواكبة التطورات المتسارعة في عالم الفضاء السيبراني.
وأشار إلى أن العلاقات الدولية المميزة التي يتمتع بها الأردن تتيح للمملكة الاستفادة من أحدث التقنيات والخبرات العالمية في مجال الأمن السيبراني، بما ينعكس على تعزيز منظومة الأمن الوطني الشاملة.