أميركا لا تصنع حلفاء… تصنع ضحايا مؤجلين
- الثلاثاء-2026-01-20 | 11:26 am
أخبار البلد -
في السياسة الأميركية لا تُقاس العلاقات بمفاهيم الصداقة أو الوفاء، بل بمدى استمرار الحاجة. هذه حقيقة عبّر عنها هنري كيسنجر يوماً حين قال، بالمعنى : أن تكون عدواً لأميركا أمر خطر، لكن أن تكون صديقاً لها قد يكون ذلك قاتلاً. لم تكن العبارة انفعالاً بل توصيفاً بارداً لمنطق القوة حين يدير العالم من موقع الهيمنة.
هي خلاصة تجربة إمبراطورية تعرف جيداً كيف تستهلك الآخرين ثم تمضي..
ما يجري اليوم مع قوات سورية الديمقراطية لا يمكن فهمه كتحوّل مفاجئ في الموقف الأميركي، ولا كحادثة استثنائية مرتبطة بظرف عابر. هو امتداد لنمط متكرر تتعامل فيه واشنطن مع القوى المحلية بوصفها أدوات ضغط مرحلية، تُستخدم عندما تتقاطع المصالح، ثم تُترك عندما تتغير الحسابات. في مرحلة الحاجة، يكون الدعم حاضراً والخطاب مطمئناً، وعند أول تعديل في الميزان يسود الصمت، ويُعاد التموضع دون اكتراث بالنتائج التي يدفعها الشركاء على الأرض.
الولايات المتحدة لا تبني تحالفات بقدر ما تدير أدواراً. دور عسكري في لحظة، دور أمني في أخرى، ثم انسحاب محسوب يترك من شارك في المواجهة أمام واقع جديد لم يكن جزءاً من قراره. لا تُستعاد الوعود، ولا تُحسب التضحيات، ولا يُنظر إلى ما بعد انتهاء المهمة.
الحالة الكردية في سورية ليست استثناءً، بل واحدة من أمثلة عديدة تؤكد القاعدة ذاتها. من العراق إلى أفغانستان، ومن فيتنام إلى أميركا اللاتينية، يتكرر المشهد نفسه بأسماء وسياقات مختلفة. حلفاء يقاتلون ويضحون، ثم يجدون أنفسهم خارج الحسابات عندما تصبح كلفة استمرار العلاقة أعلى من فائدتها، ليس لأن واشنطن خانت، بل لأنها لم ترَ في تلك العلاقات يوماً أكثر من أدوات مؤقتة في صراع أكبر.
المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في السلوك الأميركي، بل في الإصرار المتكرر لدى قوى محلية على الرهان عليه. في كل مرة يظهر من يعتقد أنه أكثر فهماً للعبة، أو أكثر أهمية في الحسابات، أو أكثر حصانة من المصير ذاته. تُعاد اللغة نفسها عن الشراكة والالتزام والمستقبل المشترك، ثم تُعاد النتيجة نفسها حين تنتهي الوظيفة.
يتأكد المؤكد بأن الولايات المتحدة لا تبني تحالفات بقدر ما تدير أدواراً. دور عسكري في لحظة، دور أمني في أخرى، ثم انسحاب محسوب يترك الشركاء أمام واقع جديد لم يختاروه.
ومن هنا يبدو الرهان على الخارج ليس خطأً تكتيكياً، بل سوء فهم بنيوي لطبيعة القوة. القوى العظمى لا تحمي أحداً إلى الأبد، ولا تلتزم إلا بما يخدم مصالحها المباشرة. ومن يخلط بين الصداقة والسياسة يكتشف، غالباً بعد فوات الأوان، أنه كان يؤدي دوراً محدداً لا أكثر.
هذا يستوجب الوقوف عند ضرورة فضح وهم الشراكة على اعتباره ليس موقفاً أيديولوجياً ولا ترفاً فكرياً، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. ليس المطلوب عندها شيطنة الولايات المتحدة، ولا تبرير سلوكها، بل التعامل معها كما هي، قوة تدير مصالح لا علاقات.ونزع القناع عنها والتعامل معها كقوة مصلحة عارية. ومن يقرأ التاريخ جيداً يدرك أن المشكلة لم تكن يوماً في انسحاب أميركا، بل في من صدّق أنها باقية ومن اعتبر أن الوفاء هو جزء من العقيدة الاميركية
المشكلة من لم يرَ أن من يقاتل لأجل اميركا يُترك وحيداً وأنه شريك حتى إشعار آخر.
المشكلة عند من لم يرَ أنه عند الأميركي وكيل و شريك على الورق لكنه أدوات في الواقع.
المشكلة عند من لم يتعلم أن أميركا هي صاحبة السياسة التي لا تعتذر …
المشكلة عند من لا يتذكر أن ما لم تعد تحتاجه أميركا يُنسى.
في المحصلة أميركا لا و لم تصادق أحداً يوماً، هي فقط تبتلع …
أميركا تستخدم، ثم تغلق الملف.