في الزمن الجميل، زمن البساطة والنقاء، حين كنا صغارًا نعيش في الأرياف، كانت الحياة أقل صخبًا وأكثر عمقًا. لم تكن وسائل الترفيه متاحة كما هي اليوم، وكانت متعتنا الحقيقية تبدأ بعد الانتهاء من فروضنا المدرسية. نلتقي أصدقاء جمعتنا المحبة الصادقة، والألفة، والاحترام المتبادل، بلا مصلحة ولا تصنّع.
في تلك الأيام، كان للمعلم هيبة لا توصف، ومكانة لا ينافسها أحد. علّمونا قبل الحروف القيم، وقبل الأرقام الأخلاق. كنا نخشاهم ونهابهم أكثر مما نهاب أهلنا، لا خوفًا سلبيًا، بل احترامًا نابعًا من إدراكنا لدورهم العظيم في بناء شخصياتنا قبل عقولنا. كانوا مربّين قبل أن يكونوا معلّمين، وقدوة قبل أن يكونوا ناقلي معرفة.
لم نعرف يومًا الطبقية كما نراها اليوم؛ كنا جميعًا متشابهين في أحلامنا البسيطة وملابسنا المتواضعة وطموحاتنا الصادقة. لم تكن المقارنات تثقل كاهلنا، ولم تكن المطالب تتجاوز حدود المعقول. كنا نشعر بآبائنا وأمهاتنا، نشاركهم همّ الحياة، ونحاول أن نرسم الابتسامة على وجوههم، خصوصًا عند ظهور النتائج الدراسية، حيث كان التنافس شريفًا، تحكمه الأخلاق قبل الدرجات.
اليوم، تغيّر كل شيء تقريبًا. العالم أصبح قرية صغيرة، وكل ما كان حلمًا صار متاحًا، لكن التحديات كبرت، وأصبحت مسؤولية التربية أثقل على كاهل الأهل في ظل هذا الانفتاح الهائل وتسارع الحياة. ورغم صعوبة المقارنة بين الأمس واليوم، يبقى للأمس نكهته، وتبقى لتلك القيم بصمتها العميقة في نفوسنا.
لسنا ندّعي أننا كنا مثاليين، لكننا كنا أكثر بساطة، أكثر إحساسًا، وأكثر تقديرًا لمن حولنا. ولن ننسى يومًا فضل معلمينا الذين زرعوا فينا الحب والاحترام، ورحم الله من انتقل منهم إلى جواره، فقد تركوا أثرًا لا يُمحى.
ومن علّمني حرفًا، لم اكن عبدًا له، بل كنت له محبًا… ما حييت.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.
