أين ذهب أهل السعادة والوَنس؟

أين ذهب أهل السعادة والوَنس؟
عبد الحكيم حيدر
أخبار البلد -  

الفقراء من أصحاب دكاكين الحلاقة في القرى والنجوع، وصغار النجّارين والحكواتية بجوار السواقي، وفقراء الخيّاطين، وأصحاب دكاكين تصليح الأخذية البالية، وسماسرة السخل في الأسواق، والمكوجية، وعجائز الطحّانين حول قواديس ماكينات الطحين، وحكاياتهم مع نساء القرى عن الطحين والخميرة والرجال البخلاء، والمرأة التي يُحكى أن السمك ينام في زيرها، كانوا هناك معنا في جني المحاصيل، وفي جني القطن، وحينما تمتلئ الأجولة يبدأ الغناء من حناجر طيّبة مُتعطّشة للستر والغناء، وفي القمح أيضاً والدريس، بالأمس والله رأيت "مقرقراً" بثلاثة غرابيل يجلس في المقهى بعمامته، يتسوّل ثمن كوب الشاي، ولما تعطّف الحال بدأ يطلب السجائر أيضاً.

هل وصل الوجع إلى القلوب، هل القلب هو الذي يشيب أم الرأس؟... حتّى النداء في الليل كان له ذلك الصدى، الآن كلّ واحد مع "الموبايل" يسأل عن سعر الدقيق أو القمح أو ثمن غرام الذهب أوسعر الدواء أو سعر كيلوغرام البلاستيك القديم أو الكرتون القديم أو كرتونة البيض.

بالأمس، أعطاني عم أحمد ليمونة من حديقته، رجل فلّاح من قرية بعيدة في الجبل، اسمها عزبة أبو فردة، كانت الليمونة صابحة ولها رائحة، أخرج عم أحمد الليمونة من جيب الصديري، وكأنّه يمنحني محبّةً ما، وكأنّها كانت هادئة بجوار دقّات قلبه بجيب الصديري، تناولْتُ الليمونة بفرح، فابتهج، وفي الليل كان سروري بها يشبه سروره وهو يمنحها لي، فأين ذهبت محبّات أهل السعادة والوَنس، من كان يعزف منهم العود في الموالد لأصحابه، ومن كان يسلخ من أعواد الغاب القطع بسكين ويصنع الصفافير ويركنها في حجورنا، ومن خلاله عرفنا مولد "العدرا"، شرق البحر ومولد الشيخ أبي صفّارة، ومن كان يهوى المسرح ويدخل خلسة مع النجّارين إلى الكواليس في "البروفات" مثل الأستاذ يونان مدرّس الرياضيات حتّى أنهى دراسته للرياضيات في جامعة القاهرة، وكبر ونسي المسرح تماماً، بعدما امتلأت البلاد بأفلام المقاولات في السبعينيّات من القرن الماضي.

من ذلك الذي كسر جناح السعادة والوَنس، فتور، أو خمول، أو كسل، أو مرض أصاب كبد السعادة؛ رغم الصحّة وعافية الأبدان وعمار الجيوب. فلوس كثيرة جداً تذهب بها الجموع يومياً، وأحياناً بالأجولة، إلى شبابيك البنوك للبحث عن مزيد من "الفائدة"، أوراق نقدية مهولة جداً ما رأيناها من قبل أيام كنّا نركب القطارات بقروش أو باشتراك سنوي، والغريب أنّنا كنّا سعداء، ونحصل على الوظيفة فور تخرّجنا في زمن كنّا نخرج فيه من حرب إلى حرب.

أين ذهب صنّاع السعادة في القرى بعدما تحوّل الريف مدينةً موحشةً تحوطها مصارف المياه الواقفة، وورد النيل والترع المبطّنة شحيحة المياه. بوابات عالية من الحديد على كلّ باب وعجائز بالقرب من دكك قديمة وكلاب تتمرّغ في بقايا لهيب اليوم في بركة من طين، الأماكن موحشة فما بالك بالوَنس؟

هذه عيادة دكتور محمود علي موسى، طابق واحد من القرميد، بعد أن مات وكانت محاطةً بالخضرة والياسمين والورد، الآن هي محاطة بسيارات قديمة يتعامل معها سمكري سيارات بالدوكو، وملجأ الأيتام القديم الذي كنّا نسمع من خلاله الموسيقى من الأكورديون والآلات صار برجاً شاهقاً، وعم أبو روماني، الطبّاخ الذي كان يصطاد السمك معنا، مات من زمن، وابنه روماني، الحريّف في كرة القدم لم أره من أربعين سنة، وسمعت أنّه مات في العراق من سنوات.

ما كلّ هذه الوحشة التي تُطلّ عليّ من الجدران؟ هل هذه الوحشة تشبه إلى حدّ كبير الآن شكل الغناء والأفلام والأيّام والناس والكتب والمسرح والمسلسلات المطبوخة ثقيلة الظلّ، وحتّى شكل الأيتام وبعض عنفهم أحياناً كي يعيشوا؟ وكأنك تقول إنّ الفرح يحتاج إلى فقراء لديهم إمكانية صناعة الفرح من تحت ضلوعهم كي تكون الحياة هي تلك التي عشناها. ورغم ذلك تتساءل محلّقاً: أين ذلك الملحّن العبقري صاحب الكرم واللمّة بليغ حمدي، صاحب الصدر الذي يستوعب الجميع، وأين الرجل صاحب التواضع الجمّ، نجيب محفوظ، الذي حوّل ندواته برلماناً أدبياً رفيعاً، بل أين إحسان عبد القدوس ومدرسته في عالم الصحافة، بعدما ذهبت الصحافة كلّها إلى خبر كان، فهل ضاقت الأرض حقّاً أم ضاقت الصدور؟
شريط الأخبار وصول وفد إيراني برئاسة قاليباف إلى باكستان كم خسرت إسرائيل خلال 40 يوما من حرب إيران؟ تهنئة وتبريك للدكتور خالد حرب الرئيس التنفيذي لشركة دار الدواء تراجع طلبات ترخيص محطات شحن المركبات الكهربائية 54 % نجل بايدن يتحدّى أبناء ترامب لنزال داخل قفص ترامب: لا أوراق تفاوضية بيد إيران باستثناء التحكم بمضيق هرمز افتتاح الفرع رقم 80 لومي ماركت الجامعة الهاشمية في محطات المناصير عمومية "الممرضين" تصادق على التقريرين الإداري والمالي للعام 2025 رئيس البرلمان الإيراني يضع شرطين قبل بدء المفاوضات مع الولايات المتحدة خمس نقاط بشأن المباحثات الأميركية الإيرانية المرتقبة في باكستان السفير الأمريكي لدى إسرائيل ينهي "6 أسابيع من التقشف" مع كلبين ويعود لمقره الرسمي شكر وعرفان من عشيرة العبيدات للمعزين بوفاة المرحوم فوزي أحمد عبيدات مسيرة تؤكد ثبات الموقف الأردني ودعم رسائل الملك تجاه القدس - صور نعيم قاسم: إسرائيل عجزت ميدانيا عن الاجتياح البري وصواريخنا ما زالت تطال "ما بعد" حيفا 100 ألف يؤدون صلاة الجمعة في "الأقصى" بعد إغلاقه 40 يومًا 2.5 مليون عدد مستخدمي تطبيق سند منخفضات خماسينية في الاسابيع القادمة غبار وتقلبات حرارية حادة رئيس بيلاروسيا يدعو إلى عدم نسيان القضية الفلسطينية في خضم أزمة إيران رئيس كوريا الجنوبية ينشر فيديو لجنود إسرائيليين يلقون جثة فلسطيني من سطح مبنى في الضفة الأردنيون يتوافدون للمشاركة بوقفة ومسيرة وطنية أمام الحسيني نصرة لفلسطين وتأييداً للملك