المطوى المركزي

المطوى المركزي
عاطف أبو حجر
أخبار البلد -  

حين نفتح دفاتر الذاكرة، لا نبحث عن الوقائع بقدر ما نبحث عن الضحكة المختبئة بين السطور، وعن الدهشة التي كانت تسكن بيوت الطين وتختبئ تحت الفرشات. فجدّاتُنا قديمًا لم يكنّ مجرد نساءٍ كبيرات في السن، بل كنّ مؤسساتٍ متكاملة، ومخازن أسرار، وبنوكًا متنقلة تعمل بلا فائدة ولا إيصالات، ويُدار اقتصادها بعينٍ ساهرة وقصبة غليون لا تخطئ الحساب.

كانت الجدة، وهي جالسة في الديوان، تبدو للغريب امرأةً هادئة لا تملك سوى مسبحتها ونظرتها المتفحصة. لكن الحقيقة أن ما تحت"الجنبية" فرشتها كان عالمًا آخر؛ عالمًا لو اكتشفه خبراء الاقتصاد لأعلنوا الإفلاس فورًا. فهناك، تحت تلك الفرشة، تجد صرة المصاري، والساعة،وخاتم الزواج، وعلبة الخيطان والإبر، والمكحلة، وطاسة الرهبة، وخريطة من القماش للعطارة تحتوي على أكياس صغيرة لجميع أنواع وصفات الأعشاب والعطار ، وأيضًا تجد تحت هذه الفرشة زبيب وقطين وخبيصة، وقضامة وقرشلة، وعجوةً وسكرًا، وشايًا وقهوة، وملحًا وبهاراتٍ لمختلف الوصفات. وكل ذلك محفوظ بعناية، كأن الجدة كانت تستعد لحصارٍ طويل لا يعرفه أحد سواها.

وفي يدها قصبة الغليون، تُدخّنها بوقارٍ يشبه وقار السفراء، وكأنها تُصدر قراراتٍ سيادية لا تقبل النقاش. ولا ننسى صفط الناشد، والمخربش، والكعكبان، والراحة الحلقوم، والبسكوت، وحبل الملبس بالسمسم؛ تلك الكنوز الصغيرة التي كانت تُخرجها فجأة، فتُسكت الأطفال وتُعلن هدنةً مؤقتة بين الصغار والجوع.

أذكر أننا،حين كنا أولاد صغار نادتنا جدة صديقي محمد ونحن نلعب «الصفة» بطابة الشرايط، طلبت منا بكل بساطة أن نساعدها في تنزيل الفرشات واللحف والمخدات من المطوى – الوهد. ظنناها مهمة شاقة لا أكثر، ولم نكن نعلم أننا على وشك الدخول إلى أخطر اكتشاف اقتصادي في طفولتنا.

بدأنا بإنزال الفرشات، فإذا بالمطوى يتحول أمام أعيننا إلى خزينة البنك المركزي،مصاري من مختلف الفئات الورقية: عشرينات بين اللحف، وعشرات بين الفرشات، وخمسات بين المخدات، إضافة إلى كمية كبيرة من فئتي الدينار والنصف دينار الورقيتين على أطراف المطوى، بكميات تُقدَّر بمئات الدنانير. تكوّمت أمامنا في لحظةٍ تاريخية لم نشهد مثلها في حياتنا، ولا حتى في أحلامنا.

جمعنا النقود بارتباك، وطلبت منا الجدة أن نفرزها، كل فئة على حدة، وكأننا موظفي بنكٍ في أول يوم دوام. والمفاجأة أننا اكتشفنا لاحقًا أن الجدة نفسها تفاجأت بتلك الثروة. قالت بكل بساطة وطمأنينة:
«أنا كنت أحط كل اللي يجيني من عيديات ونقوطات من الأبناء والإخوان والأخوال والأعمام والأقارب، وأحطه بالمطوى من سنين».
لا دفاتر حساب بنكية، ولاتعب ولا قلق… فقط مطوى أمين وذاكرة مطمئنة.

وفي نهاية المهمة، وبعد أن أعدنا ترتيب المطوى وكأن شيئًا لم يكن، منحتنا الجدة نصف دينارٍ ورقيًا من الفئة ذات اللون البني، أجرَ تعبنا العظيم، وكأنها تُغلق صفقة عملٍ ناجحة بابتسامة رضا.

رحم الله جدّاتُنا؛ فقد كنّ مدرسةً في البساطة، وعبقريةً في التدبير، وسخريةً جميلة من عالمٍ يظن أن المال لا يُحفَظ إلا في البنوك. رحم الله هذه الجدة، ورحم الله أمواتنا وأمواتكم جميعًا؛ فقد تركوا لنا حكاياتٍ نضحك لها اليوم، وحنينًا لا يُخبّأ في مطوى، بل في القلب.
شريط الأخبار استطلاع: تراجع فتح وحماس وصعود القوائم المستقلة.. البرغوثي والمصري في صدارة الخيارات الانتخابية وفيات الخميس 15-10-2026 تشخيص البابا ليو الرابع عشر بالسرطان يثير قلقاً في الفاتيكان عم معالي عمر ملحس رئيس مجلس استثمار أموال الضمان الاجتماعي في ذمة الله محافظ المركزي الإيراني: الحديث الأميركي عن انهيار اقتصادنا مجرد أوهام الحوثيون يتوعدون بمزيد من الهجمات على السعودية بعد استهداف مقر أرامكو إصابة 15 مغربيا بالعمى في طنجة إثر حقن علاجية والسلطات تفتح تحقيقا عاجلا بحث تنفيذ مشروع لرقمنة 23 خدمة لوزارة الأوقاف كم سيستغرق التحول الرقمي الكامل في المحاكم الأردنية؟... وزير العدل يجيب صمت الكباريتي كلام فصيح! ولي العهد يؤكد أهمية مواصلة تطوير خدمات وزارة العدل الأردن يتقدم للمرتبة الـ6 عربيا في المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي ارتفاع فاتورة التقاعد نحو 3% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 إصابة مقيم عربي جراء سقوط شظايا صاروخ باليستي في الرياض 17.4 مليون حجم التداول في بورصة عمان الاتحاد الاردني لشركات التأمين يكرم "اخبار البلد" في مؤتمر GAIF 35 3 إصابات في انفجار مصنع جنوب "إسرائيل" ومخاوف من تسرب مواد خطرة بريطانيا: سجن أردني 72 أسبوعاً بعد ارتكابه 17 جريمة خلال عشرة أيام فراس سلطان الممثل السابق للقطاع المالي في تجارة الاردن مؤتمر (GAFI 35) نجح بامتياز والاتحاد الاردني وسميرات "ببيضوا الوجه" ارتفاع عدد المؤمن عليهم في الضمان إلى أكثر من 1.7 مليون مشترك