ﻟﻢ أﺻﺪق ﻣﻮﺗﻚ، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻧﻌﺎﻧﺪ ﻛﻠﻨﺎ ﺣﻘﯿﻘﺔ اﻟﻤﻮت أول اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻹﻧﻜﺎر. اﻋﺘﻘﺪت ﻟﺪى رؤﻳﺔ اﻟﺨﺒﺮ أن أﺣﺪاً ﻳﻤﺰح، ﺛﻢ
ﺗﻌﻠﻠﺖ ﻟﺤﻈﺔ –ﻣﺘﺠﺎھﻼً ﻻإﻧﺴﺎﻧﯿﺔ اﻟﻔﻜﺮة- ﺑﺄن ﻳﻜﻮن اﻷﻣﺮ ﻣﺠﺮد ﺗﺸﺎﺑﻪ أﺳﻤﺎء، وأن ﻳﻜﻮن اﻟﺬي رﺣﻞ ﺷﺨﺺ آﺧﺮ
ﻻ أﻋﺮﻓﻪ. ﻟﻜﻨﻲ رأﻳﺖ اﻟﺼﻮرة. آه ﻳﺎ ﺻﻼح، ﻣﺎ اﻟﺬي ذھﺐ ﺑﻚ ﻳﺎ ﺻﺎﺣﺒﻲ إﻟﻰ ﺣﯿﺚ ﻳﻨﺘﻈﺮك اﻟﻤﻮت ﺳﮫﻮاً ﻓﻲ
اﻟﺼﺤﺮاء؟ ﺻﻼح ﻏﻨﺎم، ﺻﺪﻳﻘﻲ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﺬي اﺳﺘﻮﻗﻔﺘﻪ ﻗﺒﻞ ﺳﺎﻋﺎت ﻓﻘﻂ ﻓﻲ ﻣﻤﺮ اﻟﺠﺮﻳﺪة، واﺳﺘﺪرﺟﺘﻪ ﻟﯿﺤﺪﺛﻨﻲ
ﻋﻦ ﻣﯿّﺴﻲ وﺑﺮﺷﻠﻮﻧﺔ. اﻵن، تهجم ﻧﺒﺮﺗﻪ اﻟﻤﺘﺤﻤﺴﺔ ﻋﻠﻰ ﻓﻀﺎﺋﻲ اﻟﺬي أﻋﺘﻢ ﻛﺜﯿﺮاً وﺿﺎق. أﺳﻤﻌﻪ ﻳﻨﺎﻛﻒ اﻟﺰﻣﻼء
اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺤﺒﻮن ﻣﻨﺎﻛﻔﺎﺗﻪ، وﻳﻤﻸ ﻓﻀﺎء اﻟﻜﻔﺘﯿﺮﻳﺎ اﻟﺼﻐﯿﺮة ﺧﻠﻒ ﻣﻜﺘﺒﻲ ﺣﯿﺎة وھﻮ ﻳﺘﺤﺪث ﻓﻲ اﻟﺮﻳﺎﺿﺔ، واﻟﺴﯿﺎﺳﺔ،
واﻟﺤﯿﺎة، ﻣﺘﻘﻤﺼﺎً داﺋﻤﺎً ﻣﻮﻗﻒ اﻟﻤﻌﺎرض اﻟﺬي ﻳﺪاور ﻓﻜﺮﺗﻪ وﻳﺆﻛﺪھﺎ ﺑﺎرﺗﻔﺎع اﻟﺼﻮت، وﻻ ﻳﺘﻨﺎزل.
أﻓﻜﺮ اﻵن ﺑﻜﻢ ھﻲ اﻟﺪﻧﯿﺎ ﻛﺬﺑﺔ، وﺑﻜﻢ ﻧﺤُﻦ ﺑﺆﺳﺎء أﻣﺎم اﻟﺴﺮّ اﻟﺬي ﺗﺨﺒﺌﻪ ﻟﻨﺎ اﻟﻠﺤﻈﺔ اﻟﻘﺎدﻣﺔ. أﻓﻜﺮ ﺑﻤﻮﻋﺪﻧﺎ
اﻟﻤﺆﺟﻞ ﻣﻨﺬ اﻟﺼﯿﻒ اﻟﻤﺎﺿﻲ ﻟﻠﺨﺮوج ﻓﻲ سهرة أﺧﺮى! ﺿﺎﻋﺖ اﻟﻔﺮﺻﺔ ﻳﺎ ﺻﻼح. رﺑّﻤﺎ ﻳﺨّﻒ وﺟﻊ ﻓﻘﺪك ﻗﻠﯿﻼً ﺑﻐﯿﺮ
ذﻟﻚ اﻟﻘﺴﻂ اﻟﻤﺆﺟﻞ ﻣﻦ اﻟﺬﻛﺮﻳﺎت ﻓﻲ ﺻﺤﺒﺘﻚ؟ ﻟﻜﻨّﻪ ﻻ ﻳﺨّﻒ.
ﻻ أﺗﺬﻛﺮ اﻵن ﻛﯿﻒ ﻋﺮﻓﺖ ﺻﻼح أول اﻷﻣﺮ، رﺑﻤﺎ ﻷﻧّﻪ ﻳﺪﺧﻞ ﺣﯿﺎﺗﻚ ﺑﻼ ﻋﻼﻣﺎت وﻻ ﺿﺠﯿﺞ وﺑﺒﺴﺎطﺔ اﻟُﻘﺮوّي، ﻟﻜﻨﻨﻲ
أﺗﺬﻛﺮ أﻧﻪ أﺛﯿﺮ ﺣﺒﯿﺐ وﺣﺴﺐ. ﻛﻨﺖ أﺗﺤّﺴﺲ دفء ﺻﺪاﻗﺘﻪ ﻛﻠﻤﺎ ﺟﺎءﻧﻲ ﻣﺴﺘﺸﯿﺮاً ﻓﻲ ﺷﺄن ﺷﺨﺼﻲ، أو
ﻟﯿﻄﻠﻌﻨﻲ ﻋﻠﻰ ﺷﻲء ﻛﺘﺒﻪ وﻳﺮﻳﺪ ﺗﻌﻘﯿﺒﺎً ﻣﺘﻌﺎطﻔﺎً ﻋﻠﯿﻪ، أو ﻛﻠﻤﺎ ﺧﺎﻟﻄﻪ ﺿﯿﻖ ﻣﻦ أﺣﺪ، وأراد اﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ اﻟﻌﺎطﻔﺔ
اﻟﻤﺮﻳﺒﺔ. ﻛﺎن ﻳﺒﺪأ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻣﺸﺪوداً ﻗﻠﯿﻼً، وﻳﻨﺘﮫﻲ ﻣﻨﻪ داﺋﻤﺎً ﻧﻈﯿﻒ اﻟﻘﻠﺐ ﻛﻤﺎ ھﻮ، وﻗﺪ زاﻳﻠﺘﻪ أي رﻏﺒﺔ ﻓﻲ
اﻻﻧﺘﻘﺎم أو اﻟﺪّس أو اﻟﺸﻜﻮى. وأﻧﺎ، ﻛﻨﺖ أﺷﻌﺮ أّن ﻟﻲ ﺳﻨﺪاً ﻓﻲ اﻟﻤﻜﺎن، ﺷﺨﺼﺎً ﻳﻤﻜﻨﻨﻲ اﻻﻋﺘﻤﺎد ﻋﻠﯿﻪ أﻧّﻰ
اﺣﺘﺠﺘﻪ وﻓﻲ أّي ﺷﻲء. ﻛﺎﻧﺖ وﺷﯿﺠﺔ اﻻﺣﺘﺮام واﻟﻤﺤﺒّﺔ داﺋﻤﺎً ھﻨﺎك، وﻟﺬﻟﻚ اﺳﺘﻮدﻋﺘﻪ أﻛﺜﺮ ھﻮاﺟﺴﻲ ﺷﺨﺼﯿّﺔ
وﺧﺼﻮﺻﯿّﺔ، وﻛﺄﻧﻨﻲ أﺣﺎدث ﻣﺮآﺗﻲ ﻓﻘﻂ، وﻟﻢ أﺣ ّﺲ ﻟﺤﻈﺔ ﺑﺄﻧﻨﻲ أﻓﺮطُﺖ، وﻻ ﻧﺪﻣﺖ.
ﻛﻨﺖ أﺣّﺐ طﺮﻳﻘﺔ ﺻﻼح ﻏﻨّﺎم ﻓﻲ ﺗﺒﺮﻳﺮ ﺣﺒّﻪ ﻟﻨﺎدي ﺑﺮﺷﻠﻮﻧﺔ ﻣﺜﻞ ﺣﺒّﻪ ﻟﻨﺎدي اﻟﻮﺣﺪات. ﻛﺎن ﻳﻠﻌﺐ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ،
وﻳﻔﺸﻲ ﺑﻘﺼﺪ وﺑﻼ ﻗﺼﺪ ﺣﺒّﻪ اﻟﻤﺨﻔّﻲ واﻟﻤﻌﻠﻦ ﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻦ: اﺳﻢ ﻣﻠﻌﺐ ﺑﺮﺷﻠﻮﻧﺔ ھﻮ "ﻧﯿﻮ ﻛﺎﻣﺐ"، ﻳﻌﻨﻲ اﻟﻤﺨﯿّﻢ
اﻟﺠﺪﻳﺪ. وﻓﻲ ﻛﻞ اﻟﻤﺨﯿﻤﺎت اﻟﺘﻲ ﻳﺘﻜﺎﺛﺮ ﻓﯿﮫﺎ اﻟﻼﺟﺌﻮن، ﻛﺎن ھﻨﺎك داﺋﻤﺎً "ﻣﺨﯿﻢ ﺟﺪﻳﺪ" ﻟﯿﺴﺘﻮﻋﺐ أوﻻد اﻟﻨﻜﺒﺔ.
ﻛﻤﺎ أن اﻹﺳﺒﺎن اﻟﻜﺘﺎﻻن ﻳﺘﻮﻗﻮن إﻟﻰ اﻟﺤﺮﻳّﺔ واﻻﺳﺘﻘﻼل باقليمهم، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﺸﻘﻰ اﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻨﯿﻮن ﻣﻦ أﺟﻞ
اﻻﺳﺘﻘﻼل واﻟﺤﺮﻳّﺔ. ھﺬه ﻛﺎﻧﺖ طﺮﻳﻘﺘﻪ ﻓﻲ ﻣﺰج ﺣﻨﯿﻨﻪ اﻟﻮطﻨﻲ ﺑﺎﻟﺮﻳﺎﺿﺔ اﻟﺘﻲ اﻧﺸﻐﻞ ﺑﮫﺎ. وﺑﻨﻔﺲ اﻟﻄﺮﻳﻘﺔ اﻟﺘﻲ
ﺗﺠﯿﺪ ﺗﻮﻟﯿﻒ اﻷﺷﯿﺎء، ظﻞ ﻳﺤﺎول ﺣّﻞ اﻟﺘﻮﺗﺮ ﺑﯿﻦ واﺟﺒﻪ اﻟﻮظﯿﻔّﻲ ﻓﻲ اﻟﺠﺮﻳﺪة، وﻋﻤﻠﻪ اﻟﺘﻄﻮﻋﻲ ﻓﻲ ﻧﺎدي اﻟﻤﺨﯿﻢ.
أﺣﯿﺎﻧﺎً، ﻳﻘﻮل إﻧﻪ ﺗﻌﺐ وﻳﺮﻳﺪ اﻟﺘﻔﺮغ -ﻻ أدري ﻷّي ﻣﻦ اﻧﺸﻐﺎﻻﺗﻪ- ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﺘﺤﻤﻞ ﻓﻜﺮة اﻟﺘﺨﻠّﻲ ﻋﻦ أّي ﻣﻤﺎ
ﻳﻨﺸﻐﻞ ﺑﻪ. وﻛﻨُﺖ أﻣﺎزﺣﻪ وأدّﻋﻲ اﻟﻌﺘﺐ ﻛﻠﻤﺎ دﻋﺎﻧﻲ ﻟﻠﺤﺪﻳﺚ ﻋﻠﻰ ﻓﻨﺠﺎن ﻗﮫﻮة، ﺛﻢ اﻧﺸﻐﻞ ﻋﻨّﻲ ﻣﻌﻈﻢ اﻟﻮﻗﺖ
ﺑﻤﻜﺎﻟﻤﺎﺗﻪ الهاتفية اﻟﺘﻲ ﻻ تنتهي، وجلها ﻣﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﻨﺎدي، واﻻﻧﺘﺨﺎﺑﺎت، واﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻦ اﺳﺘﻔﺴﺎر أﺣﺪ ﻣﺎ.
ﻟﻢ أﺣّﺐ ﻳﻮﻣﺎً ﻓﻜﺮة "ذﻛﺮ ﻣﻨﺎﻗﺐ اﻟﻔﻘﯿﺪ"، ﻟﻜﻨّﻨﻲ رﻏﺒُﺖ اﻟﺘﺨﻔّﻒ ﻣﻦ ﻋﺐء اﻟﻌﺠﺰ أﻣﺎم ﺟﺒﺮوت اﻟﻤﻮت ﺑﺎﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﺑﻌﺪ
أن ﺧﺬﻟﺘﻨﻲ اﻟﺪﻣﻮع، ﻋﻠﻨﻲ أﺳﺘﻮﻋﺐ ﺣﻘﯿﻘﺔ رﺣﯿﻠﻪ ﺑﺎﺳﺘﺤﻀﺎره، ﻛﻤﺎ ﺗﻔﻌﻞ اﻟﺒﺎﻛﯿﺎت. وﻓﻲ ﺧﻠﻔﯿﺔ اﻷﻟﻢ اﻟﻌﺎﺟﺰ
ﻳﺘﺮدد ﻓﻘﻂ ﻗﻮل اﻟﺸﺎﻋﺮ: "ﻳﺤﻜﻮن ﻓﻲ ﺑﻼدﻧﺎ، ﻳﺤﻜﻮن ﻓﻲ ﺷَﺠﻦ.. ﻋﻦ ﺻﺎﺣﺒﻲ اﻟﺬي ﻣﻀﻰ، وﻋﺎد ﻓﻲ ﻛﻔﻦ"!
ﻟﻦ ﻳﺴﺄﻟﻨﻲ ﺻﻼح اﻟﺪﻳﻦ ﻏﻨﺎم ﻣﺠﺪداً ﻣﺘﻰ ﺳﺄﻓﺮغ ﻣﻦ أﺷﻐﺎﻟﻲ ﻟﻨﻘﻀﻲ اﻷﻣﺴﯿﺔ اﻟﻤﺆﺟﻠﺔ ﻣﻌﺎً. ﻟﻦ ﻳﺴﺄﻟﻨﻲ ﻣﺮة
أﺧﺮى إذا ﻻﺣﻈﺖ ﻧﺠﺎﺣﻪ ﻓﻲ ﺧﻔﺾ وزﻧﻪ اﻟﺬي ﻻ ﻳﻌﺠﺒﻪ، وأﻗﻮل ﻟﻪ داﺋﻤﺎً أﻧﻨﻲ ﻻﺣﻈﺖ اﻟﻔﺮق. ﻟﻦ أﻛﻮن اﻟﻮﺣﯿﺪ
اﻟﺬي ﻳﻔﺘﻘﺪه، وھﻮ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻳﻘﻄﺮ ﺻﺪاﻗﺔ. ﻟﻜﻨّﻨﻲ ﻧﻘﺼُﺖ اﻟﯿﻮم ﺷﯿﺌﺎً ﻟﻦ ﻳﻌﻮﺿﻪ ﺷﻲء. واﻟﺠﺮﻳﺪة أﻳﻀﺎً، ﻓﻘﺪت
ﺑﻐﯿﺎب ﺻﻼح ﻏﻨﺎم ﺷﯿﺌﺎً ﻣﻦ ﻧﺴﯿﺞ روحها ﻧﻔﺴﻪ، واﻟﺬي ﻟﻦ ﻳﻌﻮﺿﻪ ﺷﻲء أو أﺣﺪ!