الشريط الإعلامي

انعكاسات الأزمة الأوكرانية على العالم العربي والقضية الفلسطينية

آخر تحديث: 2022-04-02، 10:16 am
أ.د. وليد عبدالحي
اخبار البلد - 
 

📄 ورقة علمية: انعكاسات الأزمة الأوكرانية على العالم العربي والقضية الفلسطينية
إعداد: أ. د. وليد عبد الحي/ خاص بمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات- بيروت


مقدمة:

قد تكون الأزمة الأوكرانية مفاجئة لقطاع واسع من الرأي العام الدولي، لكنها ليست كذلك للمتخصصين في الشأن الدولي وللدول التي فيها مراكز دراسات جادة أو فيها هيئات رسمية استشارية لصناع القرار، ويكفي النظر في مسألتين بينهما ترابط وثيق لتأكيد فكرة أن الأزمة ليست مفاجئة لهذه الشرائح الدولية:
أولاً: ما يسمى الوثائق الرئاسية الروسية والممهورة بتوقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين Vladimir Putin منذ سنة 2002 وصولاً إلى سنة 2015، وتكشف إحدى هذه الوثائق المكونة من 41 صفحة والصادرة في 2015/12/31 ما يلي:[2]
1. إن تعزيز القدرات العسكرية لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) North Atlantic Treaty Organization (NATO) ومنحها وظائف عالمية بشكل فيه انتهاك لقواعد القانون الدولي، إضافة إلى تحفيز النشاط العسكري لدول الحلف وتوسيع مجال عضويته، وزيادة توسع الحلف، وإنشاء بنية عسكرية تحتية للحلف بالقرب من الحدود الروسية، كلها عوامل تشكل تهديداً للأمن القومي الروسي. وتتقلص فرص الحفاظ على الاستقرار العالمي والإقليمي بشكل كبير مع تموضع مكونات نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي في أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأدنى، إلى جانب نشر أنظمة الأسلحة الاستراتيجية الدقيقة ونشر أسلحة في الفضاء.
2. إن موقف الغرب الهادف إلى مواجهة عمليات التكامل وإيجاد نقاط توتر في منطقة أوراسيا يمارس تأثيراً سلبياً على تحقيق المصالح الوطنية الروسية، وقد أدى دعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي European Union (EU) للانقلاب المناهض للدستور في أوكرانيا إلى انقسام عميق في المجتمع الأوكراني وظهور نزاع مسلح فيها، وإن تقوية الأيديولوجية القومية اليمينية المتطرفة، والتصوير المتعمد لصورة روسيا في ذهن السكان الأوكرانيين كعدو، والرهان غير المقنع على الحل القسري للتناقضات وللأزمة الاجتماعية والاقتصادية العميقة في أوكرانيا، حوَّل أوكرانيا إلى حالة غير مستقرة داخلياً، وهي حالة انعكست أيضاً على أوروبا، وفي الجوار المباشر لحدود روسيا.
3. هناك خطر مستمر يتمثل في زيادة عدد الدول التي تمتلك أسلحة نووية إضافة إلى انتشار الأسلحة الكيماوية واستخدامها، إلى جانب الشكوك بشأن حالات امتلاك دول أجنبية لأسلحة بيولوجية وإمكانية تطويرها وإنتاجها، كما أن شبكة المعامل العسكرية البيولوجية الأمريكية يتم توسيعها في أراضي الدول المجاورة لروسيا.
4. في مجال الأمن الدولي، تظل روسيا ملتزمة باستخدام الأدوات السياسية، والقانونية، والآليات الديبلوماسية، وآليات حفظ السلام في المقام الأول، ولا يمكن استخدام القوة العسكرية لحماية المصالح الوطنية إلا إذا ثبت عدم فاعلية جميع الإجراءات المعتمدة السابقة الذكر.
ثانياً: الأدبيات السياسية للنخب الفكرية الروسية خصوصاً ذات التأثير على هيئات صنع القرار الروسي، ويكفي أن نشير إلى أن أهم مفكر روسي معاصر وهو ألكسندر دوغينAlexander Duggin، والذي يسميه الغرب "دماغ بوتين Putin Brain"ا[3] عالج القضية وحدد مسارها بالتفصيل في كتابه "أسس الجيوبولوتيك: مستقبل روسيا الجيوبولتيكي Foundations of Geopolitics: The Geopolitical Future of Russia" الصادر سنة 1999، ويقول دوغين حرفياً ما يلي:[4]
1. إن النزعة الاستقلالية لأوكرانيا ستثير نزاعاً مسلحاً مؤكداً مع روسيا.
2. إن سيطرة الناتو على البوسفور والدردنيل يجعل من السيطرة الروسية على البحر الأسود أمراً لا قيمة له لتحقيق الوصول للمياه الدافئة.
3. إن محاولة الانضمام إلى الناتو من قبل أوكرانيا تمثل "شذوذاً مطلقاً يتم من خلال خطوات غير مسؤولة".
4. إن النزعة الاستقلالية لأوكرانيا تمثل تهديداً خطيراً لمشروع الأوراسية التي هي الهدف المركزي لاستراتيجية روسيا.
5. يجب السيطرة الروسية على شواطئ البحر الأسود الشمالية سيطرة مطلقة امتداداً من الأراضي الأوكرانية إلى الأراضي الأبخازية.
6. ضرورة الإبعاد التام للنفوذ الغربي من هذه المنطقة ومن كل الجوار الروسي.
ويعود دوغين لموضوع أوكرانيا فيقول:
1. إن الواقع الجيوبوليتيكي والإثني الأوكراني لا يسمح لها إلا أن تكون "محايدة" لا غربية ولا شرقية.
2. وجود أوكرانيا بحدودها الحالية وبتوجهاتها السيادية هو "ضربة قاصمة إلى الأمن الجيوبوليتيكي لروسيا ويعادل اختراق أراضيها".
3. يجب تقسيم أوكرانيا إلى:
‌أ. أوكرانيا الشرقية (من شرق نهر الدنيبر إلى حتى بحر أزوف) والتي يغلب عليها القومية الروسية والأرثذوكسية.
‌ب. القرم: وهي منطقة متنوعة من الناحية الإثنية ولبعض مجموعاتها ارتباطات معادية للجيوبولتيك الروسي (مثل التتار)، لذا يجب السيطرة على القرم وإخضاعها للسيطرة الاستراتيجية المباشرة لموسكو.
‌ج. الجزء المركزي من أوكرانيا من تشيرنيغوف إلى أوديسا، وهي منطقة مرتبطة ثقافياً بشرقي أوكرانيا، والمُدرج دون قيد أو شرط في النظام الجيوسياسي الأوراسي.
‌د. الغرب الأوكراني وهو الأكثر عداء لروسيا، ويجب اجتثاث تبعيته للأطلسي وأن يقام فيه "المجمع الدفاعي القاري الأوراسي" الذي يتعاون فيه القلب الأوراسي (روسيا) مع القلب الأوروبي (ألمانيا)، لاستكمال فكّ الرباط بين أوروبا والولايات المتحدة على المدى البعيد، لأن وجود أوكرانيا مستقلة هو بمثابة "إعلان حرب جيبولوتيكية على روسيا".
4. إن تجنب روسيا لضربة أطلسية يستوجب إجراءات روسية فورية مع أوكرانيا.
إن كل ما سبق يشير بشكل واضح أن القضية الأوكرانية هي استمرار للسياسة الروسية لتجريد كل دول المجال الحيوي المجاور مباشرة لروسيا من أيّ ارتباطات بترتيبات الأمن الغربية على اختلاف أشكالها، إلى جانب التأكيد الواضح على أنه في حالة ما لم يتم تحقيق هذا الهدف بالوسائل السلمية فيجب تحقيقه بالقوة.
أولاً: انعكاسات الأزمة على العالم العربي:
إن التحليل الاستراتيجي لخلفية هذه الأزمة يشير إلى أنها تعبير عن تنافس بين امبراطوريتين، الأولى إمبراطورية الاتحاد السوفييتي التي تفككت وتخشى أن يتواصل التفكك بالعبور إلى داخل الدولة المركز Core State وهي روسيا، والثانية إمبراطورية تتراجع، وهي الولايات المتحدة، في عدد واضح من مؤشرات القوة الخشنة والناعمة على حدّ سواء.[5] فتفكك الاتحاد السوفييتي تواصل بتداعياته الخطرة على الدولة الروسية كما أشرنا لذلك في رؤية بوتين وألكسندر دوغين. أما التراجع الأمريكي فهو ظاهرة تناولها فيض من الدراسات الأمريكية بدءاً من بول كينيدي Paul Kennedy الذي رأى أن التمدد الزائد Overstretch للإمبراطورية الأمريكية بدأ يلقي بأعبائه عليها وسيدفعها للتراجع، ثم دراسة ريتشارد بارنتRichard Barnet الذي قدّر في الثمانينيات أن الولايات المتحدة ستَعرِف مظاهر التراجع بشكل واضح خلال ربع قرن، وأيدت دراسة لفلورا لويس Flora Lewis بعد عام من دراسة بول كينيدي فكرة الأعباء التي أصبحت تثقل كاهل الولايات المتحدة وتدفعها للتراجع، كما رأى جيمس شليزنجر James Schlesinger أن فكرة تراجع الولايات المتحدة في سلَّم القوى الاقتصادية والعسكرية والنفوذ السياسي أمر مسلَّم به، وحلّل بيتر باسيلPeter Passell فقدان الولايات المتحدة مركز الريادة في تنافسها الاقتصادي والعلمي مع اليابان، وأكد توم ويكر Tom Wicker أن تبعية الولايات المتحدة في مجال المواد الخام ومصادر الطاقة يضعف قدرتها في الحفاظ على موقعها المتقدم كقوة عظمى.
وتزايدت أدبيات نظرية التراجع الأمريكي منذ سنة 2004، مع ظهور دراسة نيل فيرجسون Niall Ferguson، إذ رأى فيرجسون أن الولايات المتحدة تطمح إلى "عولمة الأسواق الحرة، وسيادة القانون، والحكومة التمثيلية، لكنها تتجنب الالتزامات طويلة الأجل للقوى العاملة والمال التي لا غنى عنها في القيام بدور أكثر فاعلية في حلّ الصراعات الدولية، لا سيّما في الدول الفاشلة". ويرى أن الولايات المتحدة إمبراطورية في حالة إنكار لتراجعها لا سيّما بفعل الضعف الداخلي فيها، خصوصاً فيما يتعلق بالعجز المالي وضعف القوة البشرية، كما لا تعترف بحجم المسؤوليات العالمية. ويعتقد أن الولايات المتحدة في طور التراجع لكنه يرى أن أحداً من القوى الكبرى لن يحلّ محلها، ولكن التنظيمات "الإرهابية" وعصابات الجريمة المنظمة ستملأ الفراغ. وهو ما يشكل مبرراً من وجهة نظره لعودة التعاون الأمريكي الصيني الأوروبي. ويمثل فيرجسون أحد أكثر المفكرين الأمريكيين عداء للاتحاد الأوروبي، وكان يدعو الرئيس دونالد ترامب Donald Trump إلى عدم المواجهة مع الصين، وضرورة التعامل مع روسيا كقوة عظمى، والاعتراف لها بمجال حيوي في أوراسيا.[6]
ومثّلت دراسة مجلس المخابرات الوطني الأمريكي National Intelligence Council، الصادرة سنة 2008، أحد التنبؤات المعززة لفكرة تحوّل النظام الدولي إلى التعددية القطبية، حيث تتحدث عن ظهور قوى كبرى جديدة، ومواصلة العولمة الاقتصادية، وانتقال الثروة الدولية من الغرب إلى الشرق، وتنامي الكيانات ما دون الدولة وما فوقها، كما سيتجه العالم نحو قدر أقل من الفجوة بين الأقاليم والدول في النظام الدولي القادم، والذي حددته الدراسة في سنة 2025.[7]
ويبدو أن كلاًّ من الإمبراطوريتين (التي تفككت والتي تتراجع) تسعى بين الحين والآخر لتوظيف الأقاليم الجيو-استراتيجية لصالحها بهدف منع استمرار التفكك في الداخل الروسي ومنع لجم توسيع مجالها الحيوي من ناحية، بينما تسعى الإمبراطورية الأخرى (الأمريكية) إلى منع تسارع تراجعها وإعادة ترميم بعض علاقاتها مع أوروبا خصوصاً في إطار التراخي في بنية حلف الناتو، ولا شكّ في أن كل ما سبق يمتد بآثاره مرة أخرى إلى الشرق الأوسط خصوصاً في أجزائه العربية.
ومن الواضح أن هناك إحساساً في منطقة الشرق الأوسط بأن أهمية الشرق الأوسط للسياسة الأمريكية تراجعت هي الأخرى، وهو أمر جليّ في الخطة الاستراتيجية التي نشرها الرئيس الأمريكي جو بايدن Joe Biden،[8] وهو ما دفع بعض دول المنطقة إلى محاولة التعويض عن التراجع الأمريكي بالتقارب مع "إسرائيل" لمواجهة الخصوم الداخليين لكل دولة، ناهيك عن تكريس نزعة التحالف ضدّ إيران.[9] ويبدو أن الأزمة الأوكرانية ستُعمِّق تقليص المتابعة الأمريكية للشأن الشرق الأوسطي خلال الفترة القادمة، مما سيؤثر على العلاقات العربية مع كل من "إسرائيل" وإيران وتركيا، بل إن درجة الاستجابة الشرق أوسطية للمطالب الأمريكية بخصوص الأزمة الأوكرانية (الحصار لروسيا، أو دعم أوكرانيا عسكرياً، أو زيادة إنتاج الغاز والبترول، …إلخ) تشير إلى قدر من عدم الاستجابة التي تعكس الشعور بالتغير "النسبي" في المكانة الشرق أوسطية في الاستراتيجية الأمريكية.[10]
أما على الجانب الروسي، فإن من بين ما تواجهه السياسة الروسية في التعاطي مع المنطقة العربية هو إشكالية قدرتها على التوفيق بين تناقضات القوى الإقليمية، وهو ما يظهر في الجوانب التالية:
1. إشكالية التوفيق بين المصالح الروسية، والتناقضات الإيرانية والإسرائيلية.
2. إشكالية التوفيق بين التناقضات الخليجية بشكل خاص ونسبة كبيرة من الدول العربية، وبين إيران.
3. إشكالية التوفيق بين المتطلبات الأمنية الإسرائيلية في سورية، والمتطلبات الأمنية لسورية.
4. إشكالية التوفيق بين الالتزامات الروسية تجاه الحقوق الفلسطينية من ناحية، والمتطلبات الإسرائيلية من ناحية أخرى.
وتزداد تعقيدات التوفيق في هذه الجوانب السياسية بإضافة إشكالية التباين في حجم العلاقات التجارية بين روسيا والمنطقة العربية على النحو التالي:[9]
1. إن المعدل السنوي لحجم التبادل التجاري الروسي مع المنطقة العربية خلال السنوات الثلاث الماضية هو 18 مليار دولار تقريباً، لكننا نلاحظ أن الدول العربية تتوزع إلى مجموعتين هما الدول الأكثر استيراداً للسلع المدنية الروسية (خصوصاً القمح والحديد)، والدول الأكثر استيراداً للسلع العسكرية الروسية؛ فمثلاً تقف مصر، والمغرب، والإمارات، والسعودية، وتونس، والأردن، وقطر، بالترتيب على رأس مجموعة الدول العربية الأكثر استيراداً من روسيا للسلع المدنية، بينما في الجانب العسكري نجد أنه خلال الفترة من 2021-2017 تقف سورية على رأس قائمة الدول المستوردة للسلاح الروسي بنسبة 95% من أسلحتها، تليها الجزائر بنسبة 81%، ثم العراق بمعدل 44%، تليها مصر 41%، ثم الإمارات العربية المتحدة بنسبة 3%،[11] مع الأخذ في الاعتبار أن حجم مبيعات الروس من السلاح للدول العربية خلال الفترة من 2021-2017 يشكل 21% من إجمالي مبيعاتها وهو ما يعادل نحو 5 مليارات سنوياً.[12]
2. وتبدو انعكاسات الأزمة الأوكرانية على العلاقات العربية الروسية في أن العلاقة بين الدول العربية المستوردة للسلع الروسية المدنية والدول العربية المستوردة للسلع العسكرية الروسية كثيراً ما كانت علاقات متضاربة، مما يوجد مشكلة لروسيا في كيفية لجم انعكاسات الخلافات العربية على علاقتها مع كل الدول العربية خصوصاً أن الفترة القادمة (السنوات الخمس القادمة) تشير إلى أن الحصار الاقتصادي الدولي على روسيا سيشمل السلع المدنية أكثر من السلع العسكرية؛ وهو ما يعني أن الحاجة الروسية للدول العربية المستوردة للسلع المدنية ستكون أكبر من حاجتها المباشرة للدول العربية المستوردة للسلع العسكرية. وهو ما قد يؤثر على بعض توجهاتها في المنطقة لا سيّما في الموضوع الفلسطيني، خصوصاً أن حجم العلاقات التجارية الفلسطينية الروسية لا يتجاوز الـ 5 ملايين دولار، طبقاً لإحصاءات سنة 2020.[13] مما مجموعه 18 مليار دولار حجم التجارة العربية الروسية سنة 2021،[14] ومن هنا فإن العلاقات العربية الروسية معرضة في المستقبل القريب إلى تذبذب قد يكون حاداً في بعض الأحيان.
3. نجد الإشكالية نفسها عند المقارنة بين حجم العلاقات التجارية لروسيا مع "إسرائيل" والتي تفوق 5 مليارات دولار؛ منها 828 مليون دولار واردات روسية من "إسرائيل"، وعلاقاتها مع إيران التي يصل إجمالي تجارتها مع روسيا إلى 797 مليون دولار، وهو ما يعني أن تطوير العلاقة مع أي من الطرفين (إيران و"إسرائيل") سيوجد إشكالاً لروسيا، خصوصاً في ظلّ الحصار الدولي على روسيا ومدى الالتزام به.
جدول رقم 1: الواردات العربية من السلع المدنية من روسيا سنة 2020 (بالمليون دولار)
مصر: 516
المغرب: 393
الإمارات: 346
السعودية: 219
تونس: 125
الأردن: 83
قطر: 37
لبنان: 12
الجزائر: 9
سورية: 8
عُمان: 2
باقي الدول العربية: 1
ثانياً: البُعد الفلسطيني والإسرائيلي في الأزمة الأوكرانية:
نستدل من كل ما سبق أن الاحتقان في السياسة الدولية حول أوكرانيا كان يشير بشكل لا لبس فيه أن إيقاع التفاعلات حولها يتسارع، وأن المواجهة قادمة بشكل واضح، ولا نظن أن "إسرائيل"، في ضوء تسللها إلى أغلب هيئات صنع القرار في الدول الكبرى، بعيدة عن هذا التوقع.
ونظراً للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، والعلاقة الحميمة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي Volodymyr Zelensky وبين الجانب الإسرائيلي، من حيث مواقفه المساندة للسياسة الإسرائيلية ومن حيث يهوديته الدينية، ومن حيث يهوديته الدينية، إلى جانب يهودية رئيس وزرائه أيضاً دينيس شمايهال Denys Shmyhal من ناحية،[16] والرغبة الإسرائيلية في عدم استفزاز القيادة الروسية خصوصاً؛ عملت الحكومة الإسرائيلية على محاولة الموازنة بين مواقفها بشكل لا يترتب عليه خسارة استراتيجية لها، وهو أمر يتناغم مع توجهات الرأي العام الإسرائيلي الذي توزعت توجهاته بخصوص الأزمة الأوكرانية على النحو التالي:[17]
جدول رقم 2: موقف الرأي العام الإسرائيلي من الحرب الأوكرانية الروسية
تأييد أوكرانيا: 76%
تأييد روسيا: 10%
القبول بسياسة الحياد الحكومية:
المؤيدون: 51%
المعارضون: 34%
ويكشف الجدول السابق أن الانحياز لأوكرانيا هو الغالب من حيث "التوجه السياسي" للمجتمع والسلطة الحاكمة، بينما يلاحظ أن انتهاج سياسة "الحياد" الرسمية حظيت تقريباً بتأييد نصف المجتمع الإسرائيلي.
ولا شكّ أن مضمون خطاب الرئيس الأوكراني زيلينسكي في الكنيست Knesset الإسرائيلي يشير إلى عمق العلاقة بين "إسرائيل" وأوكرانيا، لا سيّما مع إدراك الرئيس الأوكراني للتعاطف الشعبي الإسرائيلي مع بلاده، وقد أشار في خطابه إلى النقاط التالية ذات الدلالة الواضحة:[18]
1. مقارنته بين "التهديد" العربي للوجود الإسرائيلي وبين التهديد الروسي لوجود أوكرانيا.
2. مطالبته لـ"إسرائيل" بتزويد بلاده بالأسلحة لا سيّما أنظمة الدفاع الجوي.
3. مطالبته "إسرائيل" بتطبيق الحصار على روسيا وشركاتها وشخصياتها النافذة.
4. انتقاده ضمنياً لمسعى الوساطة الإسرائيلي في النزاع، بقوله إن الوساطة تكون بين الدول لا بين الخير والشر.
ذلك يعني أن الموقف الإسرائيلي بإعلان الحياد، أو بالوساطة بين طرفي النزاع يشير إلى حرج إسرائيلي واضح؛ لأن أي موقف للحكومة الإسرائيلية ستترتب عليه آثار تسعى الديبلوماسية الإسرائيلية لتجنبها.
لكن ذلك لا ينفي أن هناك جوانب في الأزمة قابلة للاستثمار الحكومي الإسرائيلي على النحو التالي:
1. تهجير يهود أوكرانيا: ما إن بدأت المواجهات العسكرية حتى أعلن وزير الهجرة الإسرائيلي بنينا تامانو شاتا Pnina Tamano-Shata عن استعداد "إسرائيل" لاستقبال آلاف المهاجرين "اليهود" من أوكرانيا.[19] بل إن جهات إسرائيلية أشارت إلى أن "إسرائيل" أخطرت يهود أوكرانيا مسبقاً بالتهيؤ للهجرة في حالة نشوب النزاع المسلح.[20] وقد بدأ بعضهم بالوصول لـ"إسرائيل" فعلاً سواء من أوكرانيا أم من روسيا.[21] ويقدّر معهد بحوث السياسة اليهودية Institute for Jewish Policy Research أن عدد اليهود في أوكرانيا الذين يمكن أن يستفيدوا من قانون العودة الإسرائيلي، ويهاجروا لـ"إسرئيل" من أوكرانيا هو قرابة 200 ألف يهودي،[22] يتركزون في كييف، ودينيبروبتروفيسك، وخاركوف، وأوديسا. مع ملاحظة أن هذه المدن هي موضع قتال شرس فيها أو حولها، وهو ما يشدد الضغوط على يهود هذه المدن للهجرة. لكن تقريراً للقناة الفضائية الإسرائيلية 13 يشير إلى أن صورة الاضطراب العام في الشرق الأوسط، وآثار معركة "سيف القدس" تدفع أغلبية يهود أوكرانيا للتردد في الهجرة أو للتوجه نحو دول أخرى غير "إسرائيل”.[23] وقد أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن قرابة 50% فقط من اليهود الأوكرانيين الذين يريدون مغادرة أوكرانيا يريدون الذهاب لـ"إسرائيل"؛[24] مع ملاحظة أن أوكرانيا تمنع الهجرة للذكور ممن تقع أعمارهم بين 18 و60 عاماً.[25] وتعمل وزيرة الداخلية الإسرائيلية أييلت شاكيد Ayelet Shaked التي تتوقع وصول عشرات الآلاف من يهود أوكرانيا على تسهيل الهجرة اليهودية من أوكرانيا، وطالبت بعدم إخضاع اليهود لبعض القيود الأمنية عند الوصول، مع الإشارة إلى احتمال تجميعهم مؤقتاً في معسكرات في صحراء النقب.[26] وتجدر الإشارة إلى أن دائرة الهجرة اليهودية أوضحت أنه حتى أول آذار/ مارس (اليوم الخامس للحرب) إلى وصول 303 مهاجرين لكن 50 منهم منعوا من الدخول.[27]
غير أن بعض الهواجس بدأت تُطل داخل المجتمع الإسرائيلي بين اليهود من "أصول روسية" واليهود من أصول أوكرانية، وبدأت الحرب تترك آثارها على الولاءات الفرعية (يهودي روسي/ يهودي أوكراني) داخل المجتمع الإسرائيلي.[28] بل إن الجدال عاد للمجتمع الإسرائيلي حول من هو اليهودي؟ ومن يجب السماح له بحمل الجنسية الإسرائيلية؟ وهل يتم تطبيق قانون العودة الصادر سنة 1950 على مهاجري أوكرانيا أم لا، في ظلّ اعتراضات بعض الحاخامات على "هوية" مهاجري أوكرانيا أو روسيا بشكل خاص؟ خصوصاً عند التأكيد على التمييز بين الإسرائيلي الذي هو حفيد أربع جدود (والدا أمه وأبيه) أو جدين (أحد والديه ليس يهودياً)…إلخ.[29]
من جانب آخر، فإن العديد من النُّخب الاقتصادية في روسيا هي من مزدوجي الجنسية الروسية والإسرائيلية (مثل رومان أبراموفيتش Roman Abramovich، أو ميخائيل فريدمان Mikhail Fridman، أو بيتر آفين Petr Aven ، أو فيكتور فيكسيلبيرغ Viktor Vekselberg)…إلخ.[30]
2. دفع الموضوع الفلسطيني نحو مزيد من الظلال: نظراً للضعف الشديد في القيادة الفلسطينية وهشاشة الديبلوماسية الفلسطينية، فإن "إسرائيل" ستستغل ذلك لدفع الموضوع الفلسطيني للخلف في تفاعلات الحياة الدولية. ولكن الفلسطينيين يجب أن يستثمروا النتائج المحتملة للحرب الروسية الأوكرانية من خلال:[31]
أ. إن تثبيت استقلال الجمهوريتين الأوكرانيتين في الشرق الأوكراني (إقليم دونباس) سيعزز من فكرة حق تقرير المصير، وهو أمر يصب في دلالاته العامة لصالح الفلسطينيين من حيث الحق في إنشاء دولة فلسطينية على غرار ما جرى في شرق أوكرانيا.
ب. إن نجاح روسيا في فرض شروطها على المجتمع الدولي والقبول القسري بنتائج استراتيجيتها تجاه أوكرانيا يعزز فكرة التعدد القطبي على حساب الأحادية القطبية، وهو أمر في صالح الطرف الفلسطيني.[32] وفي المقابل، فإن تعزيز الغرب لفكرة المقاومة للاحتلال الروسي لأوكرانيا يعزز حقّ الفلسطينيين في حقّ المقاومة أسوة بالأوكرانيين، وهو أمر بدأت بعض الأصوات الغربية تتحدث عنه وتنتقد ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع المقاومة الفلسطينية ووصفها بـ"الإرهاب" على الرغم من أن غالبية القرارات الدولية تقف إلى جانبها،[33] إلى جانب انتقاد السرعة الغربية في فرض العقوبات على روسيا من الأيام الأولى للتحرك العسكري الروسي، بينما لم تفرض أي عقوبات ذات معنى على "إسرائيل" بالرغم من مرور 55 عاماً على احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، ناهيك عن فترة أطول في أراضي 1948. وعلى الرغم من أن منظمة العفو الدولية Amnesty International طالبت في الشهر الماضي بفرض عقوبات اقتصادية على "إسرائيل" بسبب سياساتها "العنصرية"، إلا أن وزير الخارجية الأمريكي بلينكن Blinken وفي الخطاب نفسه الذي دعا فيه لعقوبات ضدّ روسيا وصف دعوة مجلس حقوق الإنسان الأممي United Nations Human Rights Council بالتحقيق في انتهاكات "إسرائيل" في الأراضي المحتلة بأنها "وصمة في مصداقية المجلس" وطالب بوقفها، لكن برلمانيين وإعلاميين أوروبيين أثاروا هذه الازدواجية الغربية في مناسبات عدة منذ اشتعال الأزمة الأوكرانية.[34]
لكن الطرف الإسرائيلي يرى أن الانشغال العالمي بالأزمة الأوكرانية صرف الاهتمام عن ممارساته في الأراضي الفلسطينية المحتلة (الاستيطان، والتضييق على السجناء، وتزايد حوادث القتل للمدنيين الفلسطينيين، واستمرار التضييق على سكان الشيخ جراح في القدس، وتزايد في أعداد المعتقلين المدنيين، وهدم المنازل…إلخ)،[35] مع ملاحظة تكرار الضربات الجوية والصاروخية على أهداف سورية بوتيرة أعلى من الفترات السابقة؛ فمنذ بداية السنة إلى يوم 24 شباط/ فبراير (بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا) وقعت 5 هجمات إسرائيلية على سورية، أي بمعدل هجوم كل 11 يوماً تقريباً، بينما هاجمت "إسرائيلُ" سوريةَ خلال الفترة منذ 24 شباط/ فبراير إلى 8 آذار/ مارس ثلاث مرات، أي بمعدل هجوم كل 4 أيام تقريباً.[36]
3. محاولة التوسط في النزاع بهدف زرع فكرة "الإسهام الإسرائيلي في السلام العالمي" وتحسين صورة "إسرائيل" الديبلوماسية، فبالرغم من أن المسؤولين الأوكرانيين أبدوا "خيبة أملهم" من ضعف الموقف الإسرائيلي تجاه قضيتهم،[37] فقد انهمك رئيس الوزراء الإسرائيلي في محاولاته للتهيئة لمفاوضات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا، بل ادعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيت Bennett أنهم لعبوا دوراً في الترتيب للمفاوضات بين طرفي النزاع على الحدود البيلاروسية.[38] ولضمان قبول "إسرائيل" كوسيط فإن "إسرائيل" "دانت العملية العسكرية الروسية" من ناحية، لكنها رفضت تقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا من ناحية أخرى، واقتصرت المساعدات على الأغراض الإنسانية.[39] إلى جانب أن "إسرائيل" جلبت امتعاضاً من المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة United Nations ليندا غرينفيلد Linda Thomas-Greenfield، بعد امتناع "إسرائيل" عن المشاركة في صياغة مسودة القرار الذي تمّ تقديمه للجمعية العامة للأمم المتحدة General Assembly of the United Nations لإدانة العملية العسكرية الروسية.[40]
ويرى بعض الخبراء الأمريكيين أن نجاح ترتيب التفاوض بين أوكرانيا وروسيا سيجعل من رئيس الوزراء "شخصية دولية، ويخفف من صورة إسرائيل السلبية، لا سيّما في ضوء سياساتها تجاه الفلسطينيين"؛ ويجعل منها عاملاً قوياً في تجنيب العالم مواجهة قد تكون كارثية.[41] غير أن المراقبين يرون أن الدور الإسرائيلي في هذا المجال تراجع بسبب شدة التعقيدات في جوانب الأزمة من ناحية، والامتعاض الغربي من قصور الموقف الإسرائيلي عن نقطة الإدانة الواضحة للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا من ناحية أخرى، إلى جانب أن النتائج الباهتة للمحاولات التركية والفرنسية للوساطة لا تغري على توقع إنجاز إسرائيلي مهم في المجال نفسه، وهو ما قد يكون له نتائج سلبية على الديبلوماسية الإسرائيلية؛ كما رأى خبير إسرائيلي من أن "رئيس الوزراء خاض في الوحل الأوكراني دون أن يدرك تماماً عمقه".[42]
4. احتمال الحصول على مقايضة مع الروس في الشأن الشرق أوسطي مقابل بعض المواقف الإسرائيلية تجاه روسيا، وقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت Ehud Olmert عن ذلك بقوله "إن الوضع دقيق بالنسبة لإسرائيل، فمن ناحية، إسرائيل حليف للولايات المتحدة وجزء من الغرب، ولا يمكن أن يكون هناك شكّ في ذلك". وأضاف أنه "من ناحية أخرى، فإن الروس موجودون في سورية، ولدينا مشاكل عسكرية وأمنية حساسة في سورية، وهذا يتطلب حرية مُعيَّنة للجيش الإسرائيلي للعمل في سورية". وبالتالي، من غير الممكن أن يتم ذلك دون مراعاة التوجهات الروسية.[43] فـ"إسرائيل" تريد استمرار التقييد الروسي لاستعمال سورية لمنظومة صواريخ أس 300 أو S300 وضمان عدم تزويد سورية لاحقاً بالمنظومة الدفاعية الروسية أس 400 أو S400، والتي نصبها الروس حول مراكز تواجدهم في سورية، وتعمل "إسرائيل" أيضاً على تحاشي أيّ مواجهة مع الطيران الروسي في الأجواء السورية، ناهيك عن إدراك الإسرائيليين أن روسيا هي أحد الجالسين في فيينا على طاولة التفاوض بخصوص البرنامج النووي الإيراني الذي تَعدّه "إسرائيل" موضوعاً في غاية الأهمية بالنسبة لها، وهنا يبرز احتمالان:[44]
أ. إما أن تحاول الولايات المتحدة إغراء إيران وتقديم تنازلات لها في الموضوع النووي مقابل موقف إيراني أبعد مسافة عن روسيا، بقدر ما، خصوصاً مع ضغوط الأزمة الأمريكية ورغبة روسيا في لجم الموقف الروسي.
ب. أو أن تتشدد الولايات المتحدة مع إيران، فتتجه إيران كرد فعل نحو عدم المشاركة في أي عقوبات ضدّ روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية، ومن المؤكد أن هذا الخيار هو الأفضل لـ"إسرائيل".
يضاف إلى كل ما سبق، الرغبة الإسرائيلية في الحفاظ على التواصل مع بعض النخب الروسية اليهودية (خصوصاً الأثرياء منهم وذوي الصلة بالرئيس بوتين، مثل قطب البترول والألومينيوم والصلب الروسي اليهودي رومان أبراموفيتش، المعروف بصلاته مع "إسرائيل"، والحاصل على جنسيتها سنة 2018)، إلى حدّ السعي لضمان عدم خضوع هؤلاء للعقوبات الغربية،[45] على الرغم من أن الخزينة الأمريكية أبدت هواجسها من أن عدم إخضاع هؤلاء للعقوبات قد يجعل منهم صلة وصل مع البنوك الإسرائيلية لتحويل الأموال أو "غسيلها" لصالح الدولة الروسية،[46] مضافاً إلى كل ذلك الرغبة الإسرائيلية في استمرار علاقاتها مع من بقي من اليهود في روسيا، خصوصاً مع احتمالات هجرتهم لـ"إسرائيل".[47]
5. إمكانية قيام "إسرائيل" بتعويض الغاز الروسي في الأسواق الأوروبية: قبل الأزمة الأوكرانية، وتحديداً في نيسان/ أبريل 2017، تمّ عقد اجتماع بين وزراء الطاقة في "إسرائيل"، وإيطاليا، وقبرص، واليونان لبحث إمكانية تخفيض الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي من خلال أنبوب يمتد تحت مياه البحر المتوسط، من سواحل فلسطين المحتلة إلى السواحل الأوروبية، وتمّ الاتفاق على أن يكتمل هذا المشروع سنة 2025، لكن الولايات المتحدة أبدت معارضتها للمشروع في كانون الثاني/ يناير 2022 بسبب "ما اعتبرته: عدم جدوى للمشروع، ولمخاطره البيئية"،[48] علماً أن أوروبا تستورد "155 مليار م3" من الغاز الروسي طبقاً لأرقام سنة 2021.[49] وقد عاد الموضوع مرة أخرى من خلال ما راج من أنباء عن طلب الحكومة الأمريكية من "إسرائيل" الإسهام، مع دول أخرى، في تعويض أوروبا بالغاز البديل للغاز الروسي، بالرغم من الإدراك بأن الانتاج الإسرائيلي لا يكفي.[50]
وبعد نشوب الحرب الأوكرانية بقرابة أسبوعين، برز الدور التركي في العرض على "إسرائيل" وقبلها أذربيجان لتمرير غازهما لأوروبا من المرافق التركية، إلى جانب التعاون مع مصر في هذا المجال، وتمّ طرح الموضوع بشكل واضح خلال زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحق هيرتزوج Yitzhak Herzog إلى تركيا في آذار/ مارس 2022 ولقائه مع الرئيس التركي أردوغان Erdoğan. واستغلت "إسرائيل" الأزمة الأوكرانية لإصلاح بعض تصدعات علاقاتها مع تركيا،[51] على الرغم من أن علاقاتها التجارية مع "إسرائيل" تعرف تصاعداً جعل حجمها يصل إلى 8.4 مليارات دولار سنة 2021 وفق المصادر التركية، بزيادة 35% عن سنة 2020، إلى حدّ تواتر أنباء عن "طلب إسرائيل من تركيا" ضبط نشاط حركة حماس في الأراضي التركية؛ بمنعها من القيام بأي عمليات ضدّ المصالح الإسرائيلية.[52]
6. الاعتبارات الإسرائيلية الداخلية: ثمة ثلاث شرائح تعمل "إسرائيل" على مراعاتها عند تحديد أي موقف في الأزمة الأوكرانية وهي:
‌أ. المجتمع الروسي.
‌ب. يهود روسيا في "إسرائيل".
‌ج. يهود أوكرانيا في "إسرائيل".
وتشير تقارير مختلفة إلى وجود بعض التباين في توجهات اليهود في "إسرائيل" ممن هم من أصول روسية وأولئك ممن هم من خلفية أوكرانية، تجاه الأزمة الأوكرانية الحالية.[53] وعلى الرغم من نقص المعلومات عن مواقف يهود "إسرائيل" من الخلفية الروسية أو الأوكرانية من الأزمة الأوكرانية الحالية، إلا أن دراسة أكاديمية لموقف الأقليات اليهودية في روسيا وأوكرانيا خلال أزمة القرم سنة 2014 أشارت إلى ظاهرتين:[54]
أ. أن مواقف اليهود في روسيا خلال الأزمة كانت متباينة بشكل واضح عن مواقف يهود أوكرانيا، إذ كانت كل أقلية أقرب في توجهاتها للدولة المضيفة.
ب. أن موقف الحياد الإسرائيلي قائم في أحد اعتباراته على عدم الرغبة في التأثير على علاقة الأقلية اليهودية بالدول المضيفة لها (روسيا أو أوكرانيا).
7. الانعكاسات الاقتصادية للأزمة:
تتجلى الآثار المباشرة للأزمة على الاقتصاد الفلسطيني في جانبين:
أ. ارتفاع أسعار الوقود والقمح سيزيد من أعباء الموازنة الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، لا سيّما إذا علمنا أن 70% من السلع يتم استيرادها من الخارج، فالحديد كسلعة مهمة للقطاع الأكبر في قطاع غزة ارتفعت أسعاره 30%، والإسمنت 24%، ناهيك عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية لا سيّما مع حلول شهر رمضان في أوائل نيسان/ أبريل 2022، فقد ارتفع سعر الطحين قرابة 30%، علماً أن 35% من هذه المادة تأتي من روسيا، كما ارتفعت أسعار الزيوت بمعدل 7% والسكر 10%، وكل ذلك سيؤثر على نسب التشغيل في المنشآت الإنتاجية، وبالتالي رفع نسبة البطالة التي تصل حالياً إلى ما يقارب الـ 50%.[55]
ب. بعد قرار الاتحاد الأوروبي في آذار/ مارس 2022 بـ"تأجيل" تسليم مساعدات الاتحاد للسلطة الفلسطينية (وقيمتها 235 مليون دولار) بسبب ما اعتبرته هنغاريا "نزعة معادية للسامية في مناهج التعليم الفلسطينية"،[56] فإن الاتحاد وبعد أعباء مواجهة الأزمة الأوكرانية وتبعات الحصار على روسيا، قد يقلص من مساعداته سواء للسلطة أم لهيئات المجتمع المدني الفلسطيني، وقدرت بعض المصادر أن التخفيض في المساعدات قد يصل إلى نحو 10%.[57]
أما على الجانب الإسرائيلي، ففي ظلّ تصاعد العقوبات الاقتصادية المتبادلة بين القوى الغربية وروسيا، فإن التأثير على الاقتصاد الإسرائيلي سيكون مرتبطاً بالسياسة الإسرائيلية، فحجم التبادل التجاري بين روسيا و"إسرائيل" هو 3.373 مليارات دولار (2.415 مليار دولار صادرات روسية لـ"إسرائيل" مقابل 958 مليون دولار واردات روسية منها)، أي أن حجم الواردات الإسرائيلية من روسيا لا تشكل أكثر من 2% فقط، وقد يكون التأثير من جانب ارتفاع الأسعار لبعض المواد (البترول، والغاز، والفحم، والقمح بشكل رئيسي) إلى جانب التأثير على بعض الشركات المستثمرة في روسيا، خصوصاً مع انخفاض قيمة الروبل وصعوبة الوفاء بالمدفوعات للشركات الإسرائيلية في ظلّ تقييد التحويلات المالية بإخراج روسيا من نظام سويفت SWIFT، وستزداد حدة هذه الآثار على الاقتصاد الإسرائيلي طردياً مع طول فترة استمرار الأزمة، لكنها أقل أهمية على المدى القصير.[58] خصوصاً من زاوية الالتزام الإسرائيلي بالحصار الاقتصادي الدولي على روسيا.
الخلاصة:
يمكن أن نلخص أهم الملامح في انعكاسات الأزمة على القضية الفلسطينية في الآتي:
1. إن الطرف الإسرائيلي في موقف ديبلوماسي حرج خصوصاً إذا تصاعدت الأزمة، لأن موقف الحياد في هذه الحالة سيكون مكلفاً لـ"إسرائيل" من أحد الطرفين.
2. إن الأولوية لـ"إسرائيل" هي جلب أكبر قدر من يهود طرفي الأزمة خصوصاً الأوكران إلى فلسطين المحتلة.
3. إن احتمالات نجاح الطرف الإسرائيلي في القيام بدور الوسيط تبدو ضئيلة للغاية.
4. إن ارتفاع أسعار مصادر الطاقة والقمح سيكون له عبء على الطرف الفلسطيني أكثر منه على الطرف الصهيوني.
5. تكريس فكرة ازدواجية المعايير في المواقف الغربية من الصراعات الدولية، وهو ما تشير له ردات فعل نخب أوروبية وأمريكية مختلفة.
6. إن الانتصار الروسي قد يكرس فكرة التعدد القطبي الدولي، وهو أمر قد يكون له "بعض النتائج الإيجابية" على درجة الانحياز ضدّ الفلسطينيين في اتجاهات السياسات الدولية من القضية الفلسطينية.
7. من الضروري على أطراف محور المقاومة تصعيد عمليات المقاومة لجعل فلسطين نقطة غير جاذبة ليهود أوكرانيا أو حتى يهود روسيا، ودفعهم للهجرة إلى مناطق بديلة عن فلسطين المحتلة، ولعل عملية المقاومة التي وقعت في 2022/3/22 في النقب، والتي قتل فيها أربعة من الإسرائيليين[59] تستجيب لهذه الضرورة، نظراً لأن منطقة النقب هي من المناطق المحددة بشكل واضح لتوطين مهاجرين أوكرانيين، وهو ما يعزز هواجس هؤلاء المهاجرين ويدفعهم للبحث عن هجرة لغير "إسرائيل".
8. ضرورة تعزيز الحملات الإعلامية الخاصة بكشف ازدواجية المعايير في الديبلوماسية الغربية، من خلال عقد المقارنات بين الموقف الإعلامي والديبلوماسي الغربي في أوكرانيا وموقفه في فلسطين.