أخبار البلد -
اخبار البلد_ هل يمكن العثورعلى
سياسي أردني واحد لديه الجرأة أو المزاج أو قدرة التحكّم بلسانه بحيث يكتفي
بالحديث «بعيداً عن السياسة»وفي هذا الوقت بالذات؟ نقصد في فصل «الربيع
العربي « الذي أصبح فيه كل شيء سياسة، وسياسة تعوم في فائض الشك ونكهات
الريبة ومحفزات رفع الصوت.
في
السنوات الماضية وحتى فترة غير بعيدة ،كان الحديث «بعيداً عن السياسة
«مغرياً وممتعاً للسياسيين المحترفين. فما يعرفونه ويجهله الشارع، هو أكثر
بكثير مما يودّون الخوض فيه. الآن تغير الوضع واختلطت بعض الاشارات الحمراء
بالصفراء بالخضراء.. حديث السياسي «بعيداً فعلاً عن السياسة» بات وكأنه
تهمة بالغياب عن الصورة أو انعدام الموقف أو شبهة بجفاف الذاكرة .
ذوات
سبق وتحدثوا «بعيداً عن السياسة « وكانوا ممتعين في سردهم الهادئ، اختلفت
نبرة الكثيرين منهم هذه المرّة. حديثهم أضحى أكثر إثارة بالمواقف وأثرى
بالتفاصيل التي وإن كان عمرها أكثر من خمسين سنة إلا أنها تأتي موصولة
بالذي نراه الآن ويفاجئنا .
الحكي
«هذه المرة « له ميزة أخرى. فهو يكشف أن العديد من رجالات الدولة الذين لم
نكن نرى منهم سوى صفحة التجهم واليباس، هم بعد التقاعد أصحاب بديهة رائقة
وتسعفهم النكتة عندما تحرجهم الأسئلة.
حين
تمتلئ البلد بالصراخ وبوجهات النظر الشخصية المتوترة والمتعارضة، فان الناس
تحتاج إلى معلومة.. معلومة دقيقة واضحة محددة لتبني عليها مواقفها. هذه
المعلومة التي انتظرنا ان نسمعها مؤصلة دستورياً وفي إطارها التاريخي
المتسلسل، عن شعارات وقضايا كبرى من سويّة الملكية الدستورية والولاية
العامة وتداول السلطة واحتمالات العودة للصوت الواحد ومصير مخرجات لجنة
الحوار السياسي والقول ان التعديلات الدستورية تحتاج إلى تعديلات... هذه
القضايا المفصلية لدى العين مروان دودين معلومات تفصيلية من التي نحتاج
سماعها.
فالرجل عضو في اللجنة الملكية لتعديل الدستور
وقد انجزت ما يعرضه هنا أبو صخر وبالتفصيل. وهو كرجل دولة يحتفظ بقناعته
ان دخولنا في الأردن لملاقاة مقتضيات الربيع العربي كان بطيئاً وليس بقوة
وجرأة مملكة شقيقة كالمغرب. قد لا يعرف الكثيرون ان دودين عضو قيادي في حزب
التيار الوطني الذي يجهز نفسه ليملأ جزءاً من مساحة الوسط في الانتخابات
القادمة مقابل الأحزاب الأخرى.
وذلك لتسريع استحقاقات تداول السلطة التنفيذية. أبو صخر لديه موقف ومعلومات عن موضوع الصوت الواحد..
•
لم تستطع التعديلات الدستورية ان تلغي تلك الانطباعات الشائعة والمتزايدة
بأن الإصلاح غير محصن بإرادة جادة. فقد رأى البعض في الإجراءات الأمنية
والسياسية الأخيرة أن « التعديلات تحتاج إلى تعديلات» وأن الجميع كأنهم
يدورون في حلقة مفرغة.. لماذا؟
لا أتفق مع الذين
يطرحون هذا الكلام، لأننا وعلى مدى ثلاثة أشهر، وبمعدل مرتين أو ثلاث مرات
في الأسبوع ولمدة ثلاث ساعات كنا نجتمع ونناقش، كلنا رجال دولة، ومن بيننا
ثلاثة رجال قانون أيضاً. ولا بد أن أعترف بأن التوجه بيننا كان إجماعياً
على ان لا نمس صلاحيات الملك المذكورة في دستور 1952 لسبب بسيط، أن موقع
الملك بالنسبة لنظام الحكم النيابي الملكي الوراثي الأردني هو موقع الحكم،
فهو فوق الجميع ولكنه مع الجميع. في بلد كبلدنا أنت لا تستطيع أن تستغني عن
الصلاحيات الخاصة بجلالة الملك، وأي موقف افتراضي يحدث ويصبح عبارة عن
قضية مستعصية، وتبدو لا حل لها، فانه يتم اللجوء للملك. رئيس الوزراء
العامل في ذلك الوقت وحكومته يرجون جلالة الملك أن ينهي عمل الحكومة ، بحيث
يأتي الانهاء من طرف الملك وليس البرلمان. وهذا ما حصل مع سمير الرفاعي
الجد بعدما وصل رقم من حجبوا الثقة عن حكومته 21 عضواً ، حيث كان البرلمان
في ذلك الوقت 40عضواً من الضفتين الشرقية والغربية. وعندما وصل الرقم إلى
21 استأذن من البرلمان وقال : من الواضح انني لن حصل على ثقتكم، وطلب مهلة
للقاء جلالة الملك راجياً ان يقبل استقالته، لأنه كما قال لجلالته انه لم
يفعل شيئا فليستقيل البرلمان. والحدث نفسه تكرر في ظروف اخرى اقل توتراً
عندما ترجى طاهر المصري جلالة الملك بأن لا يحل البرلمان، عندما وقعت عريضة
من نصف المجلس في ذلك الوقت بأنهم لا يريدون طاهر المصري رئيساً للوزراء،
يومها ذهب المصري وقدم استقالته..
ما اريد توضيحه ان
هناك صلاحيات لجلالة الملك يستطيع كل متعلم أن يعود لها في الدستور، ويقرأ
ما نصه أن للملك أن يفتتح الدورة البرلمانية.. وللملك ان يعين رئيس
الوزراء...الخ. حتى في النص الدستوري المعدل حينما اراد الملك الحسين رحمه
الله أن يجيز ولاية العقد لأحد إخوته، تم تعديل الدستور الذي كان يحصرها
بالذكور من أعقاب الملوك الهاشميين. ايامها كان الأمراء صغار السن خارج
البلد والأوضاع صعبة جداً، فتم تعديل الدستور. وحين جاءت لجنة تعديل
الدستور على هذا النص كان الرأي أنه بما أن هذا التعديل جرى برغبة الملك
الحسين، فمن حق الملك الحالي ان يستشار. الأستاذ أحمد اللوزي استأذن جلالة
الملك وقال له الملك بأن يدعها كما هي. وظلت بعد التعديلات كما هي بدون
تغيير. بمعنى انه لماذا يتم إلغاء نص دستوري به مرونة تترك للملك ان يعطي
لابنه ولاية العهد او لا يعطيها له في حال حصل معه أي شيء جعله لا يستطيع
ان يحكم لا سمح الله. فالنص لا يضر بل يجعل الولاية للابن الأكبر للملك،
لكن أضيف عليه: ويحق له في الظروف التي يراها أن ينتقي أحد اخوانه.
ما
أردت قوله أن يعود كل منا للدستور الأردني لمعرفة المواد التي بها صلاحيات
الملك والتي يكرر بعض رؤساء الأحزاب قولهم بأن هذه كان يجب أن تنفتح
للنقاش. وبدوري أقول بأنه لا يجب فتحها، ونحن ما دام تم توكيلنا بوضع
تعديلات دستورية حيث اعطانا الملك صلاحية مفتوحة بأن نقوم بعمل ما نراه
مناسباً، فقد رأينا ذلك مناسباً، ومن أكثر الأمور المناسبة ان لا نزيل عن
جلالة الملك صفة الحكم.
• معرفة الناس بتفاصيل ما
فعلتوه في لجنة الدستور والمفاهيم والقناعات التي اشتغلت عليها اللجنة، ثم
ما أعقب ذلك من تسلسل في إجراءات التشريع، ربما يوضح الصورة أكثر؟
عقد
دولة رئيس اللجنة معنا اجتماعات فردية، في العشرين يوماً الأولى. ، كان قد
استشار قبل البدء رسمياً في الجلسات من رغب أن يستشير، وكما فهمت إما انه
بادر مع اناس أو أن أشخاصا تبرعوا. المصدر الثاني الذي كنا نعتمد عليه هو
انه إذا جاء لأحدنا كأعضاء اجتهاد من زميل، محامياً كان أو قاضياً أو غير
ذلك، يجري عمل عشر نسخ وتوزيعها للأعضاء. لدرجة أنه أصبح لدي مكتبة كاملة
من المداخلات التي بعضها ممتاز وبعضها لغو. كنا عشرة ولكننا كنا منفتحين
بدءاً من دولة الرئيس لأخر شخص فينا، والتعليمات من الرئيس أن ما يأتي يجب
إطلاع الأعضاء عليه. في الحقيقة لم يخطر ببالنا ولا يوجد في الدستور
الأردني ما ينص على استفتاء، لكن في النهاية نستطيع ان نقول بكل راحة ضمير
أننا فعلنا ما يلائم هذه المرحلة ملاءمة تامة ولا يزيد عليها. كنا نريد
أولاً أن نستجيب لرغبة جلالة الملك بأن الدستور ليس كتابا مقدسا، فنحن من
وضعه ونحن يجب بين الفينة والأخرى ان ننتبه للأمور التي به ونعدلها.
التعديلات التي اجريناها في رأينا مناسبة تماماً لهذه المرحلة في حياة
بلدنا، وكافية.
أقول انه لا يوجد أي بلد عربي يحتمل
نظامه ما احتمله نظامنا لأن دستورنا أعطى مجالا هائلا للحريات، وأعطى
مجالات أخرى بطريقة واسلوب التعامل مع المواطن الأردني حينما يكون متهما،
إلى أن يثبت براءته ، حيث يجب أن يعامل بإنسانية ومحافظة على كرامته، ولا
يجوز أن يتم الدخول لبيوت الناس إلا بإذنها، فهذه تم تقويتها في الدستور
وزدنا عليها.
استراحة
• مسقط رأسك؟
أنا
من مواليد بئر السبع في فلسطين عام 1937.والدي كان يعمل استاذا للغة
الانجليزية وبقي فيها حتى سقطت بيد العصابات الصهيونية عام 1948 لتعود
العائلة من جديد إلى بيت الجد الأكبر في دورا.
• من دورا قرية في محافظة الخليل إلى أم الدنيا نقلة نوعية هائلة..كيف انعكست على سلوكك ؟
لا
شك ان النقلة كانت نوعية شاسعة لكنني لم أنغلق على نفسي أبدأ.. أتذكر
عندما كنت أسير في شوارع القاهرة وبمجرد ان أرى «الترامواي» الذي يسير على
الكهرباء وتصدر منه شرارة في الليل لأبتعد عن الشارع خشية حدوث تماس
كهربائي. كنت أتجول في شوارع القاهرة وأزقتها واخاف»النشالين». فقد كنت
أسمع وأنا طفل أنهم أكثر ما يتواجدون في العواصم الكبيرة.كنت أحمل مصروف
ثلاثة أشهر كاملة في يدي وأضعها في جيبي وأحضر فيلم سينما ويدي ما تزال في
جيبي خوفاً من نشل الستين جنيهاً. لقد عشت حياتي كشاب في ذلك الوقت وتعلمت
وبجسارة كيف تدار الحياة المدنية فكنت أذهب مرة في الشهر إلى مطعم مشهور
لأتناول وجبة في مطعم لا يرتاده إلا أبناء الطبقة الارستقراطية. كنت اراقب
ترتيب المائدة وكيف يأكل الآخرون.انبهرت أكثر بزياراتي لمتاحف مصر وآثارها
ومسارحها لأجد حقيقة أنها مدينة عريقة.
• «ما أحلى عيشة الفلاح» طالما سمعتها على لسانك..هل تحمل ذكريات عن الأرض والفلاحة؟
للأسف
ان ذكرياتي مع الأرض لم تأت من ممارسة أو مشاركة في الفلاحة ، فوالدي كان
موظفاً وكنت أذهب معه أينما ذهب. في كل صيف كنا نعود إلى قريتنا وأرض جدي.
في طفولتي كان تعاطفي مع الفلاح تعاطفاً ارستقراطياً وبالتدريج رأيت ان
الذين يحرثون الأرض ويزرعونها ليس جدي ولا والدي ولا أعمامي وانما الفلاح
غير المالك هو الذي يكد ويتعب ليعيش من الأرض. أما من يملكها كما هو جدي
فقد كان يجلس في بيته يأكل من خيراتها دون كدح أو تعب وانما من خلال
الرقابة والاشراف . ولذلك وجدت نفسي منذ ذلك الوقت منحازاً بفكري ومتعاطفاً
مع زارع الأرض أكثر من مالكها. وفعلاً من خلال مسؤولياتي في العمل العام
أثناء ما كنت في التعاونيات الزراعية وايام كنت وزيراً للزراعة فقد تعلقت
بالفلاح الذي يزرع وكنت أحاول ان أبقى متحيزاً ضد المالكين لأنني كما قلت
عشت في بيئة شعرت من خلالها ان حياة الفلاح صعبة إذا كان لا يملك أرضاً.
في الحلقة القادمة مروان دودين و»الملكية الدستورية»