الشريط الإعلامي

لماذا مات أبو لهب كافراً؟

آخر تحديث: 2022-03-09، 09:44 am
علي سعادة
أخبار البلد-
قبل الحديث عن إحدى السور المذهلة في القرآن الكريم،أرجو أن أوضح أن ما أكتبه هنا، أحيانا، ليس تفسيرا للقرآن الكريم، لست سوى كاتب يبحث عن مدخل للقراءات المعاصرة للقرآن، تستوقفني القصة والحوار في القرآن مثل أي كاتب وأحاول تعلم الكتابة من جديد. هو تدبر للقرآن وشحن العقل وتفاعل عقلاني ووجداني، " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها "، التدبر هنا هو خطاب عام للناس كافة وليس خاصا بأحد أو بـ"الشيوخ".

من السور المذهلة والمعجزة في القرآن التي يمر عليها الناس مرورا سريعا سورة "المسد" وتسمى كذلك سورة "أبي لهب" وسورة "تبت".

وهي سورة نزلت بحق عم النبي صلى الله عليه وسلم: عبد العزى بن عبد المطلب المعروف بـ"أبي لهب" لقبه إياه أبوه عبد المطلب، وزوجته "أم جميل" أروى بنت حرب بن أمية، شقيقة أبو سفيان.

المذهل بالسورة أنها قررت أن "أبو لهب" وزوجته سيدخلان النار، وبين نزول السورة ووفاة "أبو لهب" 10 سنوات، 3650 يوما، ولم يكن مطلوبا من "أبو لهب" إلا أن يأتي أمام الناس ويقول: "محمد يقول إني سوف أدخل النار، ولكني أعلن الآن أمامكم أنني أسلمت" ماذا كان سيحدث لو فعلها، كان سينسف الإسلام ويشكك الناس بالقرآن، لكنه وهو من سادة قريش وحوله الأكثر دهاء، وزوجته شاعرة ولسانها حاد، لم يفعلها وكان أمامه الوقت الطويل ليفكر بهذه الخطوة، ويتظاهر حتى بالإسلام.

وخلال السنوات العشر كانت لديه الفرصة أن يهدم الإسلام بدقيقة واحدة.
هل كان النبي الكريم، لو كان القرآن من عنده وهو المؤلف، سيغامر بهذا التحدي، تحد استمر عشر سنوات؟!

السورة نزلت ردا على الحرب المعلنة من "أبي لهب" وامرأته، وتولى الله عن رسوله الكريم أمر هذه المعركة والدفاع عنه وإسدال الستار على مصير "أبو لهب" و"أم جميل".

روي أن النبيصلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش، فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك. وفي رواية: إنه قام ينفض يديه ويقول: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟

ويقال إن وفدا جاء لمقابلة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم "أبو لهب" "إن النبي ما زال تحت العلاج، تبا له"، فبلغ ذلك النبي فحزن، فنزلت السورة الكريمة:

"تبت يدا أبي لهب وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى نارا ذات لهب. وامرأته حمالة الحطب. في جيدها حبل من مسد".

كان "أبو لهب" وزوجته يسكنان في بيت مجاور للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد ناصباه العداء وحارباه بشراسة، وكان يتبع النبيصلى الله عليه وسلم في الأسواق، والمجامع، ومواسم الحج ويكذبه.

وكانت زوجته امرأة سليطة وتطيل عليه الافتراء والدس، وروي أن الرسول صلى الله عليه وسلم: اشتكى فلم يقم ليلة أَو ليلتين، فأَتت "أم جميل " فقالت: يا محمد ما أَرى شيطانك إلا قد قلاك، فنزلت سورة الضحى: "والضحى . والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى".

توفي أبو لهب بعد وقعة بدر بسبع ليال بمرض معد كالطاعون يسمى "العدسة"، وبقي ثلاثة أيام لم يدفن حتى أنتن، فلما خافوا العار حفروا له حفرة، ودفعوه إِليها بعود حتى وقع فيها، ثم قذفوه بالحجارة من بعيد حتى دفنوه.

وتقول الروايات إن "أم جميل" ماتت خنقا بعد أن تعلق الجيد الذي كان برقبتها بحبل.

ومن الأمور التي لا يتطرق لها الكثيرون أن ابنا "أبو لهب" كانا متزوجان من ابنتي الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فعتبة تزوج رقية، وعتيبة تزوج أم كلثوم، وكان ذلك قبل البعثة النبوية، وحين نزلت سورة "المسد" قال أبو لهب وزوجته: "اشغلوا محمداً بنفسه"، وأمرا ابناهما بطلاق بنتي النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد أسلم أولاد وبنات "أبو لهب" يوم فتح مكة، وأما عتيبة " فلم يسلم، ولما أراد عتيبة الخروج إلى الشام مع أبيه قال: لآتيين محمدا وأوذينه، فأتاه، فقال يا محمد: إِني كافر بالنجم إِذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم بصق أمام النبي وطلق ابنته أم كلثوم، ومن شدة حزن النبي دعا عليه فقال: "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك".

ثم عاد عتيبة إلى أبيه وأخبره بما حدث ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا، فأشرف عليهم راهب من الدير وقال: إن هذه أرض مسبعة، فقال "أبو لهب" لأصحابه: أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة فإني أخاف على ابني عتيبة من دعوة محمد. فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتيبة ووسطوه بينهم، ووفقا لروايات متفق عليها، جاء السبع يتشمم وجوههم حتى وجد عتيبة فضرب عنقه وقتله.

ومن ضمن ما يروى أن ابنة "أبو لهب" درة، التي هاجرت إلى المدينة، وهي ابنة عم النبي، قالت لها نسوة من المدينة "أنت ابنة أبي لهب الذي يقول الله له: "تبت يدا أبي لهب"، فما تغني عنك هجرتك؟"، فأتت درة النبي فذكرت ذلك له، فقال لها: اجلسي ثُم صلى بالناس الظهر، وجلس على المنبر ساعة، ثم قال: "أيها الناس، ما لي أوذى في أهلي؟".

وفي رواية أخرى، قيل إنها جاءت إلى الرسولصلى الله عليه وسلم فقالت: "إن الناس يصيحون بي ويقولون: إني ابنة حطب النار. فقام رسول: "ما بال أقوام يؤذنني في نسبي وذوي رحمي؟ ألا ومن آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني".

الأكاديمي الكندي جاري ميلر الذي اعتنق الإسلام وغير اسمه إلى عبد الأحد عمر، قال في مؤلفه القيم "كتاب القرآن المذهل": "إن سورة المسد هي السورة قبل الأخيرة في المصحف الشريف تعتبر من معجزات القرآن، ومن القصص التي أبهرتني، وأعتبرها من المعجزات".

يقول ميلر: "أبو لهب كان يخالف كل كلام الرسول لكنه لم يخالفه فيما جاء في سورة المسد. القصة كأنها تقول إن النبي يقول لأبي لهب: أنت تكرهني حسنا لديك الفرصة أن تنقض كلامي، لكنه لم يفعل خلال عشر سنوات كاملة لم يسلم ولم يتظاهر حتى بالإسلام".

يضيف: "إنه وحي ممن يعلم الغيب، ويعلم أن أبا لهب لن يسلم، لكي يضع شخص هذا التحدي الخطير ليس له إلا معنى واحد، هذا وحي من الله" يقول ميلر.

وهذه قصة لا علاقة لها بـ"المشيخة"، وإنما هي تدبر وتعلم أسلوب الكتابة من منبعه، من لم يقرأ القرآن جيدًا لن يتمكن من كتابة العربية أبدًا.