في عصر التسارع الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، أضحت الردود الانفعالية هي السمة الغالبة والمنهج السائد للتعاطي مع كل حدث أو تصريح، بصرف النظر عن حجمه أو مدى أهميته. ما إن يُبدي شخص ما رأياً، أو يتصدر مشهداً عابراً، حتى تنهال عليه سيول عارمة من التعليقات بين مؤيد ومعارض ، لنجد أنفسنا سريعا داخل دوامة من الجدل العقيم لا تنتهي، وليتحول هذا الشخص -أو تلك الفكرة السطحية- من مجرد هامش لا يُذكر إلى حدث رئيسي يتضخم باستمرار بمجرد تسليط الضوء عليه.
المشكلة الجوهرية هنا ليست في الاختلاف والتنوع ، فالاختلاف ظاهرة صحية وسنة طبيعية في بناء المجتمعات الحيّة ، الأزمة الحقيقية تتجلى في طريقة إدارة هذا الاختلاف ، فبدلاً من التركيز على ما هو أعمق وأهم، نجد طاقتنا الوطنية والفكرية تستنزف في سجالات افتراضية حامية الوطيس، تستهلك الوقت، وتزيد من تشرذم النسيج المجتمعي. وفي وسط هذه الفوضى، يطل علينا "الذباب الإلكتروني" وكتائب التوجيه ليغذي هذه الصراعات ويتغذى على انفعالاتنا، زارعاً بذور الشك، وضارباً الاستقرار الفكري للجبهة الداخلية التي يُفترض أن تكون حصناً متماسكاً في وجه التحديات.
عندما نُستدرج إلى مربع ردود الأفعال اللحظية والسريعة، نتحول -دون أن ندري- إلى أدوات طيّعة في لعبة أوسع تُدار أحداثها من خلف الستار ، هذا الانهاك الرقمي يُعيق نمو الوعي السياسي المطلوب، في وقت تمر فيه أمتنا بظروف استثنائية وقضايا مصيرية لا تحتمل الترف الفكري ولا العبث الإعلامي ، فإخواننا يُقتلون ويُشردون، وأوطاننا تقع تحت وطأة مخاطر جيوسياسية متزايدة، وعدونا متربصٌ لا يفتر ليل نهار ، ومع ذلك نجد الميدان الأكبر للحديث يتجه نحو التفاهات والقضايا السطحية التي لا ترتقي أبداً إلى حجم المخاطر المحدقة بنا.
إن الحكمة والمسؤولية الوطنية تقتضيان اليوم أن نملك القدرة على التمييز الواعي بين ما يستحق الرد والتوقف عنده، وبين ما ينبغي تجاهله وإهماله ، القوة الحقيقية لأي مجتمع لا تُقاس بسرعة الرد، ولا بالانسياق خلف تسجيل المواقف العاطفية، بل تقاس بالاتزان العقلاني وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية والفكرية ، وإذا كان ثمة مواجهة لا بد منها، فلتكن مواجهة فكرية استراتيجية واعية ، لا معارك إلكترونية هشة تُنهك قوانا وتُسعد خصومنا.