على امتداد المقالات السابقة عن بورصة عمّان، تناولنا أداء السوق، وتراجع عدد الشركات المدرجة، وتركّز القيمة السوقية، ومحدودية الإدراجات الجديدة، وعلاقتها بالاقتصاد الحقيقي. وقد قادتنا هذه القراءة إلى سؤال يتجاوز ارتفاع أسعار الأسهم وحجم التداول والقيمة السوقية: هل تتجدد بورصة عمّان بالشركات والأنشطة الجديدة التي ينتجها الاقتصاد الأردني؟ فكل اقتصاد يشهد تحولات في بنيته الإنتاجية؛ تنشأ شركات جديدة، وتتوسع أنشطة قائمة، وتظهر صناعات وخدمات تعتمد على التكنولوجيا والمعرفة والابتكار. لكن هذه التحولات لا تنعكس تلقائياً في سوق رأس المال ما لم تجد الشركات المؤهلة طريقها إلى الإدراج والتمويل والاستثمار المؤسسي.
وقد ترتفع القيمة السوقية للبورصة نتيجة تحسن أسعار أسهم شركات قائمة، وتتغير الأوزان النسبية للقطاعات، من دون أن يصاحب ذلك دخول شركات جديدة تعكس التحولات الاقتصادية. فتغير قيمة السوق ليس بالضرورة تغيراً في هويتها الاقتصادية. ومن هنا جاءت فكرة تطوير مؤشر الهوية الاقتصادية للسوق (Market Economic Identity Index – MEII)، بوصفه إطاراً تحليلياً مقترحاً لقياس قدرة سوق رأس المال على استيعاب الشركات والأنشطة الجديدة، وتجديد قاعدتها القطاعية والإنتاجية بما يعكس تطور الاقتصاد.
من أداء السوق إلى تجدد هويتها
تقيس المؤشرات التقليدية تطور الأسعار والعوائد والسيولة والقيمة السوقية والمخاطر، لكنها لا تجيب بصورة كافية عن سؤال مختلف: هل أصبحت السوق تمثل شركات وأنشطة اقتصادية لم تكن موجودة فيها من قبل؟ فقد تحقق السوق أداءً مالياً قوياً بفضل شركات كبرى قائمة، بينما تبقى قاعدة الإدراجات محدودة التجدد. وفي المقابل، قد تدخل شركات جديدة من قطاعات إنتاجية وتكنولوجية متقدمة، فتحدث تحولاً في هوية السوق قبل أن يظهر أثرها الكبير في المؤشرات العامة.
لذلك ينبغي التمييز بين تغير أسعار الشركات المدرجة، وتغير الأوزان النسبية للقطاعات، وتجدد قاعدة الشركات والأنشطة الممثلة في السوق. والأخير هو الأكثر ارتباطاً بقدرة البورصة على استيعاب التحول الاقتصادي. ولا يعني ذلك أن الإدراجات الجديدة وحدها تصنع التطور؛ فالشركات القائمة تستطيع أيضاً تطوير أنشطتها وتقنياتها وإنتاجيتها. لكن دخول شركات جديدة يبقى أحد أوضح مؤشرات تجدد التمثيل الاقتصادي للسوق.
بورصة عمّان: ماذا تخبرنا الأرقام؟
تراجع عدد الشركات المدرجة في بورصة عمّان من نحو 277 شركة عام 2010 إلى نحو 155 شركة عام 2026، بانخفاض صافٍ يقارب 44%.. ولا يعني ذلك خروج جميع الشركات التي لم تعد مدرجة من النشاط الاقتصادي؛ فقد ارتبط بعض التغير بإعادة تنظيم الأسواق والشطب والاندماجات وانتقال شركات إلى سوق الأوراق المالية غير المدرجة. لكن السؤال الأهم هو: كم شركة أردنية جديدة نشأت وتوسعت خلال هذه الفترة، وكم منها أصبح مؤهلاً للإدراج، وكم شركة دخلت فعلياً إلى البورصة؟
لقد شهد الاقتصاد الأردني تطوراً في أنشطة تكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية، والصناعات الدوائية والغذائية، والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة وغيرها. فإلى أي مدى انعكس هذا التطور في إدراج شركات جديدة ذات وزن اقتصادي؟ ولا تكفي الإجابة من خلال عدد الشركات المدرجة في سنة معينة؛ بل تتطلب تتبع الإدراجات الجديدة بحسب القطاعات، وتاريخ تأسيس الشركات، وطبيعة أنشطتها، واستمرارها ونموها بعد الإدراج. كما ينبغي التمييز بين الإدراج الأول لشركة تدخل السوق فعلياً، وإعادة الإدراج أو انتقال الشركة بين الأسواق أو زيادة رأسمال شركة مدرجة؛ فهذه العمليات لا تحمل الدلالة الاقتصادية نفسها.
خمسة أبعاد لقياس تجدد هوية السوق
لا يمكن قياس تجدد الهوية الاقتصادية للبورصة بعدد الإدراجات وحده، وإنما بنوعية الشركات الجديدة ومدى مساهمتها في تطوير بنية السوق. ولهذا يقوم MEII على خمسة أبعاد مترابطة:
أولاً: الهيكل القطاعي و يقيس دخول شركات من الأنشطة والقطاعات التي نشأت أو تطورت في الاقتصاد، ومدى مساهمة الإدراجات الجديدة في توسيع نطاق الأنشطة الممثلة في السوق.
ثانياً: الروابط الاقتصادية ويتناول ارتباط الشركات المدرجة بسلاسل الإنتاج والقيمة، وعلاقاتها بالموردين والعملاء والقطاعات الأخرى، وقدرتها على تعزيز الترابط الاقتصادي.
ثالثاً: التنويع ويقيس مدى إضافة الشركات الجديدة مصادر مختلفة للنشاط الاقتصادي والإيرادات والفرص الاستثمارية، بما يحد من الاعتماد على عدد محدود من الشركات والأنشطة.
رابعاً: التعقيد الاقتصادي ويتعلق بدخول شركات تعتمد على المعرفة والتكنولوجيا والمهارات المتقدمة والابتكار، وتعكس تطور القدرات الإنتاجية للاقتصاد.
خامساً: الإنتاجية ويركز على قدرة الشركات الجديدة، إلى جانب تحول الشركات القائمة، على توليد قيمة مضافة أعلى وتحسين كفاءة استخدام العمل ورأس المال.
ويمثل كل بُعد مجالاً تحليلياً يضم مجموعة من المؤشرات الفرعية، تُستخدم بعد تطوير المنهجية واختبارها في بناء المؤشر المركب. وبذلك يسعى MEII إلى قياس ما تضيفه الشركات الجديدة إلى هوية السوق، وليس مجرد عددها أو قيمتها السوقية.
متى يصبح الإدراج تحولاً هيكلياً؟
ليست كل إضافة إلى قائمة الشركات المدرجة تحولاً هيكلياً؛ فإدراج شركات جديدة في نشاط تقليدي ممثل بصورة واسعة قد يزيد حجم السوق دون أن يغير تنوعها الاقتصادي بالقدر نفسه الذي يحدثه دخول شركات من أنشطة جديدة. وفي المقابل، لا ينبغي التقليل من أهمية القطاعات القائمة؛ فقد تحقق شركة صناعية راسخة تحولاً إنتاجياً كبيراً من خلال تطوير التكنولوجيا أو المنتجات أو التوسع في الأسواق التصديرية. لذلك ينبغي أن يميز MEII بين التوسع العددي والتجدد النوعي، وأن يتتبع التحولات في قاعدة الشركات وأنشطتها وقدراتها الإنتاجية عبر الزمن، بدلاً من الاكتفاء بالتغيرات في القيمة السوقية الناتجة عن حركة الأسعار.
العلاقة بين MEII وGEII
يرتبط هذا التصور بالإطار الأوسع الذي طرحناه سابقاً من خلال مؤشر الهوية الاقتصادية العالمي (Global Economic Identity Index – GEII)، الذي يركز على الهوية الهيكلية والإنتاجية للاقتصاد وتطور قدراته. فبينما يقرأ GEII التحولات داخل الاقتصاد، ينتقل MEII إلى سوق رأس المال لقياس مدى استيعابها للشركات والأنشطة التي تعبر عن هذه التحولات. GEII يقرأ كيف يتطور الاقتصاد، وMEII يقرأ كيف تتجدد سوق رأس المال لاستيعاب هذا التطور.
وقد يتبين أن اقتصاداً ينتج شركات جديدة ومتقدمة بوتيرة مرتفعة، بينما تظل إدراجاتها محدودة، أو أن سوقاً أخرى تنجح في استقطاب نسبة أكبر من الشركات المؤهلة. وهذه الاختلافات تستحق القياس والتفسير، دون افتراض تطابق نتائج المؤشرين.
لماذا يبدأ المؤشر من الأردن؟
تقدم بورصة عمّان حالة مناسبة لتطوير هذا الإطار واختباره؛ فهي سوق ذات تاريخ طويل وشركات راسخة في قطاعات مهمة، لكنها تواجه تحديات تتعلق بتجديد قاعدة الإدراجات واستقطاب الشركات الجديدة. والسؤال ليس كيف نخفض الوزن النسبي للبنوك أو التعدين أو غيرهما من القطاعات القائمة، بل كيف نضيف إليها شركات جديدة تعكس الأنشطة والقدرات التي نشأت وتطورت في الاقتصاد الأردني؟ فالتجدد الاقتصادي لا يتحقق بإضعاف القطاعات الناجحة، وإنما بتوسيع القاعدة الإنتاجية وظهور شركات وأنشطة جديدة إلى جانبها.
ويمكن أن يساعد MEII، بعد تطويره واختباره، الجهات التنظيمية والبورصات وصناع السياسات على تحديد الأنشطة محدودة التمثيل، وتقييم قدرة السوق على استقطاب الشركات المؤهلة، وفهم العوائق التي تحول دون إدراجها. ولا يفترض المؤشر أن جميع الشركات الجديدة يجب أن تدخل البورصة؛ فالإدراج يرتبط بحجم الشركة وجاهزيتها وحوكمتها واحتياجاتها التمويلية وتفضيلات مالكيها. والمعيار الأهم هو مدى قدرة السوق على استيعاب الشركات المؤهلة التي يناسبها التمويل العام.
من الأردن إلى الأسواق الأخرى
لا تقتصر هذه القضية على الأردن؛ فكثير من الاقتصادات الناشئة تشهد ظهور شركات وأنشطة جديدة، بينما تستمر أسواق رأس المال فيها بالاعتماد على قاعدة تقليدية من الشركات المدرجة. ومن هنا يمكن، بعد استكمال المنهجية واختبارها، تطبيق MEII على أسواق عربية ودولية، مع مراعاة اختلاف مستويات التنمية وأحجام الأسواق وأطرها التنظيمية. وعندها تمتد المقارنة من سؤال: أي البورصات أكبر أو أكثر ارتفاعاً؟ إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالتنمية الاقتصادية: أي أسواق رأس المال أكثر قدرة على استيعاب الشركات الجديدة التي تنتجها اقتصاداتها وتجديد هويتها الاقتصادية؟
الاختبار الحقيقي لبورصة عمّان
لا يتحدد مستقبل بورصة عمّان بقدرتها على تحقيق ارتفاعات جديدة في مؤشراتها فقط، بل أيضاً بقدرتها على أن تصبح وجهة طبيعية للشركات الأردنية الناجحة عندما تصل إلى مرحلة التوسع والحاجة إلى رؤوس أموال جديدة. فدخول شركات مؤهلة من أنشطة إنتاجية وتكنولوجية وخدمية متنوعة يوسع فرص الاستثمار، ويعزز ارتباط المدخرات الوطنية بتحولات الاقتصاد الحقيقي. وبعد عشرة مقالات تناولت أداء بورصة عمّان وتحدياتها، يصبح السؤال الذي ينبغي أن ننتقل إليه: هل تتجدد البورصة بالشركات التي ينتجها الاقتصاد الأردني وهو يتطور؟ هذا هو السؤال المركزي الذي ينطلق منه مؤشر الهوية الاقتصادية للسوق (MEII)، وهو أيضاً أحد الاختبارات الأساسية لمستقبل سوق رأس المال الأردنية. فالتحدي هو الانتقال من سوق تعيد تسعير الثروة القائمة، إلى سوق تسهم أيضاً في صناعة الثروة الجديدة وتمويلها.