الشريط الإعلامي

نهاية المدن الفاضلة

آخر تحديث: 2022-06-22، 09:44 am
توفيق السيف
أخبار البلد-

تُنسب أسطورة الأخ الأكبر المعروفة في الحياة السياسية والأدب إلى جورج أورويل. وهو اسم مستعار للمفكر الإنجليزي إريك آرثر بلير (1903 - 1950). دارت أبرز كتابات أورويل حول مسألة الحرية الفردية، ولا سيما في إطار التنازع بين خيارات الأفراد وحدود القانون. واحتمل أن قلقه تجاه هذا الموضوع، يعود للجدالات التي عرفتها أوروبا الغربية، خلال الحرب العالمية الثانية والسنوات القليلة التي تلتها، وتركزت على حق الدولة في تحديد الحريات المدنية، بدعوى الحاجات الأمنية أو الاستراتيجية المرتبطة بالحرب.
كانت فكرة الدولة القوية المهيمنة، التي تنوب عن المجتمع في كل شيء وتتدخل في كل شيء، قد حصلت على رواج كبير نسبياً، بعد نجاح الحزب النازي بقيادة أدولف هتلر، في تحويل ألمانيا من دولة فاشلة مهزومة وغارقة في الفوضى، إلى قوة عسكرية وصناعية تتحدى أوروبا كلها، خلال سبع سنين فحسب. وتعزز هذا الاتجاه مع نجاح الحكم الشيوعي في روسيا في تحقيق المساواة والأمان المعيشي للفقراء.
أثمرت تلك التحولات عن إحياء حقل أدبي معروف في التاريخ الأوروبي، يطلق عليه اسم «اليوتوبيا - المدينة الفاضلة». وهو حقل صغير نسبياً، إلا أنه ملهم للباحثين عن حلول، ولو كانت خيالية. الواقع، أن معظم الحلول المستقبلية كانت في أول أمرها تخيلات.
ويمثل التراث اليوتوبي مجالاً يلتقي فيه من يسمون - في الفلسفة - مثاليين أو كماليين، مع العسكر والتكنوقراط المؤمنين بتفوق آلة الدولة وقدرتها على فعل المستحيل. يشترك هؤلاء جميعاً في الإيمان بالدولة المطلقة، التي تلعب دور النبي والمعلم الأكبر، العارف بكل شيء والقادر على كل شيء، بينما يتخذ المواطنون دوراً يشابه دور تلاميذ المدارس، الذين يتلقون الحكمة والمعرفة من المعلم الأكبر.
نعلم أن أول الأعمال التي انتهجت طريق اليوتوبيا هو «جمهورية أفلاطون» الذي ضم خلاصة الفكر السياسي والاجتماعي لليونان القديمة. أما آخر الكتابات التي تبعت هذا النهج فهو «يوتوبيات حديثة» للروائي الإنجليزي هربرت ج. ويلز (1866 - 1946) الذي أقرّ بإخفاق الحلول المثالية، وأراد في الوقت ذاته، تذكير الناس بأن وراء الأزمات الطاحنة التي خيّمت على العالم يومئذ، إمكانات لعالم أصفى وأكثر رفاهية.
انتقد ويلز ما اعتبره ميولاً أسطورية في اليوتوبيات التقليدية، وتبنى عدداً من قيم الاقتصاد الحديث. لكنه بموازاة ذلك، تمسك بفكرة الدولة المهيمنة، وسعى لتحسين صورتها من خلال وضع تدخلها في إطار قانوني محكم نوعاً ما. وفي هذا السياق، دعا ويلز إلى إنشاء سجل عالمي، يضم أسماء وعناوين وصفات البشر جميعاً (يضم وفق تقديره 1500 مليون إنسان) مع بصماتهم وملاحظات عن تحركاتهم وأزواجهم وسوابقهم... إلخ، كي يكونوا جميعاً تحت نظر الدولة العالمية، في أي وقت احتاجت إلى استدعائهم أو التخطيط لحياتهم.
أما أورويل، فاختار الاتجاه المعاكس تماماً، حيث نشر في الفترة نفسها، روايتين نالتا شهرة عريضة، هما «مزرعة الحيوان» في عام 1945 و«1984» في عام 1949. وتصنف كلتا الروايتين في إطار اليوتوبيا المضادة أو المدينة الفاسدة Dystopia. قدمت الروايتان تصويراً مفزعاً عما يمكن أن يؤول إليه المجتمع، حين تنشغل الدولة بمراقبة الناس، أو تبالغ في وضع القوانين وفرض الضرائب.
من بعد أورويل باتت أسطورة «الأخ الأكبر» والمصطلحات الأخرى التي ابتكرها، مثل «شرطة التفكير» و«جريمة التفكير» رموزاً لرفض الميول الشمولية، وتعبيراً عن إدانة الميل لمراقبة الناس والتحكم في حركاتهم، سواء قامت به الدولة أو الجماعات الأهلية.