الشريط الإعلامي

الصمت المصري والقلق الإسرائيلي

آخر تحديث: 2022-08-24، 09:46 am
حازم عياد
أخبار البلد-
 
المعلومات حول توتر العلاقات الاسرائيلية المصرية ما زالت شحيحة مقتصرة على تسريبات الصحافة الاسرائيلية التي اكدها بشكل رسمي وزير الحرب الاسرائيلي بيني غانتس يوم امس الاثنين لإذاعة مكان العبرية، ومن ثم تناقلتها وسائل الاعلام عبر هيئة الاعلام العبري (كان).
مصر الرسمية التزمت الصمت في حين انشغلت ماكينتها الاعلامية في الرد على المقال الجدلي للكاتب المصري عماد اديب، والقمة العربية الخماسية التي ستبدأ اعمالها اليوم في العلمين في قاعدة محمد نجيب، وتضم كلًّا من: مصر، والاردن، والعراق، والامارات، والبحرين، لينفرد الاعلام العبري في رسم ملامح التوتر وعناوينه دون اي إسهام مصري رسمي او غير ذلك.
ذلك لا يعني ان ملف التوتر بين الكيان الاسرائيلي ومصر لا تتم مناقشته في الكواليس والغرف المغلقة في القاهرة بعيدا عن الاضواء، خصوصا ان مدير المخابرات المصرية عباس كامل ورئيس الشاباك الاسرائيلي الذي يزور القاهرة رونين بار يخوضان نقاشاً حول الملف وتفاصيله.
المصادر الاسرائيلية تفرد بخبر زيارة رونين بار للقاهرة وعناوينها المعلنة تهدئة التوتر مع القاهرة في أعقاب جولة القتال الاخيرة في غزة التي تخللها سلسلة من الاستفزازات الاسرائيلية لمصر؛ ابرزها تجاهل جهود الوساطة المصرية والتقدم الحاصل فيها قبل ساعات من اغتيال القيادي في الجهاد الاسلامي تيسير الجعبري، ثم أتبعته باغتيال قائد المنطقة الجنوبية في الجهاد خالد منصور بعد أنباء عن اقتراب التوقيع على هدنة توقف القتال.
لم تكتف اسرائيل بتوجيه ضربات مباغتة في القطاع مستغلة جهود الوسيط المصرية؛ اذ سارع قادة الاجهزة الامنية الاسرائيلية في الجيش والشاباك الى نفي وجود تعهدات للوسيط المصري بإطلاق سراح الاسير الاداري المضرب عن الطعام خليل العواودة، او السماح لمصر بلعب دور في جهود اطلاق سراح بسام السعدي وتفقد ظروف اعتقاله؛ اذ كان من المفترض ان يتابع وفد مصري الملف بزيارة تشمل تفقد السعدي في معتقله؛ الامر الذي استبقته اسرائيل مباشرة من خلال الدفع بالامور نحو الحافة باغتيال ابراهيم النابلسي في البلدة القديمة لنابلس، وخلال توجه الوفد المصري للاراضي المحتلة.
من الواضح ان مصر الرسمية لا تبحث عن تصعيد علني مع الكيان الاسرائيلي، وتتجنب نقل الملف الى العلن؛ اذ اكتفت بوقف الاتصالات بين جهاز المخابرات المصري والشاباك ما يفسر الزيارة الطارئة لرونين بار الذي نقل الملف الى العلن بتسريبات صحفية متتابعة تكشف عن لقائه مدير المخابرات المصري عباس كامل الذي يتولى ملف العلاقة مع قطاع غزة، والوساطات بين المقاومة والاحتلال، بل مشاريع التهدئة في بعدها الامني والاقتصادي كإعادة الإعمار وبناء المدينة الصناعية وتحسين الظروف المعيشية في القطاع.
الجهود الاسرائيلية في محاصرة حركة حماس وفصائل المقاومة واحتواء الازمة في القطاع عبر الادوات الاقتصادية، سواء كانت العقوبات والحصار، أم كانت تحسين الظروف المعيشية والتنمية، باتت مهددة بشكل مباشر نتيجة للتوتر مع الجانب المصري الذي عانى من تهميش دوره في مفاوضات التهدئة لتكتفي اسرائيل بالتعامل مع مصر كعنصر تنفيذي لا اكثر ولا اقل وهو دور لن تقبله القاهرة.
لا يقتصر الامر على ذلك، فرغم ان قطاع غزة يعتبر الملف الابرز والعنوان الاكثر وضوحا للتوتر في العلاقات الاسرائيلية المصرية، إلا أن ذلك لا يعني انه لا توجد ملفات اخرى على رأسها ملف الغاز في شرق المتوسط، وجهود الكيان للاقتراب من قبرص والتعاون معها لإيجاد ممرات لنقل الغاز المستخرج من الحقول المستكشفة إسرائيلياً نحو القارة الاوروبية بعيداً عن مصر وموانئها.
وسواء كان ذلك عبر خطوط شحن بحري تمر بالمياه القبرصية واليونانية وموانئها، أم عبر انبوب "ميد إيست" المار بالمياه الإقليمية القبرصية والموانئ اليونانية، متجاوزا الاسكندرية؛ الامر الذي سيكون ممكناً في حال نجاح الوساطة الامريكية مع بيروت لترسيم الحدود البحرية مع الكيان، لتزيل بذلك عائقاً قانونياً وجيوإستراتيجياً لبناء انبوب "ميد إيست" للغاز من المنطقة المتنازع عليها نحو قبرص؛ فالموقف اللبناني ومن قبله التركي كان وما زال احد ابرز العوائق امام انشاء انبوب النفط (ميد إيست)، الى جانب عوائق تقنية يمكن التغلب عليها فنيا وهندسيا.
الصمت المصري الرسمي يشير الى رغبة مصرية في عدم التصعيد بانتظار تقديم الكيان الاسرائيلي تنازلات في ملف خليل العواودة وملف بسام السعدي لتثبيت الهدنة في قطاع غزة، مكرسة بذلك مكانة مصر ودورها في المنطقة انطلاقا من قطاع غزة الذي بات يمثل عمقاً إستراتيجياً لمصر بفعل تنامي قوة المقاومة، ومجالاً حيوياً إستراتيجياً وأمنياً لمصر حَسَّن من قدرتها التفاوضية ووزنها الإقليمي، وأسهم في تفعيل دروها كفاعل اقليمي وسياسي.
هل تنجح مصر في تحويل دورها في قطاع غزة والضفة الغربية إلى قيم إستراتيجية تضاعف من وزنها الجيوسياسي، أم تبقى مجرد ورقة ضغط على الكيان لتعزيز مكانتها في الاقليم، ولتحسين تموضعها في ملف الطاقة والامن الاقليمي، ام انها مجرد سحابة صيف كما تخيل غانتس في لقائه الاذاعي يوم امس الاثنين؟

ختامًا..
يمكن القول انه وفي العمق ما يخشاه غانتس وقادة دولة الاحتلال ومهندسي استراتيجيتها الاضافة النوعية والجيوسياسية التي يقدمها قطاع غزة لمصر، والدور والقدرة التفاوضية المتنامية للقاهرة في الملف الفلسطيني، وهو الهاجس الأهم الذي يرغب غانتس ومن معه في تحييده، ونزعه من القاهرة، وهو لب الازمة والتوتر ودافعه الحقيقي؛ فإسرائيل تريد تقزيم الدور المصري بعد ان لاحظت تنامي هذا الدور، ومُراكمتَه عناصر القوة بتأثير من التحولات الجيوسياسية والإستراتيجية في القطاع والضفة الغربية.