الشريط الإعلامي

أخيراً... اعترفت أوروبا بأمن الطاقة

آخر تحديث: 2022-03-07، 10:10 am
عبدالله الردادي
اخبار البلد - 
 

عندما وضعت أوروبا خططها للابتعاد عن الوقود الأحفوري لتخفيف الانبعاثات الكربونية والوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050، كان الغاز أهم ركائز هذه الخطط. فأوروبا كانت تنوي الاعتماد على الغاز كمصدر طاقة أقل تلويثا للبيئة من المصادر التي تستخدمها في الوقت الحالي والتي يعد الفحم أبرزها. ولكن أوروبا لا تمتلك الغاز، فنحو 90 في المائة من الغاز الذي تستهلكه تستورده من خارجها، وأكثر من ثلثه يأتي من روسيا. وقد عانت أوروبا خلال الأشهر الماضية من ارتفاع أسعار الغاز، ولكن الأمر اختلف الآن مع الحرب الروسية على أوكرانيا، فهو لا يتعلق بالأسعار فحسب، بل بأمن الطاقة!
ولطالما اتبعت أوروبا في الماضي سياسة الحصول على الطاقة منخفضة التكلفة ذات النقل السهل، ولذلك فقد كانت روسيا هي المصدر الأمثل للطاقة في أوروبا بحكم انخفاض تكلفة الغاز وسهولة نقله إلى أوروبا باستخدام بنية تحتية راسخة من أنابيب الغاز. ولكن أوروبا تكاسلت وتأخرت كثيرا في تنويع خياراتها في الطاقة رغم تحذيرات الخبراء من خطورة الاعتماد الكلي على روسيا كمصدر للطاقة.
ولأن أوروبا ركزت كثيرا على قضية التغير المناخي في السنوات الأخيرة لدرجة أن دعم استخدام الوقود الأحفوري - بأي طريقة كانت - أصبح أشبه بالانتحار السياسي لصناع القرار الأوروبيين، فلم تستثمر أوروبا في تنويع مصادرها للطاقة، مكتفية بالغاز القادم من روسيا، إضافة إلى استثماراتها في الطاقة المتجددة، والتي تحتاج لعقود حتى تتمكن أوروبا من الاعتماد عليها بشكل رئيسي. وحتى الاستثمار في البنية التحتية للغاز – وهو ركيزة أوروبا في التحول نحو الطاقة النظيفة – لاقى اعتراضاً من المنظمات البيئية الأوروبية التي ترى الاستثمار في البنية التحتية لغير الطاقة المتجددة جريمة لا تغتفر.
والآن اصطدمت أوروبا بالحرب الروسية الأوكرانية، التي وضعت على الطاولة إمكانية انقطاع الغاز الروسي بشكل كلي، ومن يستبعد هذا الاحتمال، عليه أن يتذكر كيف فاجأت روسيا العالم بدخولها أوكرانيا رغم كل الآراء التي استبعدت حدوث هذا الأمر. ولو حدث وقطعت روسيا الغاز عن أوروبا فستدخل أوروبا في دوامة يصعب الخروج منها، بل إن انخفاض نسبة الغاز الروسي ولو بـ10 في المائة قد يدخل الاقتصاد الأوروبي في حالة ركود بحسب التحليلات، فكيف بانقطاعه كلياً !
ويبدو أن أوروبا وازنت بين أجندتها للحفاظ على المناخ – والتي دعمتها بجميع الطرق – وبين أمن الطاقة، ويتضح ذلك من الإجراءات التي اتخذتها بعض الدول، فألمانيا أعلنت عن دعم الحكومة لبناء مرفقين لتحميل وتخزين الغاز المسال من ناقلات الغاز الدولية، كما أن وزير الاقتصاد الألماني – وهو عضو في الحزب الأخضر الألماني – لمح إلى أن الحكومة قد تؤخر إقفال آخر مفاعل نووي حتى نهاية العام المقبل. وفي حال استمرت هذه الأزمة فقد تؤخر الحكومة خططها لإقفال آخر مصنع للفحم والمقرر عام 2030. أما إيطاليا التي تعتمد على الغاز الروسي بنسبة 45 في المائة فقد ألغت خططا لتحويل أكبر مصنعين للفحم إلى الغاز، وأشار رئيس الوزراء الإيطالي إلى أنه قد يعيد فتح بعض مصانع الفحم لتعويض نقص الغاز الروسي.
هذه الإجراءات الأوروبية تعد تغييرا جذريا في سياسة أوروبا للطاقة، والتي لم تكن تتسامح مع الوقود الأحفوري إطلاقا، ولمعرفة مواقف أوروبا من الوقود الأحفوري بشكل عام ومن الفحم بشكل خاص يمكن العودة إلى مواقف الاتحاد الأوروبي قبل أقل من 5 أشهر بعد مؤتمر غلاسكو المناخي، حين صب الاتحاد الأوروبي جام غضبه على الصين والهند لأنهما اعترضتا على التعهد باستبعاد الوقود الأحفوري بشكل كامل، واكتفيتا بالتعهد بالتقليل من استخدامه. وقد كان من المقرر أن تصدر المفوضية الأوروبية خطتها للطاقة الأسبوع الماضي والتي كانت ستناقش التعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة، ولكنها أجلت إصدار هذا التقرير بعد الحرب. وتشير التسريبات إلى أن التقرير سيدعو الدول الأوروبية إلى البحث عن مصادر أخرى للغاز.
إن أوروبا اليوم في معضلة صنعتها بيدها، فهي يجب أن توازن بين ثلاثة عوامل: التكلفة، والاستدامة، وأمن الطاقة. ولم تكن في السابق تنظر لأمن الطاقة بشكل جدي مع تدفق الغاز من روسيا بل صبت تركيزها بشكل كامل على الاستثمار بالطاقة المتجددة دون النظر إلى أمن الطاقة. أما اليوم فهي تعلن بوضوح أن استقلاليتها بالطاقة أمر لا غنى عنه، وأن أمن الطاقة متعلق بالأمن الوطني. وفي موازنة هذه العوامل الثلاثة، عبرت ماريا باستكوفا وهي مستشارة لدى مركز فكر أوروبي أن الأمن فوق التكلفة، بل حتى فوق المناخ، على الأقل في المدى القصير! هذه الحقيقة التي أقرتها أوروبا الآن، هي ذاتها وجهة نظر مجموعة أوبك التي تقودها المملكة العربية السعودية، والتي طالما كررتها خلال العام الماضي، وهي أن أمن الطاقة هو العامل الأهم في أسواق الطاقة.