الشريط الإعلامي

التغلغل الأمني الإسرائيلي في إفريقيا جنوب الصحراء

آخر تحديث: 2022-08-03، 09:37 am
د. وليد عبد الحي
أخبار البلد-
في دراسة أكاديمية إسرائيلية بخصوص مبدأ الأمن القومي الإسرائيلي، تقترح الدراسة ما نصّه حرفياً "يجب على إسرائيل تدريب المهاجرين الأفارقة لها (من اليهود الإثيوبيين والمهاجرين غير الشرعيين) وإعادتهم إلى دولهم الإفريقية ليعملوا على لتشكيل شبكات تجسس محلية داخل الدول الإفريقية".[2]

وقد كشف تقرير في سنة 2020، أن سبع دول إفريقية تستخدم أدوات التجسس السيبراني الإسرائيلية للتجسس على المكالمات والرسائل النصية ومواقع هواتف الشخصيات المتنفذة في مختلف القطاعات.[3]

بل إن وثائق إسرائيلية، نشرت بعض تفاصيلها صحف إسرائيلية، أشارت إلى أن بعض خلايا الموساد دربت عناصر إفريقية سنة 1962 في إثيوبيا، وكان من بينها الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا Nelson Mandela، مع التأكيد أن الموساد Mossad لم يكن يعرف خلفية وأصول مانديلا إلا بعد أن تمّ اعتقاله لاحقاً.[4]

من جانب آخر، يعطي رئيس جهاز الموساد ديفيد برنياع David Barnea الذي تولى منصبه سنة 2021 أهمية للقارة الإفريقية خصوصاً، ويعمل على تعميق نشاطات جهازه في مختلف الدول الإفريقية، خصوصاً أنه كان مسؤولاً عن القسم الخاص بتجنيد العملاء لصالح الموساد في مختلف مناطق العالم، مما يعني أن تجنيد العملاء في القارة الإفريقية سيتزايد بشكل كبير خلال المستقبل القريب.[5]

ويكشف زويلفيليل مانديلا Zwelivelile Mandela، أحد أحفاد الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا، عن طرق التغلغل الإسرائيلي في القارة الإفريقية؛ من خلال تزويد الأنظمة الديكتاتورية في إفريقيا بأدوات التجسس، وتزويد حركات التمرد الانفصالية بالأسلحة تحت غطاء الأدوات الزراعية، كما أنها تغذي الحروب الأهلية بهدف اختراق المجتمعات الإفريقية، ويقدم أمثلة على ذلك في أحداث رواندا، وجنوب السودان، والكاميرون، وأوغندا، وتوغو، وغينيا الاستوائية،[6] ومعلوم أن "إسرائيل" تحتل المرتبة الثامنة عالمياً في مبيعات السلاح، وبنسبة تعادل 3.1% من إجمالي مبيعات السلاح عالمياً.[7]

وتتعزَّز هذه النشاطات؛ بما انكشف عن التجسس السيبراني، خصوصاً نشاطات برامج بيجاسوس Pegasus spyware الإسرائيلية، كما جرى مع الرئيس الجنوب الإفريقي سيريل رامافوزاCyril Ramaphosa منذ سنة 2019، ويمكن لهذا البرنامج الإسرائيلي الذي طورته شركة أن أس أو NSO Group Technologies الإسرائيلية الخاصة، قراءة الرسائل والاستماع وحتى تسجيل المكالمات، وكذلك التقاط الصور عن بعد، وهو ما أكدته تقارير منظمة العفو الدولية Amnesty International.ا[8]

وأكدت تقارير الصحافة الإفريقية توظيف الموساد لبرامج بيجاسوس للتأثير على الانتخابات الإفريقية، كما تبين في كل من بوتسوانا سنة 2014، وغانا في 2016 و2020، ومالاوي سنة 2020، إلى جانب دول أخرى مثل زيمبابوي وزامبيا والسنغال وأنغولا والنيجر، بل وتستخدم "إسرائيل" مساعداتها خصوصاً في مجال التكنولوجيا الزراعية للتأثير على القرارات الإفريقية، فعندما تقدمت السنغال سنة 2016 بمشروع قرار للأمم المتحدة United Nations (UN) لإدانة المستوطنات في الضفة الغربية، قامت "إسرائيل" بإلغاء مساعداتها للسنغال.[9]

دور المعاهد والجامعات في بناء شبكات التجسس الإسرائيلي في إفريقيا:

إلى جانب اصطفاف أساتذة الجامعات والمعاهد التدريبية لخدمة السياسات الإسرائيلية وتعاونهم مع الأجهزة الأمنية كما يقول البروفيسور الإسرائيلي إلان بابيه Ilan Pappe،ا[10] فإن بعض المعاهد التدريبية الإسرائيلية تخصصت في إعداد القادة، خصوصاً من الطلاب الأفارقة.

ويبرز في هذا المجال معهد الجليل للإدارة الدولية Galilee International Management Institute، والذي يقدم برامج تدريبية في مجالات مختلفة من بينها المجالات الأمنية وبالتنسيق مع وزارة الخارجية الإسرائيلية، وهو المعهد الأكثر استقطاباً للطلاب الأفارقة، والذين تجاوز عددهم قرابة الألف طالب إفريقي، وعندما زار بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu إفريقيا سنة 2016، التقى بعددٍ من المسؤولين الأفارقة الذي حصلوا على شهادات التدريب في معهد الجليل، منهم على سبيل المثال وزيران في الحكومة الأوغندية، ووزير التعليم الغاني، ومسؤول أمني في نيجيريا، بل إن رئيس المعهد جوزيف شيفل Joseph Shevel والذي كان ينتمي للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يقول إن معظم الدول الإفريقية تجد في حكوماتها خريجاً واحداً على الأقل من هذا المعهد، ويضيف بأن المعهد لا يقدم دورات في الإدارة فقط بل يُعِدّ المتدربين في المجالات الأمنية والعسكرية وخصوصاً في مجالات "إنشاء الشبكات الدفاعية المحلية والإقليمية"، وهو ما يتضح في الشرق الإفريقي بشكل كبير، كما أن المعهد يستمر في التواصل مع خريجيه بعد عودتهم لإفريقيا، وهو ما يعزز العلاقة بين الطرفين.[11]

الأهداف الإسرائيلية:

تتنوع الأهداف الإسرائيلية المراد تحقيقها من عمليات التجسس على الدول الإفريقية، وتميل السياسة الإسرائيلية في علاقاتها مع الدول الإفريقية إلى أولوية البعد الأمني على العلاقات التقليدية بين الدول، بل يتم تصنيف "إسرائيل" على أنها واحدة من أربع دول في العالم من حيث أولوية الأداة الأمنية السرية في إدارة علاقاتها الخارجية، وتتمثل مؤشرات هذه الأداة في مبيعات السلاح، وتبادل المعلومات الأمنية، ومقاومة حركات المعارضة المسلحة في الدول المتسقة سياستها مع "إسرائيل"، ثم عمليات تدريب الأجهزة الأمنية. لكن الغاية من كل هذه المؤشرات هو تحقيق عدد من الأهداف على النحو التالي:[12]

1. تقليص التضامن الإفريقي مع فلسطين: كانت العلاقات الإسرائيلية الإفريقية في أدنى مستوياتها في الفترة 1967–1977، ولكن تطور العلاقات الإسرائيلية مع مصر واتفاقية أوسلو Oslo Accords ووادي عربة فتحت ثغرة واسعة في جدار القطيعة الإفريقية الإسرائيلية، إلى حدٍّ أن "إسرائيل" لها علاقات ديبلوماسية حالياً (2021) مع 41 دولة إفريقية منها 11 على مستوى السفارات.

2. كسب أصوات داعمة في الأمم المتحدة: ويتضح هذا الهدف في نصّ خطاب نتنياهو أمام ممثلي "إسرائيل" في الخارج سنة 2017، حيث قال "عندما أنظر إلى مصالح سياستنا الخارجية على أنها هرم، فإن إفريقيا تقع في مكانة عالية جداً، واهتمامنا الأول هو تغيير طريقة تصويت إفريقيا في الأمم المتحدة والهيئات الدولية بشكل كبير، من المعارضة إلى الدعم"، وهو الرأي نفسه الذي عبّر عنه عضو الكنيست Knesset أبراهام ناغوسا Avraham Neguise زعيم اللوبي، من أجل تطوير العلاقات بين "إسرائيل" وإفريقيا "نحن بحاجة إلى أن تصوت إفريقيا معنا في مؤسسات الأمم المتحدة فعلى سبيل المثال، عندما تكون إثيوبيا عضو في مجلس الأمن…. نريد أن تكون إثيوبيا معنا في التصويت، وينطبق الشيء نفسه على البلدان الإفريقية الأخرى في مختلف منظمات الأمم المتحدة، مثل اليونسكو".[13]

3. مساعدة الحكام الأفارقة المقربين من "إسرائيل" على البقاء في السلطة: وتشير التقارير الغربية والإسرائيلية في هذا المجال إلى المساندة الإسرائيلية القوية للقيادة العسكرية الحالية في السودان وإلى زيارة رئيس الموساد ديفيد برنياع شخصياً لدولة التشاد في سنة 2021، حيث "ناقش إمكانية احتفاظ إسرائيل بقاعدة أمامية هناك، يمكن من خلالها إطلاق طائرات الاستطلاع بدون طيار الخاصة لمراقبة الوضع الأمني في ليبيا والجزائر، وتقديم الدعم للمغرب التي هي واحدة من أربع دول عربية أكملت تطبيع العلاقات مع إسرائيل، إلى جانب مراقبة ممثلي جبهة البوليساريو في الجزائر"، ناهيك عن تقديم بارني الشكر لتشاد على جهودها في حصول "إسرائيل" على مقعد مراقب في الاتحاد الإفريقي.[14] والذي تمكنت الديبلوماسية الجزائرية من "تعليقه" لاحقاً،[15] خصوصاً أن هناك 21 دولة إفريقية لم تبدِ أي حماس للتوصية باعتماد مركز مراقب لـ"إسرائيل".[16]

كما تظهر الأدوار الأمنية الإسرائيلية في ملاحقة بعض التنظيمات المعارضة خصوصاً التي توصف بالإسلامية، مثل بوكو حرام في نيجيريا، والتعاون مع الجيش الكاميروني الذي يعتمد بقدر كبير على التسلح من "إسرائيل"، والتعاون الأمني مع إريتريا لتطويق حركات إسلامية في القرن الإفريقي خصوصاً في الصومال من ناحية، وللإطلال على البحر الأحمر وخصوصاً مضيق باب المندب لمراقبة ما تعدّه "إسرائيل" نشاطات "إيرانية" من ناحية أخرى، كما يتضح الدور الإسرائيلي في الدعم غير المحدود لجنوب السودان وصولاً لانفصاله، لتصبح هذه الدولة من أكثر الدول الإفريقية مساندة سياسياً لـ"إسرائيل" خصوصاً في الأمم المتحدة.

وتناقلت المواقع الإخبارية الموثوقة أنباء عن دور الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية في تنظيم علاقات إسرائيلية عربية، وعقد اجتماعات مع قيادات عسكرية سودانية وليبية؛ لتوسيع دائرة التطبيع العربي الإسرائيلي.[17] وتربط الدراسات الإسرائيلية بين الرغبة الإسرائيلية في قطع الطريق على المساعدات الإيرانية للمقاومة الفلسطينية في غزة عبر السودان، والانقلاب العسكري الذي وقع في السودان ومسارعة الانقلابيين إلى التطبيع مع "إسرائيل" مقابل الدعم الإسرائيلي.[18]
ويتم التركيز الإسرائيلي أحياناً على وحدات أمن الرؤساء الأفارقة، فمثلاً استعان رئيس جمهورية الكونغو برازفيل باسكال ليسوبا Pascal Lissouba سنة 1994 بضابط إسرائيلي من شركات الأمن الخاصة الإسرائيلية، للقيام بإنشاء وتدريب حرسه الخاص وتفكيك حرس الرئيس السابق.[19] وفي أنغولا تشير الدراسات الخاصة بالشركات الأمنية الخاصة أن أغلب الشركات الأمنية في أنغولا هي شركات إسرائيلية، تقوم بتأمين تجارة الماس، وتأمين الحراسة للرئيس الأنغولي، والمساعدة في ترتيب صفقات السلاح من طرف ثالث، إلى جانب تأمين حاجات محددة للقوات المسلحة.[20]
وفي بعض الأحيان تلتبس العلاقة الأمنية بين "إسرائيل" وبعض القادة الأفارقة، كما جرى مع الرئيس الأوغندي السابق عيدي أمين Idi Amin الذي ساعدته "إسرائيل" في تدبير الانقلاب الذي جاء به للسلطة سنة 1971، ثم جرى خلاف بينه وبين "إسرائيل" حول تسليح جيشه، فاضطربت العلاقات بين الطرفين.[21]

4. تحقيق مكاسب اقتصادية ببيع أجهزة التجسس للدول الإفريقية؛ وقد نجحت في هذا المسعى مع ثماني دول حتى الآن (2022)، لكن فضيحة بيجاسوس أثرت كثيراً على هذا المسعى. ولا يشكل إجمالي الصادرات الإسرائيلية إلى إفريقيا جنوب الصحراء، إفريقيا غير العربية، إلا نسبة ضئيلة للغاية لا تتجاوز 1% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية، وهو ما يعني أن القيمة الاقتصادية للتجارة الإفريقية الإسرائيلية والتي تصل إلى 850 مليون دولار لا تشكل أهمية استراتيجية، خصوصاً أنها تميل أيضاً نحو التذبذب خلال السنوات القليلة الماضية مع الميل إلى التراجع منذ سنة 2011، كما أن 73% منها يتركز في أربع دول؛ هي جنوب إفريقيا، 270 مليون دولار، ونيجيريا، 173 مليون دولار، وإثيوبيا، 121 مليون دولار، وكينيا، 57 مليون دولار، بينما لا تتجاوز تجارتها مع الـ 37 دولة إفريقية أخرى جنوب الصحراء، غير العربية، 27% من تجارتها الإفريقية وذلك لسنة 2019.[22]

ذلك يعني أن إفريقيا جنوب الصحراء تحظى بأهمية أمنية لـ"إسرائيل" أكثر من أهميتها الاقتصادية.

وتظهر الأهمية الأمنية في مبيعات السلاح الإسرائيلية إلى إفريقيا، إذ إن صفقات السلاح مع الدول الإفريقية تؤمن لـ"إسرائيل" قنوات التغلغل في المؤسسات العسكرية الإفريقية، وبالتالي فتح الطريق للتأثير على صناع القرار في هذه الدول، وتشمل مبيعات السلاح صفقات أثمان السلاح الثقيل والخفيف والصيانة وعمولة تأمين أسلحة من جهات غير إسرائيلية لصالح الدولة الإفريقية، على غرار ما جرى مع صربيا سنة 2008. وقد ارتفعت نسبة مبيعات السلاح الإسرائيلي لإفريقيا بين 2015 و2016 بنحو 70%، وتمثل "إسرائيل" مصدراً لنحو 1% من مشتريات السلاح الإفريقي؛ خصوصاً لدول مثل نيجيريا، وجنوب إفريقيا، والكاميرون، وتشاد، وغينيا الاستوائية، ورواندا، وليسوتو، وسيشل، وأوغندا.[23] ومن المعلوم أن "إسرائيل" لم تصادق على معاهدة "تجارة الأسلحة"، وتستثمر ذلك في ضمان بقاء بعض الديكتاتوريات الإفريقية المساندة لـ"إسرائيل" في السلطة؛ عبر تزويدها بالقدرات العسكرية، كما تشير قاعدة المعلومات الأمريكية الخاصة بمبيعات السلاح الإسرائيلي Database of Israeli Military and Security Exports (DIMSE)، وتعطي أمثلة على ذلك في أنغولا والكاميرون وأوغندا، إلى جانب تأييد بعض الأطراف في الدول الإفريقية خلال الصراع على السلطة، كما جرى في الكونغو عندما ساندت "إسرائيل" سنة 1997 أحد الأطراف خلال الصراع بين موبوتو سيسيكو Mobutu Sese Seko ولورينت كابيلا Laurant Kabila، ولعبت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية دوراً كبيراً في إبقاء كابيلا، كما ساندت الانقلاب الذي وقع سنة 2017 في زيمبابوي ضدّ روبرت موغابي Robert Mugabe ، كما تكشف التقارير الدولية عن دور للأجهزة الأمنية الإسرائيلية في تجارة الماس والصراع الذي يدور عليه في القارة الإفريقية.[24]

وطبقاً لقاعدة المعلومات الأمريكية الخاصة بمبيعات السلاح الإسرائيلي بين 2019-2000، يتبين أن ترتيب الدول الإفريقية حسب استيراد المعدات العسكرية والأمنية من "إسرائيل" هي على النحو التالي:[25]

المغرب: 33
أنغولا: 36
أوغندا: 40
جنوب إفريقيا: 47
الكاميرون: 53
ساحل العاج: 75

وعند النظر في تطور حجم الصادرات الأمنية الإسرائيلية لإفريقيا، يتبين أن حجمها خلال الفترة 2009–2019 هو 2.259 مليار دولار، أي بمعدل 225.9 مليون سنوياً، مع ملاحظة أن إجمالي الصادرات الأمنية الإسرائيلية للعالم تتراجع إلا أن صادرتها الأمنية لإفريقيا تتزايد كاتجاه عام، مع ملاحظة أن 50% من هذه الصادرات الأمنية ذهبت إلى نيجيريا، على النحو التالي:[26]

قيمة الصادرات الأمنية الإسرائيلية لإفريقيا

2009: 71
2010: 77
2011: 127
2012: 107
2013: 223
2014: 318
2015: 163
2016: 275
2017: 460
2018: 150
2019: 288

5. التواصل مع الطائفة اليهودية في بعض البلدان الإفريقية خصوصاً جنوب إفريقيا وإثيوبيا؛ ويتم إنشاء مؤسسات لهذه الطائفة تكون غالباً مرتبطة بأجهزة الموساد على غرار منظمة أمن الجماعة Community Security Organisation في جنوب إفريقيا، التي تعمل بالتعاون مع الموساد على كبح تطور حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي أس) The Boycott, Divestment, Sanctions (BDS) Movement المساندة لحقوق الشعب الفلسطيني، أو نشاطات مؤسسة الأقصى، أو نشاطات حزب الله أو إيران في جنوب إفريقيا،[27] ونظراً للعدد المحدود من اليهود المتبقين في إفريقيا ومعظمهم يتركزون في جنوب إفريقيا،[28] تراجع دور الأجهزة الأمنية في تأمين الهجرات اليهودية من إفريقيا إلى فلسطين المحتلة.

6. جمع المعلومات عن الخطط الصناعية العسكرية الإفريقية؛ كما جرى سنة 2010 مع تطوير جنوب إفريقيا صواريخ جو أرض المضادة للدبابات.[29]

وإلى جانب الاستغلال التكنولوجي فإن خلايا التجسس الإسرائيلي تعمل من خلال التجنيد لخلاياها؛ عبر تقديم الخدمات الصحية أو مشاريع الإسكان أو المساعدات المالية أو اللوجيستية لبعض القطاعات أو الأفراد أو الجماعات، ويقوم هؤلاء الجواسيس بجمع المعلومات التي يتم توجيههم نحو جمعها، والتي تكون أحياناً معلومات غير سرية مثل الإشاعات أو مقالات صحفية معينة.

كما يتم توظيف شركات مدنية عادية لهذا الغرض، فمثلاً تُعدّ شركة الطيران المدنية الإسرائيلية "العال El Al" أحد أدوات التجسس الإسرائيلي، ففي سنة 2007 وقعت مشكلة حادة بين الموساد وأجهزة المخابرات في جنوب إفريقيا؛ نظراً لتكشف نشاطات تجسسية لشركة العال الإسرائيلية في مطارات جنوب إفريقيا.[30]

الخلاصة:

1. إذا كانت العلاقة التاريخية بين نظامَي الفصل العنصري في جنوب إفريقيا و"إسرائيل" تشكل أحد أهم الأسباب للموقف الإفريقي المناهض لـ"إسرائيل"، فإن تطبيع العلاقة بين دول عربية إفريقية، مصر والسودان والمغرب، أوهى موقف التيار الإفريقي المعارض لـ"إسرائيل" بشكل كبير.

2. إن العلاقة الأمنية الإسرائيلية الإفريقية تعلو في الحساب الاستراتيجي الإسرائيلي على العلاقات الاقتصادية والسياسية، وتمثّل عمليات التجسس واختراق النخب والمؤسسات الإفريقية أبرز عمليات النشاط الأمني الإسرائيلي في إفريقيا.

3. إن الشركات الإسرائيلية العاملة في مجالات الطيران أو الزراعة أو التعدين أو المياه…إلخ، هي شركات مرتبطة بشكل وثيق بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية وتؤدي وظائف مهمة في هذا المجال، مما يجعل منها غطاء للنشاط التجسسي.

التوصيات:

1. على الديبلوماسية الفلسطينية المقاومة أن تولي العلاقة مع القوى التحررية الإفريقية اهتماماً أكبر، خصوصاً أن هناك قاعدة مجتمعية إفريقية مهيأة للتعاون مع الديبلوماسية الفلسطينية الرسمية والشعبية.

2. لا بدّ من إيلاء موضوع التغلغل الأمني الإسرائيلي في إفريقيا أهمية أكثر في الأدبيات السياسية والإعلامية الفلسطينية.

3. لقوى محور المقاومة نشاطات مهمة في إفريقيا، الأمر الذي يستدعي التنسيق بين أطراف المحور لمحاصرة النشاط الإسرائيلي، خصوصاً أن هناك قنوات عربية شعبية كثيرة يمكنها أن تساند نشاطات المحور.

4. على الديبلوماسية الفلسطينية المقاومة أن تعمل على التشاور الدائم مع الديبلوماسية العربية والإفريقية الرافضة للتطبيع، وخصوصاً الديبلوماسية الجزائرية ذات الخبرة الواسعة والعميقة في الشأن الإفريقي، وهو ما اتضح في موضوع تعليق منح "إسرائيل" صفة المراقب في الاتحاد الإفريقي، إلى جانب التعاون مع مراكز الدراسات والنخب الفكرية العربية المعنية بالدراسات الإفريقية.