النرجسية الترامبية.. من العيادة النفسية إلى ساحة السياسة الدولية

النرجسية الترامبية.. من العيادة النفسية إلى ساحة السياسة الدولية
أخبار البلد -  
لم يعد مصطلح «النرجسية» حبيس العيادات النفسية كما كان في السابق، بل خرج إلى الفضاء العام، متداولًا على نطاق واسع في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، ومستخدمًا بكثافة في توصيف العلاقات الشخصية والعاطفية والمهنية. غير أنّ اللافت للانتباه في السنوات الأخيرة هو انتقال هذا المفهوم من المجال النفسي الفردي إلى ميادين أوسع، شملت الاقتصاد والسياسة والحروب والعلاقات الدولية، حيث بات يُستدعى لوصف سلوك دول وقادة، في مشهد غير مسبوق.

من أسطورة نرسيس إلى الواقع السياسي

استمدّ علم النفس مصطلح «النرجسية» من أسطورة نرسيس اليونانية، التي تناولها التحليل النفسي الحديث، ولا سيما مع سيغموند فرويد، الذي صاغ من خلالها مفهوم «النرجسية» بوصفه حالة نفسية. وفي عام 1980، أُدرج اضطراب الشخصية النرجسية رسميًا في الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية.

تحكي الأسطورة عن نرسيس، الشاب الفاتن الذي وقع في حب صورته المنعكسة على سطح الماء، ففقد القدرة على الالتفات إلى العالم من حوله، إلى أن انتهى غارقًا في عزلته. غير أنّ قراءة متأنية للأسطورة تكشف أنّ نرسيس، على غروره، لم يسعَ إلى إخضاع الآخرين أو تدميرهم، بل ظلّ أسير ذاته، يدور في فلكها.

هنا يبرز الفرق الجوهري بين النرجسية الفردية الرمزية التي تجسّدها الأسطورة، والنرجسية السياسية المعاصرة، التي تتجلى في سلوك قادة يُسخّرون القوة العسكرية والاقتصادية لإشباع ذواتهم المتضخمة، ولو على حساب استقرار الشعوب والدول.

النرجسية: سمة إنسانية أم اضطراب؟

ومن منظور علم النفس، لا يمكن اختزال النرجسية بوصفها عيبًا أو مرضًا بحدّ ذاته. فكل إنسان يحمل في داخله قدرًا من النرجسية، تظهر منذ الطفولة المبكرة، حين يسعى الطفل إلى الاستحواذ وإثبات الذات. بهذا المعنى، تؤدي النرجسية دورًا مزدوجًا: قد تسهم في بناء الذات وحمايتها وتطويرها، كما قد تنقلب إلى أداة تدمير للذات وللآخرين حين تتضخم وتفقد توازنها.

وتتخذ النرجسية أشكالًا متعددة؛ منها الظاهر والمباشر، ومنها الخفي أو «الخبيث»، الذي يُمارس غالبًا في العلاقات الإنسانية كحروب باردة، لا تقل أثرًا عن الصدامات العلنية. ويرى باحثون أنّ تضخّم النرجسية قد يعود إلى أنماط التربية، أو المكانة الاجتماعية، أو الشهرة، أو الحضور الإعلامي المكثف، ولا سيما في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، التي وفّرت بيئة مثالية لتغذية الأنا وتعزيز النزعات النرجسية الكامنة في النفس البشرية.

النرجسية كمتلازمة مجتمعية

في المجتمعات الغربية، حيث تسود ثقافة الفردانية، والتركيز على التميز الشخصي، وتسارع وتيرة الإنتاج والتنافس، تظهر النرجسية بوصفها متلازمة اجتماعية، لا مجرد سمة فردية. ويختلف هذا السياق عن مجتمعات أخرى، لم تحظَ بالفرص الاقتصادية نفسها، وكانت في الغالب مجتمعات مستهلكة أكثر منها منتجة.

وتشير دراسات نفسية واجتماعية إلى أنّ النظم الاجتماعية والسياسية تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل أنماط الشخصية. ففي دراسة منشورة في مجلة علمية متخصصة، تبيّن أنّ الأفراد الذين نشأوا في ألمانيا الغربية السابقة سجّلوا مستويات أعلى من النرجسية مقارنة بأقرانهم في ألمانيا الشرقية، حيث كانت الأولى تقوم على قيم فردية، بينما اعتمدت الثانية على مبادئ جماعية (ربطاً بالتجربة الإشتراكية للأخيرة في زمن الحرب الباردة وقبل انهيار جدار برلين). وخلص الباحثون إلى أنّ المجتمعات التي تُمجّد الإنجاز الفردي وتُضخّم قيمة الذات، تُهيّئ بيئة خصبة لنمو النرجسية، بما فيها نرجسية جنون العظمة، التي تتسم بإحساس مبالغ فيه بالتفوّق والسمو.

وتُظهر مقاييس الشخصية أنّ الولايات المتحدة تسجّل أعلى معدلات النرجسية المجتمعية، تليها دول أوروبية وكندا، في حين تسجّل دول الشرق الأوسط نسبًا أدنى. ويرى بعض علماء الاجتماع أنّ هذه الظاهرة برزت بوضوح بعد الحرب العالمية الثانية، بالتوازي مع صعود القوى الكبرى وهيمنتها الاقتصادية والسياسية.

ترامب والنرجسية السياسية

في هذا السياق، شكّلت سياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ولا سيما حروبه وخطابه السياسي، المثال الأوضح على ما يمكن تسميته بـ«النرجسية الدولية». حتى بدا وكأنّ اسمه ارتبط عضويًا بهذا المصطلح، على نحو لم يحدث مع رؤساء دول آخرين. وقد ساهمت شخصيته الكاريكاتورية، وسلوكه الاستعراضي، واعتماده نمطًا صداميًا في إدارة النزاعات، في تطبيع هذا التوصيف وترسيخه في الوعي العام.

ويُمكن القول إن شخصية دونالد ترامب تُجسّد نموذجًا صارخًا للنرجسية كمتلازمة اجتماعية. فهو يوظّف التقدّم التكنولوجي والعسكري بوصفه امتدادًا لأناه، ويقدّم إنجازاته – أو ما يراه إنجازات – بوصفها دليلًا على عبقريته وتفرّده. في خطابه، لا يتردّد في تمجيد ذاته، والتقليل من شأن الآخرين، مستخدمًا لغة تنمّ عن ثقة مفرطة بالنفس، تقترب في كثير من الأحيان من سمات "جنون العظمة”.

وقد شكّلت هذه السمات خروجًا عن النمط التقليدي للشعبوية كتيار يميني عالمي، يعتمد عادة على خطاب عاطفي يُظهر القائد بوصفه مُمثلًا لمعاناة الناس. أما في الحالة الترامبية، فقد تحوّل الخطاب إلى تمجيد صريح للذات، واستعراض للقوة، وتهديد للخصوم، وابتزاز للحلفاء.

ولم يقتصر الجدل حول شخصية ترامب على الأوساط السياسية، بل امتد إلى الحقل النفسي، حيث تجرأ عدد من الأطباء والمعالجين النفسيين على تحليل سلوكه، وربطه بشكل مباشر باضطراب الشخصية النرجسية، في مؤلفات ودراسات أثارت نقاشًا واسعًا حول العلاقة بين الصحة النفسية والقيادة السياسية.

النرجسية الطبيعية والاضطراب المرضي

ويُفرّق علم النفس بين النرجسية بوصفها سمة طبيعية، وبين اضطراب الشخصية النرجسية بوصفه حالة مرضية. ففي حين قد يتسم الفرد بدرجة من الأنانية أو حب الذات، فإن الاضطراب المرضي يظهر عندما تؤثر هذه السمات سلبًا في الفرد ومحيطه، ويصبح الشخص منفصلًا عن الواقع، مبالغًا في تقدير إنجازاته، عاجزًا عن التعاطف، ومندفعًا نحو سلوكيات مؤذية من دون أي شعور بالذنب.

ويرى التحليل النفسي أنّ هذه السلوكيات ليست سوى آليات دفاعية ضد شعور عميق بالهشاشة والخوف والوحدة. وغالبًا ما يرفض أصحاب هذا الاضطراب الاعتراف بمشكلتهم أو الخضوع للعلاج، إلا إذا شعروا بفقدان السيطرة، فيسعون إلى استعادتها، ولو عبر تدمير الآخرين.

من الفرد إلى الدولة

وما ينطبق على العلاقات الفردية، يُمكن إسقاطه على العلاقات الدولية. فالدولة النرجسية تسعى إلى منع الآخرين من تطوير قدراتهم، وتشيطن أي محاولة للاستقلال أو الاكتفاء الذاتي، بينما تنشغل بتعظيم قوتها الذاتية، وإشغال خصومها بصراعات جانبية.

ويخبرنا التاريخ، كما تخبرنا النصوص الدينية، ولا سيما القرآنية، أنّ مصير التكبر واستعباد الآخرين كان دومًا الانهيار من الداخل. من الإمبراطوريات القديمة إلى الأنظمة الحديثة، تتكرر القاعدة ذاتها: حين تتضخم الأنا، يبدأ التفكك.

أما نرسيس الأسطوري، فقد غرق وحيدًا، لكن الأسطورة تقول إن زهرة جميلة (تُعرف حاليًا باسم "زهرة النرجس”) نبتت في المكان الذي مات فيه، حملت اسمه، وكأنها تذكير رمزي بأن الجمال الحقيقي لا يكون في عبادة الذات، بل في ما يُترك أثرًا بعد الرحيل.

شريط الأخبار القباعي يوضح حول حقيقة تحميل المواطنين فاقد الكهرباء على فواتير الشتاء تحذير جديد من "الأمن العام" بشأن وسائل التدفئة وفاتان و8 إصابات جراء حوادث تصادم على الصحراوي وصافوط إسرائيل تتهم صهر ترامب بمسؤولية ما يحدث في غزة: "إنه ينتقم منا" الداخلية: عودة طوعية لنحو 182 ألف سوري إلى بلادهم الأردن يرحب باتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين دمشق وقسد استمرار تأثر عدد من مناطق المملكة بهطولات مطرية متوسطة الشدة.. والأرصاد تحذر وزارة الأوقاف: عدد المستنكفين عن أداء الحج العام الحالي ما يقرب 800 شخص وزارة الطاقة السورية: اتفاقيات مع الأردن لتوريد الغاز والتعاون الكهربائي الرئيس الإيراني يحذر من حرب شاملة في حال استهداف خامنئي قرار سوري تاريخي... وقف شامل لإطلاق النار على الجبهات كافة مع "قسد" توقعات بانخفاض الدين العام للمملكة دون 83% من الناتج المحلي الاجمالي إدارة السير: ضبط 161 حادثا مفتعلا خلال العام الماضي الداخلية: إجراءات عاجلة للتخفيف من الاكتظاظ في جسر الملك حسين الشيخ طراد الفايز يكشف تفاصيل جديدة عن حادثة غرق طفلين ووالدهم بالجيزة الأوقاف تدعو مواليد 1 نيسان إلى 31 كانون الأول 1954 لتسلّم تصاريح الحج دار الامان للتمويل الاسلامي تعدل عقد الشركة ونظامها الاساسي شركة عرموش للاستثمارات السياحية - ماكدونالدز الأردن - تطلق حملة الشتاء السنوية "دفا ودعم" في الأردن الملك يتلقى دعوة من ترامب للانضمام لمجلس السلام تحذيرات من طرق احتيال الكتروني متعددة تستهدف العسكريين