الشريط الإعلامي

«الحَوَلْ» في تفسير الظواهر.. ومحطات التشاؤم

آخر تحديث: 2022-08-30، 10:12 am
د. بسام الساكت
أخبار البلد-
 

صحة العينين نعمة من نعم الله، ويعتريهما أمراض، منها «الحَوَلْ» الذي هو خلل في محاذاة العينين مما يجعلهما لا تنظران الى نفس النقطة في نفس الوقت. ولا تكون محاور العين متوازية اتجاه الشيء المراد رؤيته، فهو انحراف بصري يسبب اوجاعا في الرأس وإزعاجات وعدم التحقق من الامور المشاهدة وبالتالي الوصول الى نتائج غير دقيقة.

وكذلك الأمر فإن «الحول» في التفسير في بيئتنا موجود, وعلى درجات، ومنذ سنين، ليس في صحة العينين فقط، بل في صحة نظر بعض الاقتصاديين والساسة في قراءة وتفسير الظواهر الاقتصادية أو السياسية والاجتماعية. ولستُ بمنأى عن «الحَولِ» هذا، أحياناً.

جئت بهذه المقدمة الطبية للتوضيح فقط ولكي أتطرق «لظاهرة» هجرة الشباب من الأردن و"اللطم» المبالغ به في بعض الكتابات، ومن الشاكين، الذين يعزون إثمها «جميعه» إلى إدارة الدولة, ليصل بنا بعضهم إلى نتيجة أن «الدنيا خربانه»!! ويتناول الظاهرة الصالونات ووسائل الاتصال.. فهو فزع متناقل، ولن أقبل هنا على نفسي الدفاع عن بعض سياسات إدارية خاطئة او سوء تدبير أو تجاوز حالات العدل والتحيّز في التعيينات الوظيفية، أو طول فترة الفصل في القضايا الحقوقية والمعيشية، أبداً

نعم لدينا علّة وعلل، كما لدينا إنجاز. أليس الاستثمار التراكمي في التعليم ولد كفاءات ساهمت في البناء الداخلي، كما ساهمت عند هجرتها الى الخارج في تعزيز علاقاتنا بالجوار العربي، وتغذية احتياطيات المملكة من العملات الصعبة، وصلت احيانا، وفق الرصد الرسمي فقط، اكثر من ملياري دينار، بل يزيد. نعم لدينا علة سوء التدبير في المنزل والشارع والمؤسسات.. وأشواك وبطالة وهجرة للمتعلمين. والفهم والادراك السليم يدللان، انها عِلل بنظري عابرة، مرحلية، إن أحسنا التدبير.

وتدخل البيئة الاقتصادية الاقليمية والدولية عوامل تُفَاقِمُ ظاهرة الهجرة، وتجعل الكثير منا يغفل ان وراءها أسبابًا متنوعة وليس سببا واحدا. فاقتصادنا ذو بُنيةٍ وطبيعة مميزة «بنيوية» من يغفلها يصاب بشيء من الخلل في التفسير. خاصة إذا ردد تفسيرات من أسميهم «بمحطات الذعر» فالخلل في التدبير والادارة، يجب إلاّ يضلنا عن الحقيقة الاقتصادية الجوهرية في بنية اقتصادنا تلك الحاسمة في إفراز الظاهرة:

أولاً: إن الاستهلاك الكلي أعلى من الانتاج الكلي-فجوة الادخار).

ثانياً: اقتصادنا اقتصاد فائض في عنصر العمل، ومنحنى البطالة بمختلف أشكالها، يميل ويتجه صعوداً، خاصة في ظروف الهزات الاقليمية، يصحبها عسر في معيشة العاطلين، وهجرة العقول من المتعلمين، واخرى هجرة داخلية من الريف إلى المدن urban drift.

ثالثاً: كما ونعاني من إزدواجية في بنيتنا الاقتصادية ومن سوء توزيع الثروة والدخل, Inequalities, maldistribution of income،and economic dualism تتمثل في مناطق متقدمة دخول ساكنيها عالية, وارياف متدنية في النمو والدخل، هي معضلات وإفرازات سياسات تنموية سلبية، ما زلنا نعالجها، بالقطعة stop-gap solution وببطء، لكنها تحتاج الى المتابعة المؤسسية الحثيثة.

رابعاً: كما نعاني مما يسمى بعلَّة التحيُّز الحضري urban bias حيث تحضن عمان الكبرى والزرقاء حوالي 86% من الفعاليات المالية والاقتصادية ونسبة مثيلها من السكان.

إن فهم العلة نصف الحل وبهدف المعالجة والابتعاد عن «الخلل» في التفسير، نحتاج ان ننعش الذاكرة ونوسِّعها بِالتدَبُّرِ بأمور جوهرية، ليس فقط بالتي في «بنية اقتصادنا» بل أيضاً بأخرى في محيطنا وخارج إرادتنا، وفي جميع الحالات فهي عوامل طاردة للعمل باتجاه الهجرة.

1- مادام اقتصادنا هو اقتصاد فائض في عنصر «العمل»، لا في عنصر «رأس المال» (عدد السكان يفوق 11مليونا على رقعة محدودة الموارد، والمساعدات الخاجية تُجسِّرُ فجوة الادخار) وبفعل ارتفاع معدل زيادة السكان (يراوح 3.5% + الهجرة)، فالمُتَنَفسْ معروف وطبيعي: هو الهجرة والعمل في الخارج.

2- نحن محاطون باقتصاديات غنية ذوات فوائض رأس المال ومستويات اجور عالية (يبلغ الحد الأدنى للأجور عندنا 255 دينارا شهرياً) وطبيعي أن تلك الدول جاذبة للعمل.

3- إن عشق مواطننا للتعليم وإنجازه، وجديَّته في العمل، ومتابعته التطور التكنولوجي، يحفزه للتطلع لفرص أفضل في الخارج كما يشجع الدول المجاورة وغيرها على استقطابه ٥- سياسة الدولة العامة من الحرية والانفتاح على الخارج، وحرية التنقل، ومعها التعليم والسفر، كل ذلك وفر المعلومة لهذه الفئات عن الخارج، فازدادت عندهم دوافع الهجرة وإغراءاتها، كما إن في بنيتنا الاجتماعية مكونا كبيرا من مهاجرين عرب، هم إخوتنا، هُجِّرَ قسط منهم قسريا من قِبلِ محتلٍ إحلالي توسعي لئيم، متطلعون لحياة بها استقلال مالي اكبر، والديناميكية عندهم?عالية، لذا ميلهم للهجرة عالٍ أيضاً، ويضاف الى ذلك روابط عائلية لهم مهاجرة. وبالتالي ينعكس ذلك ارقاما متزايدة في الهجرة عندنا.

4- لقد سهَّل التغيُّر الاجتماعي والتحرر العائلي النسبي، تقبل فكرة الهجرة، خاصة التغيُّر الذي يلي الازمات من حروب وعدم استقرار وازمات سياسية في بلدان الجوار واخرى مالية اقليمية دولية 1967, 1970, 1975, 1982, 2008،2011.

5- ازدياد دخول المرأة لسوق العمل كمُعِيلَة، يسَّرَ هجرة الذكور (ارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل الى 18%).

6- إن تدخل الدولة المبرمج لدى دول الجوار لاستيعاب العمالة الاردنية من خلال اتفاقات عمل، يَسَّر الهجرة، كما خفف من البطالة. والمهاجر بدوره يستقطب اهله وزملاءه alluring effect.

على الرغم من أن الإنسان، طاقة العمل في اقتصادنا، وعنصر الثروة والقوة والامان، فهو ايضا عنصر الضعف وأول ضحية للفقر. وتُوجِب معالجة البطالة اليوم، برفع نسب النمو في الدخل الوطني لرفع الطاقة الاستثمارية للدولة والمؤسسات. ومعالجة البطالة تأتي من سياسات عدّة منها: وضع برنامج وطني مكثف عاجل ومتوسط المدى (ثلاث سنوات)، هو سلة من حزم اجراءات وسياسات «مُلزِمة» تهدف التشغيل، ويتقاسم تنفيذه البرنامج وتمويله مؤسساتنا الجماعية والشركات المساهمة من بنوك وجمعيات اعمال ومصانع وتجار والمؤسسات الجماعية الخاصة والنقابات المهن?ة، والجامعات والمدارس وبمشاركة فاعلة من الجيش والقوات المسلحة. إنه هو الترجمة القريبة للمسؤولية الاجتماعية الوطنية. وينصب على مشاريع التدريب والتوجيه الدراسي والمهني المستقبلي career guidance واعادة التدريب training and retraining بهدف تأهيل ورفع انتاجية الانسان، وإعادة تدوير كفاءته وبناء مشروع وطني واسع للطاقة الشمسية، وآخر واسع للتحريج، ينتج ويستوعب قسطا من البطالة أليس ضروريا حشد مؤسسات التدريب المهني المتناثر عددها ودمجها وبرامجها وتوفير التمويل لها لرفع نسب المهنيين المطلوبة في السوق، كما في المانيا؟.

ماذا عن «تأجيل» دفع نسب من مشاركة أصحاب العمل في الضمان الاجتماعي مشروطا بالتشغيل وحوافز ضريبية لها؟ ماذا عن إلزامية ومجانية تدريب الخريجين العاطلين ودفع راتب اسمي لهم، مسترجع عند العمل، في البنوك والشركات والنقابات المهنية؟؛ ماذا عن برنامج وطني بيئي أخضر مكثف يمتد لثلاث سنوات لتحريج اراضي الدولة نوعياً باستخدام الآليات، والشباب بإشراف القوات المسلحة (مربوطاً بالتجنيد الالزامي)، فيه تحريج، واصلاح أراضٍ، بيئي منتج، وتثقيف وحماية للشباب من المخدرات، وتدريب وتأهيل، وتقريب المواطن من القوات المسلحة، (وتفعيل دا?رة الثقافة في الجيش).