الشريط الإعلامي

الثقة والموثوقية للقيادة الجزائرية مع القضية الفلسطينية

آخر تحديث: 2022-07-31، 09:25 am
سميرة بيطام
اخبار البلد - 
 

تستأسد الدول بقوتها المتنوعة سياسيا واقتصاديا وفكريا من أجل تسجيل مواقف ونقاط يحسم فيها التاريخ الجرأة والشجاعة لمن سعى لأن يصلح بين فصائل أو دول أو أمم ،لا شيء يبدو مستحيلا في خضم الصراعات التي يشهدها العالم اليوم، تواريخ عديدة شهدت مواقف مشرفة لرؤساء دول وأخرى يتأسف عليها الضمير أولا قبل القلم والروح والعقل، لأن الضمير هو من يقر بأحقية ذاك الموقف من عدم أحقيته.
ومنه كان ديدن الحديث، اللقاء الذي جمع بين رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الاسلامية (حماس) اسماعيل هنية وبين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الجمهورية عبد المجيد تبون ، لقاء له قراءاته ودلالاته في وقت قلما تبادر الدول الأخرى بهكذا مواقف وعلى مرأى العالم كله ،فالبعض يتحفظ ولا يريد جر بلاده لمزايدات مستقبلية قد تعطل فيه حركة التقدم ،والبعض يتحفظ لأنه يرى الوقت غير مناسب لعقد هكذا لقاءات ، وفي مبادرة جزائرية يمكن وصفها بالجريئة هي في عمقها تكملة لتفاصيل الموقف الثابت للجزائر مع القضية الفلسطينية أنها تؤيدها في عدالة قضيتها من التحرر التام من احتلال الكيان لها، مبدأ يمس بمقدسات الأمة الاسلامية ألا وهو المسجد الأقصى، وعليه كان هذا الثبات محور اهتمام كل من يحمل في قلبه حب فلسطين الى الأبد.
تتباين وجهات النظر لهذا اللقاء الذي جمع بين الأشقاء مؤخرا على هامش احتفالية الستين لاستقلال الجزائر الذي يتوافق مع الخامس من تموز 2022 ،على أنه لقاء خالي من أي دلالة قد تفرض نفسها على الساحة العربية والاسلامية مستقبلا ،وهناك من استبشر خيرا وثمن هذا اللقاء لأنه سيذيب الجليد بين حماس والسلطة الفلسطينية، وهناك من قال عنه أنه مجرد صورة تحسينية لموقف الجزائر ولا فائدة ستجنى من ورائها..ولازالت الأقوال تقال هنا وهناك في صحف ومواقع الكترونية..وأعتبرها شجاعة منا أن نكتب رأيا سيسجله التاريخ أنه على الرغم من كل ما قيل الا أن هناك وجه خفي للقيادة الجزائرية لا تبديه للعيان، هذه القيادة الرشيدة والحكيمة تحسب حساباتها ليس على اعتبار ما حدث في وعد بلفور ومراحل اغتصاب الأرض الفلسطينية على مر سنوات بدء من سنة 1948 الى غاية اختراق الاتفاقيات والعهود وهو ما وضحته عملية الانتهاكات لحرمة المسجد الأقصى مرارا وتكرارا.

مرورا باغتيال صحفيين مهمتهم نقل الحدث من قلب الحقيقة على مرأى ومسمع المتابعين للشأن ،
ولمعرفة تسلسل الأحداث وحقيقة فلسطين كأرض متشبعة بالبركة والخير على مر العصور كان من
الحكمة والتأني والتدبر لمعاني كلام الله تعالى الصادق وهي موجود في الآية القرآنية 137 من سورة الأعراف "أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ"،
أما الآية 18 من سورة سبأ فهي تتضمن مباركة هذه الأرض التي كانت مهدا للرسالات السماوية مصداقا لقوله تعالى" وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ" ، ما يعني أن أرض فلسطين أرض مقدسة ومباركة وهذه البركة تدحض الأقاويل التي لا تشجع على المواقف الايجابية التي من شأنها أن تعود بالخير على أهلها حتى وان بدت في ظاهرها صعبة، تجدها محتويات أقلاما ومحاضرات تصطاد في المياه العكرة لأنها تعجز أن تقوم بأي مبادرة لنصرة القضية الفلسطينية علنا ،فحين يتعلق الأمر بشجاعة القيادة الجزائرية ترتفع الأصوات هنا وهناك و للأسف أصوات جزائرية لتنتقد وتصب جام حقدها على أي مباردة من شأنها تغيير المشهد الفلسطيني.
صراحة ،لأولئك العاطلين عن العمل فكرهم محدود ويحبون أن يقدموا البديل من أن نظرتهم صائبة وأن الفشل هو ما ستصل اليه القيادة الجزائرية أراه قصر نظر وتشاؤم تعلوه كراهية ،وحين يمتزج الحقد والكراهية مع لغة الرأي يصبح هذا الرأي ربما غير معول عليه في تقييم العلاقات والمبادرات والخطوات.
وعلى الجهة الأخرى من المساعي ،نجد قطر وتركيا تهتم لنصرة القضية الفلسطينية ،وتطبيع بعض الدول يعتبر شيئا اعتاد عليه العرب لأن ضغوط البقاء في المنصب هي ضغوط شاقة يهون منها التطبيع بأي شكل من الأشكال وهو في حقيقته خزي ومذلة، فأيما قضية ربانية لم يتم نصرتها ما هو الا شكل من أشكال الضعف والخوف والا فكيف نفسر تسارع رؤساء بعض الدول الى التطبيع والعرب فيما سبق كان لهم سجل مشرف الا أنه بدأ يتذيل آخر المراتب منذ التمدد التطبيعي من الخليج الى المغرب الأقصى ،وللعلم فان هذا التسارع سيعود بالندم على أهله.
تاريخيا ، للجزائر مواقف مشرفة، عالميا ،و لفلسطين الحجة على العرب والمسلمين في أن يبقوا طائعين لربهم أو لعدوهم، وشتان بين من يبقى ثابتا على مواقفه وبين من يسلم تقاليد القرار لمن سيضره مستقبلا، ليس هذا هو المهم ،فالمهم هو :
من هي الدولة التي تحوز على الثقة في نصرة القضية الفلسطينية برغم المخالفات والتجاوزات التي تعقد في الاجتماعات واللقاءات السرية منها والمعلن عنها؟.
لا عجب أن موثوقية الطرف الممثل للدولة الفلسطينية ستكون ميولاته نحو الجزائر لأنها لم تسجل مخالفات كبيرة تحسب على الطرف الجزائري أنه خائن، وليس جبرا أن تشرح القيادة الجزائرية تعاملاتها ازاء القضية الفلسطينية لأن لكل دولة منهج للحكم وللتسيير ولفتح القضايا التي تمثل الركن المهم في استمرار دولة بكياناتها المتنوعة متمثلة في جملة مؤسسات قائمة على قوامة قانونية رغم بعض الاختلالات في الاحتكام للقانون الأسمى، بالطبع أن القيادة الجزائرية حكيمة وتحوز على بعد النظر وتأنيها في اتخاذ القرارات الجوهرية انما يعود لاعتبارات حساسة، غير ذلك فمواقف القيادة الجزائرية ثابتة ومن ينتقد من بعد أشكال العلمانية ومظاهر الرداءة والجهل عليه أن يكون طرفا في كفة التغيير وناطقا من الميدان وليس ناقدا من خلف شاشة حاسوب لأن هذه الشاشة لن تحرك أزرار الواقع بشيء، فما يراه هؤلاء من زاويتهم ليس كما تراه القيادة من زاويتها وليس كما يراه المضحون في غرف الظلام، لذلك الوسطية في الانتقاد مطلوبة ازاء القضايا المصيرية لأنه لا أحد يدفع ببلده نحو الهلاك وبقية الدول في أمان وسلام متحفظة باستقرار كرسي زعيمها وحاشيته، اذ من الحكمة بمكان أن نقول أن القيادة الجزائرية اجتمعت فيها الثقة وترسخت على اسمها الموثوقية وهو ما ستوضحه القمة التي ستنعقد شهر تشرين الثاني القادم والتي بدأ رواد النقد الهدام يعلنون بفشلها من الآن، القصور في الرؤيا لا يعني أن القيادة الجزائرية لم تضع ترتيباتها لأن لها من الأولوية ما يجعلها تتجنب الخسارة ولو بنسبة صغيرة، فلا يحق لنا أن نتكلم مكان من يقفون على نار صناعة القرار السياسي الذي من شأنه أن يلهب السياسات ويغير الخريطة الجيوسياسية على نحو ما سيكشف اللثام على دول ادعت مساندتها للقضية الفلسطينية ودول ترددت في ذلك وبين دولة الجزائر التي تبادر ولا يهمها فيما يقال عنها، فالعبرة بالثقة والموثوقية في القائل والفاعل والمطبق وليس فيمن يتحفظ بالسكوت حتى لا ينهار نظامه ولا يرحل رئيسه ولا يحتج شعبه.
هناك نقائص في الجزائر وهناك تأخر في تحقيق المنشود وعلى النقاد أن يجربوا بأنفسهم نصر القضية الفلسطينية بأرواحهم لفهم بعد نصرة هذه القضية التي لن تكون متاحة للجميع بل لمن أخلص النية وعقد العزم وعاهد الله بالتضحية الحقيقية بكل معانيها، والله سيؤيد بنصره من يشاء وبخطاب قرآني فصيح وصريح.