الشريط الإعلامي

عن دموع سُلاف وانتظار أزهار

آخر تحديث: 2022-08-29، 09:39 am
نهاد أبو غوش
أخبار البلد-
 

تصادف هذا الأسبوع الذكرى الثامنة لإطلاق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، سواء تلك المحتجزة في الثلاجات من قبل سلطات الاحتلال، أو المدفونين في مقابر الأرقام، وقد مضى على بعضهم عشرات السنين دون أن تدري عائلاتهم شيئا عن مصيرهم وعن أماكن دفنهم، أو يتمكنوا من دفنهم في مقابر معلومة، وكما يليق بهم وفقا للطقوس والشعائر الدينية وبما يتناسب مع كرامة الإنسان التي تقرها جميع الشرائع والمواثيق والقوانين الدولية.

تبذل دولة إسرائيل جهودا خارقة لاستقدام جثث حاخامات ومشاهير ومفقودين مضت على وفاة بعضهم قرون، من أجل دفنها في فلسطين، وهي ترسل وفودا علنية وسرية إلى دول عدة، تُوسّط دولا وهيئات دولية وتخصص جوائز مليونية لمن يساعدها في استعادة رفات الطيار رون اراد وبعض المفقودين، لأن الميتين في هذه الحالة يهود ولهم كرامة خاصة، تضِنّ بها دولة الاحتلال على غير اليهود.

يتزامن الاحتفال بذكرى إطلاق الحملة مع جملة من الاحداث المرتبطة، من بينها الإفراج عن جثمان الشهيدة الدكتورة مي عفانة من أبو ديس التي احتجز جثمانها لأكثر من عام، ولعل أبرز مشهد مؤثر تعجز كل المقالات والكلمات عن وصفه هو صورة ابنة الشهيدة، الطفلة سُلاف جفال التي انتظرت عودة أمها مئات الأيام وعشرات آلاف الساعات والدقائق، ولعل خيالها الطفولي كان في انتظار تحقُّق معجزةٍ ما تمكنها من احتضان والدتها، وتبريد ولو جزء بسيط من القهر الذي كان يضطرم في صدر ابنة السنوات الست على امتداد كل تلك الأيام الصعبة والليالي الطويلة.

ولمناسبة الذكرى الثامنة للحملة سيجري احتفال تكريمي لشخصية لعبت دورا مركزيا في الحملة هو المناضل الراحل سالم خلّة، الذي عمل منسقا للحملة منذ تأسيسها وحتى وفاته أواخر العام 2020، وقد لعب الراحل (أبو زياد) دورا مؤثرا ومتميزا في الحملة، ما ساهم في إنجازات ملموسة تُوِّجت باستعادة جثامين شهداء مضى على احتجاز بعضهم اكثر من 35 عاما كالشهيدين مشهور العاروري وحافظ ابو زنط.

وعلى الرغم من كل الجهود المخلصة للحملة التي أطلقها مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، فإن أعداد جثامين الشهداء المحتجزة إلى ازدياد، كما يؤكد أحد أبرز الناشطين في هذا المجال المحامي محمد عليان، والد الشهيد بهاء، فيذكر في منشور حديث له، أن عدد الشهداء بلغ 66 جثمانا في العام 2020، وقد ارتفع الآن إلى 102 جثمان. يمكن تفسير ذلك بارتفاع عدد عمليات المقاومة وقيام قوات الاحتلال باختطاف جثامين من تغتالهم، واحتجازها جثامين بعض الأسرى. لكن السبب الرئيسي لارتفاع الرقم يعود من دون شك إلى سياسة دولة الاحتلال التي لا تراعي أي قانون أو شريعة، فتتصرف بعقلية العصابة وروح الانتقام، لا بمنطق دولة القانون والمؤسسات، وهي من خلال احتجاز الجثامين تسعى لمعاقبة الشهيد بعد موته لظنها أن ذلك يجعله عبرة لمن يعتبر، ومعاقبة عائلته التي تعد في نظر الاحتلال شريكة في جريمة المقاومة، بل تريد الانتقام من الشعب الفلسطيني بأسره، كعقوبة جماعية لأن ثمة من بين أفراد هذا الشعب من يرفض الاحتلال ويترجم رفضه إلى أعمال.

كثيرة هي قصص المعاناة والألم التي يعيشها آباء وأمّهات وأهالي الشهداء، ومن بينها قصة السيدة أزهار أبو سرور ابنة الشهيد عبد الحميد أبو سرور (استشهد عام1981) ووالدة الشهيد الذي يحمل نفس الاسم واستشهد في عام 2016. أم عبد الحميد هيّأت لابنها قبرا ملائما، وتواظب على زيارته في كل مناسبة حاملة معها الورود، وهي ما زالت في انتظار الساعة التي يعود فيه جسد حبيبها لأمه الكبرى، أرض فلسطين، لكن أزهار، الأم الصغيرة، لا تستسلم لليأس والقنوط فهي تنشط في حملة استعادة جثامين الشهداء، وتشدّ أزر من كانوا مثلها من الثاكلين.

يحسب للحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، أنها نجحت في إبراز هذه القضية محليا وعالميا، ونقلتها من كونها همّا شخصيا محصورا في أسرة الشهيد ودائرته المقربة، إلى همٍّ وطني عام يهم الشعب الفلسطيني كله ويكشف عنصرية الاحتلال، ووحشية إجراءاته. إذ لا تقتصر عنصرية الاحتلال على احتجاز الجثامين، بل تمتد إلى إنكار وجودها، ومحاولة تضليل الباحثين عن العدد الحقيقي للشهداء المحتجزين. وقد كشف الراحل سالم خلة جزءا كبيرا من هذه الحقائق وخلفياتها في عدد من الشهادات الموثقة التي تكشف عنصرية دولة الاحتلال ومراوغتها، وطريقتها في دفن الجثامين التي لا تنطوي على اي احترام للكرامة الانسانية، كدفن الشهداء قرب مجاري المياه والأودية، وعلى مقربة من سطح الأرض ودون أي علامات تمييز، فضلا عن دفنهم من دون أي طقوس دينية، وقد كشف مؤخرا أن هذه الطريقة في دفن "الأعداء" لم تقتصر على الفلسطينيين، بل طبقتها إسرائيل في دفن عشرات الجنود المصريين في منطقة اللطرون ممن استشهدوا في العام 1967.

لا ينبغي الاكتفاء بما انجزته الحملة، ولا بوتيرة العمل لاستعادة جثامين الشهداء، فهذا الموضوع الحساس وجدانيا ووطنيا ينبغي أن يتحول إلى موضوع رئيسي على أجندة السلطة والقوى السياسية والمؤسسات الأهلية ووسائل الإعلام، ولعل من الغريب أن كل هذه السنوات مرّت على اتفاق اوسلو وما تخللها من موجات مد وجزر، ولم يجرِ التطرُّق للموضوع رسميا، ولم يرد ذكرُه في أي اتفاق، والأغرب أنه لا يُطرح بوصفه موضوعا رئيسيا على الرغم من كثرة اللقاءات السياسية الثنائية والدولية، والحديث عن إجراءات بناء الثقة، وآفاق استئناف التسوية، والتنسيق الأمني، فإذا كان موضوع تقنيات الجيل الرابع للانترنت يطرح على الرئيس بايدن ويصوّر على أنه إنجاز، فلماذا لا يطرح موضوع استعادة الجثامين المحتجزة باعتباره همّا يؤرق ملايين الفلسطينيين؟