بدأت المرونة التي يتمتع بها الاقتصاد العالمي في مواجهة الصدمات المتكررة والمتلاحقة ببلوغ حدودها القصوى، واستنزاف هوامش الأمان، سواء في قطاع الطاقة أو في المالية العامة.
هذا ما صرحت به المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، خلال مؤتمر صحفي حول "أجندة السياسات العالمية”، عُقد أول من أمس في العاصمة التايلاندية بانكوك، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين.
ويعد هذا التصريح تحذيراً من كارثة مقبلة في حال استمرار حالة اللايقين الناجمة عن الاضطرابات الجيوسياسية والصراعات الآخذة في التوسع بالقرب من مضيق هرمز وباب المندب؛ مما يجعل من أي جولة قتال مقبلة —مهما بلغ نطاقها الزمني والجغرافي— سبباً في انهيار الاقتصاد الدولي، وانهيار المرونة الافتراضية التي اكتسبها بتأثير من نمو قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي يحوي في باطنه ملامح أزمة أو فقاعة اقتصادية ترتبط بالديون في مقابل العوائد المتوقعة.
وقد جاء هذا التحذير في سياق التصعيد اللفظي للرئيس الأمريكي، الذي يهدد بين الحين والآخر بالعودة إلى الحرب في منطقة الخليج العربي، مدفوعاً من قبل الكيان الإسرائيلي وأجندة رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو، الذي يبحث عن جولة قتال تنقذه من أزمة سياسية ومصير مجهول، في مقابل ميول إيرانية لرفع الكلفة وتجاوز المواجهة المحدودة التي يبحث عنها نتنياهو وترامب، لتتحول إلى جولة طويلة ومكلفة بدأت ملامحها تتوضح باتساع نطاق الهجمات على سفن الشحن السائبة وناقلات النفط والغاز في الخليج العربي.
يبحث ترامب عن مواجهة محسوبة ومحدودة زمانياً ومكانياً، خاطفة وسريعة؛ ولذلك رفع من سقف التهديدات لإيران باستخدام أسلحة دمار شبه شامل، أملاً في ردعها وإجبارها على القبول بمواجهة محدودة إن أمكن، وذلك بحديثه عما أسماه الإعلام "أم القنابل”، وما يعرف في عالم السلاح بـ GBU-43/B MOAB، التي تزن 10 أطنان، وبقوة تدميرية تتجاوز 70 دونماً وما يقارب 10 ملاعب كرة قدم.
ولا تبدو إيران مرتدعة، لا في البحر ولا في الجو ولا في البر، وهي تُعِدُّ لجولة تصعيد كبرى تتوقع أن تجني من ورائها تنازلات أمريكية بتحويلها مركز الثقل نحو الكيان الإسرائيلي والقطع البحرية الأمريكية، والأهم من ذلك قدرتها على إغراق أمريكا في أزمة اقتصادية بتسريع حالة الاستنزاف وفقدان المرونة التي تحدثت عنها جورجيفا؛ وهي تحذيرات قد لا يلقي لها ترامب بالاً، كما فعل عندما فجّر حرباً واغتال قادة سابقين، وهي مواجهة لم يستطع حسمها حتى اللحظة.
ختاما .. لقد قدم صندوق النقد، ومن خلفه البنك الدولي، تحذيراً أخيراً لاحتمالات صمود الاقتصاد الدولي، وهو صمود يعتمد إلى حد كبير على تعافي إمدادات الطاقة وإطفاء الأزمة المتفجرة في باب المندب ومضيق هرمز، وعدم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كرافعة؛ فهو أيضاً عرضة للاستنزاف والانهيار تحت الضغوط الذاتية المتولدة داخله والظروف الجيوسياسية المحيطة به.
رهانات ترامب وتحذيرات جورجيفا
حازم عياد
أخبار البلد -







