من يطلع على قوانين البلديات المتعددة، والأنظمة التي صدرت بموجبها، والتعديات السافرة التي صدرت عن الحكومات المتعاقبة على المجالس البلدية المنتخبة في السنوات الأخيرة، يأخذه العجب من كثرة هذه القوانين، ومن كثرة التفسيرات التي صدرت عنها، ومن كثرة التطبيقات المنحرفة التي تجرأت عليها وزارة الشؤون البلدية، والتي كان من ضحية ذلك البلديات بصفتها مؤسسات أهلية ذات استقلال مالي وإداري، وتديرها بلدية منتخبة.
أجزم بما لا يدع مجالاً لشك أن التوجه لدى الوزارة هو جعل البلديات دوائر حكومية تديرها لجان معينة يسهل السيطرة عليها، من قبل فرسان البيروقراطية، حتى لا توجد مجالس منتخبة، ورؤساء منتخبين يملكون الشجاعة الأدبية الكافية للمطالبة بحقوق البلديات التي هي أصلاً ملك للشعب، وحق سكان المدن في أن تقدم لهم الخدمات الضرورية في حدود الإمكانيات المالية المتاحة.
وقد ثبت من خلال الممارسة والتجربة أنه في كل مرة تقّدم الحكومة على حل المجالس البلدية المنتخبة، وتعين لجان بلدية تزداد ظاهرة الفساد في البلديات، وتقل الخدمات والعناية الصحيحة بإدارة المرافق العامة التي هي من اختصاص البلديات كما نص على ذلك القانون والمثل على ذلك ما وصلت إليه المدن الأردنية منذ حل المجالس البلدية حيث تحولت المدن إلى صناديق من القمامة والتلوث البيئي، والفقر المطلق في أعمال الصيانة الضرورية لما تحتاجه المدن الأردنية بصفة دائمة ومستمرة، لأن ثقافة الصيانة تنعدم عند اللجان المعينة وبالتالي تنفقد الثقة بين المواطنين سكان المدن والإدارة البيروقراطية التي تغلق الأبواب على نفسها، وينفقد التفاعل المطلوب بين إدارة البلدية والمواطنين.
إن انعدام مبدأ سيادة القانون في إدارة البلديات، أصبح يشكل ظاهرة مرضية، تمثل ظاهرة التعسف في استعمال السلطة على أوسع نطاق، لأن الجهة المناط بها تطبيق القانون واحترامه هي نفسها التي تعتدي عليه، وهي التي ترفض تطبيقه بجلافه وعنجهية، ودليل ذلك الاعتداء على المادة 48 من قانون البلديات التي تخصص رسوم نسبتها 8% من المشتقات النفطية التي تنتجها أو تستوردها مصفاة البترول الأردنية باستثناء زيت الوقود هي مبالغ تقدر بما لا يقل عن مائتي مليون دينار هي حق الشعب سكان المدن والمخيمات والبادية الأردنية من أجل تقديم الخدمات لهم، لكن الحكومة لا تريد أن تقدم خدمات للمواطنين بل تريد تزويد الخزينة بأموال أبناء المدن، لذلك تم حل المجالس البلدية المنتخبة، التي ترفع الصوت عالياً من أجل حق الجماهير الشعبية، وتم تعيين بدلاً منها لجان حكومية تجيد فن الصمت، وطأطأت الرأس أمام البيروقراطية، ولا تطالب بحق مغتصب، ومن مظاهرة الاعتداء على قوانين الدولة من قِبل الحكومات المتعاقبة، الاعتداء على نص المادة الثامنة الفقرة (( ب )) من قانون البلديات الذي يوجب عودة المجالس البلدية بعد عام من حلها وهو نص وجوبي، وهذه المجالس تمارس صلاحيتها حتى يتم انتخاب مجلس جديد، لكن الحكومة جمدت هذا النص وكأنه لم يوجد في القانون، والأمر من ذلك أنها لوت نص المادة الرابعة الفقرة الثالثة بواسطة ديوان تفسير القوانين والفقرة الثانية من المادة المذكورة ذكرت أنه يجري انتخاب جميع المجالس البلدية في يوم واحد خلال المدة التي يحددها القانون واحتاط المشرع لأمر قد يحدث في مدينة أو أكثر يعيق عملية إجراء الانتخابات في ذلك اليوم فقد أعطى النص مجلس الوزراء صلاحية تأجيل الانتخابات في بلدية أو أكثر لمدة لا تزيد عن ستة شهور، والنص واضح ولا يحتاج إلى تفسير، وتحميل النص ما لا يحتمل ولا يجوز أن يشمل هذا النص تأجيل الانتخابات في جميع البلديات وقد اختصر النص على بلدية أو أكثر.
وهذا تعد صارخ على مبدأ سيادة القانون في الأردن، فضلاً عن التعدي الذي حصل على المادة 63 من قانون البلديات الذي يوجب على الحكومة إجراء الانتخابات لجميع المجالس البلدية خلال ستة شهور من نفاذ القانون الذي صدر بتاريخ 13/9/2011 أي قبل عام ونصف العام.
ومن الواقع المر أيضاً الذي يفقد القوانين والأنظمة اعتبارها، ويجعل إصدارها وعدم إصدارها واحدا ( أي لا يسمن ولا يغني من جوع). ما جاء في المادة 8 من نظام رؤساء البلديات رقم 71 لسنة 2009 والتي تنص على أنه لا يجوز الجمع بين رئاسة المجلس وأي وظيفة عامة أو خاصة، قد يقول البعض: إن النص جاء على رئاسة المجلس وليس على رئاسة اللجنة والجواب أن تعريف الرئيس في المادة الثانية من قانون البلديات " أنه رئيس المجلس أو رئيس لجنة البلدية أو أمين عمان أو أمين القدس.
الواقع يقول: إن الأغلبية الساحقة لرؤساء اللجان البلدية المعينين موظفون حكوميون مازالوا على رأس عملهم الوظيفي ويمارسون عملهم في البلديات بطريقة غير قانونية حسب النصوص المذكورة.
إن إدارة البلديات في الوقت الراهن غير قانونية وتتعارض مع مبدأ سيادة القانون وتعتبر جميع قرارات اللجان باطلة، بحكم القانون، وإذا أردنا مستقبلاً تنموياً لبلديات الأردن صانعة الاستقلال، لا بد من احترام قوانين الدولة وتطبيقها بصفة عامة على جميع البلديات وأن يتم وقف التجاوز على القوانين وتحقيق مبدأ سيادة القانون، وأن تتحول البلدية إلى قوة بذاتها لها صلاحية الضابطة العدلية فيما يتعلق بإدارة المرافق المسؤولة عنها وأن تكون البلدية مسؤولة عن جميع ما يحدث داخل حدود التنظيم، ولا تقوم أية مؤسسة أو شركة بأي عمل داخل حدود التنظيم إلا بعد موافقة البلدية وتقديمها الكفالات المالية اللازمة لإعادة أوضاع ما تقوم به هذه الجهات إلى الحالة التي كانت عليها من قبل العمل، أما أن تبقى تابعة لغيرها فهذا إجحاف بحق هذه المؤسسات الأهلية ذات الاستقلال المالي والإداري .
حقاً ان البلديات هي مؤسسات أولاد البلد التي من خلالها يشاركون في إدارة شؤون مدنهم وقراهم ويمارسون الحرية في اختيار من يمثلهم.
بقلم: المحامي عبدالرؤوف التل