يسري وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، لكنّ الغارات الإسرائيلية مستمرة يوميًا في جنوب لبنان.
وحصلت شبكة «سي إن إن» الإخبارية الأمريكية على فرصة نادرة للوصول إلى جنوب لبنان من خلال الانضمام إلى قافلة من السكان الذين سُمح لهم بالمرور عبر الأراضي المحتلة للوصول إلى منازلهم في ثلاث قرى ذات أغلبية مسيحية نجت من مصير القرى الشيعية المجاورة التي باتت أشبه بأرض قاحلة.
وأثناء القيادة جنوبًا على طريق ساحلي تتحول أعلام لبنان وحزب الله على جانبي الطريق فجأة إلى أعلام إسرائيلية، وسرعان ما يظهر حاجز إسرائيلي، حيث يقف الجنود مراقبين من شرفات منازل مثقوبة بالشظايا ثم يتحول المشهد إلى أرض منبسطة قرية تلو الأخرى ومنزل تلو الآخر، تحولت إلى ركام.
وغزت إسرائيل جنوب لبنان في مارس/آذار بعدما استأنف حزب الله هجماته على إسرائيل، امتثالا لأوامر إيران. ومنذ ذلك الوقت احتل الجيش الإسرائيلي شريطًا من الأراضي يمتد لحوالي 10 كيلومترات لإنشاء ما يسميه "منطقة أمنية" لحماية سكان شمال إسرائيل من خطر الهجمات الصاروخية التي يشنها الحزب.
وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، قُتل أكثر من 4300 شخص جراء الغارات الإسرائيلية منذ 2 مارس/آذار، وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 350 ألف شخص ما زالوا نازحين منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي.
ومع استمرار رحلة "سي إن إن" يلتف الطريق عبر تضاريس كارثية، حتى تعود الحياة فجأة، حيث نجت قرى الرمش وعين إبل ودبل إلى حد كبير من القصف والتدمير الإسرائيلي، لكنّ سكانها ومعظمهم من المسيحيين معزولون عن بقية لبنان، ولا يستطيعون الدخول أو الخروج إلا بالانضمام إلى قافلة تقودها الأمم المتحدة.
ويتعين على منظمة "كاريتاس"، وهي منظمة كاثوليكية غير ربحية تساعد في تنظيم بعض قوافل النزوح، الحصول على تصريح لكل ساكن من الجيش الإسرائيلي عبر آلية مراقبة تقودها الولايات المتحدة وعادةً ما تُصدر الموافقات، لكن القوافل تتأخر أو تُلغى أحيانًا، وقد تستغرق الرحلة من ساعتين إلى يوم كامل.
والتقت "سي إن إن" بروني وريتا اللذين فرا مع ابنتيهما من رميش بسبب القصف الإسرائيلي واستأجروا منزلًا في بيروت، مما أثقل كاهلهم ماليًا والآن يعودون إلى قريتهم لأول مرة منذ أربعة أشهر، لكنّ روني مضطر للعودة إلى عمله في بيروت.
وقال روني: "المدنيون لا علاقة لهم بهذا.. لماذا يحرمون من منازلهم؟ هذا الدمار عار... ولماذا؟ من أجل الحرب؟ لا نريد حربًا!"
وداخل عين إبل، وهي قرية أخرى ذات أغلبية مسيحية، اعتاد يورغوس متري على الحرب حتى ابنه جو (عامين)، يستطيع تمييز صوت الطائرات المقاتلة ولم تعد الغارات الجوية توقظه ليلًا.
وتحيط بعين إبل أنقاض بلدات وقرى ضربتها عمليات قصف إسرائيلية متواصلة، وهدم منظم. ومع ذلك اختار متري البقاء لتعلقه بمنزله وخوفه من عدم قدرته على العودة إليه.
ومثل كثير من المسيحيين في هذه القرى، لا يتعاطف متري مع حزب الله، بل يحمله مسؤولية إشعال الحرب، لكنه يتعاطف مع جيرانه المدنيين الشيعة، الذين تحملوا وطأة القصف والتدمير الإسرائيلي في الجنوب.
وأعرب متري عن أسفه لما يعتبره حكومة لبنانية ضعيفة وغير فعالة، والتي يقول إنها بحاجة إلى استعادة السيطرة على أراضيها.
حتى الآن، تعجز الحكومة اللبنانية عن العمل في الجزء الذي تحتله إسرائيل من البلاد. وبموجب اتفاقية إطارية بين الجانبين برعاية الولايات المتحدة في يونيو/حزيران الماضي، من المفترض أن تسلم إسرائيل جيوبًا صغيرة من الأراضي التي تحتلها إلى الجيش اللبناني، لإنشاء "مناطق تجريبية"، لكن لا توجد مؤشرات أن الخطة ستسير كما هو مُخطط لها.
بدأت الخطة في ثلاث قرى، جميعها ذات أغلبية شيعية، لكن لم تكن أي منها محتلة بالكامل من قِبل القوات الإسرائيلية في البداية، مما دفع الكثيرين للتساؤل عما إذا كانت إسرائيل تنوي الانسحاب أصلاً.
وانضمت "سي إن إن" إلى القوات المسلحة اللبنانية في دورية إلى إحدى هذه القرى، وهي "زوطر الغربية" حيث يكلف الجنود اللبنانيون بمنع دخول الجماعات المسلحة غير الحكومية، مثل حزب الله، ومصادرة أي أسلحة ومخلفات حرب، واستعادة سلطة الدولة.
ووفقاً للعقيد رجا عامر، مساعد قائد قطاع جنوب الليطاني تتمثل الأولوية في جعل المنطقة آمنة لعودة السكان النازحين لكن قواته تواجه تحديات جمة.
وأدت الأزمة الاقتصادية اللبنانية إلى استنزاف تمويل الجيش ويتقاضى الجنود ما معدله 500 دولار شهرياً، ومعظم معداتهم قديمة أو شحيحة وقال عامر "تعمل قواتنا في بيئة أمنية بالغة الصعوبة لذا نحتاج إلى مزيد من القدرات".
وتشمل المخاطر الذخائر غير المنفجرة التي خلفها حزب الله أو إسرائيل، والغارات الجوية الإسرائيلية المتواصلة. ووفقًا للجيش اللبناني، فقد قُتل 34 جنديًا في 2026. وقال عامر إن الجيش سجل أكثر من 5000 هجوم إسرائيلي على لبنان منذ توقيع الاتفاق الإطاري.
وفي زوطر الغربية، لا وجود عسكري إسرائيلي، لكن على بعد بضع مئات من الأمتار فقط، تظهر الدبابات والجرافات الإسرائيلية، ويستمر هدم المباني بوتيرة متسارعة في حين تحلق المسيرات باستمرار وسط دوي القصف المدفعي اليومي.
ويقول مسؤولون إسرائيليون إن الجيش اللبناني لا يجرد حزب الله من سلاحه بالسرعة الكافية ويمنع القانون اللبناني الجيش من دخول الممتلكات الخاصة دون إذن قضائي أو تفويض قانوني.
فيما يؤكد الجيش اللبناني أنه يحرص على تجنب تأجيج الصراع الطائفي. وقال عامر "إن اللجوء إلى العنف ضد شعبنا سيؤدي إلى عواقب وخيمة.. سنفعل ذلك تدريجيًا، وبطريقة معقولة".
وتوقفت المفاوضات بين إسرائيل ولبنان، دون أي مؤشر على نية إسرائيل سحب قواتها من الأراضي المحتلة. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي إن الجيش لن ينسحب من لبنان حتى لو طالبت الولايات المتحدة بذلك.
ومع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول، من المرجح أن يرغب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في منح قاعدته الشعبية نصرًا واضحًا على هذه الجبهة.
وقال عامر، إن الجيش اللبناني مستعد للسيطرة على المزيد من المناطق التجريبية إذا أثمرت المفاوضات السياسية، وأضاف: "لقد التزمنا بالاتفاق. ونحتاج من الطرف الآخر الالتزام بالاتفاق أيضاً، ووقف إطلاق النار على الأقل".
وبحسب الجيش اللبناني، لم يعد إلى ديارهم حتى الآن سوى أقل من واحد من كل عشرين من سكان زوطر الغربية، بينهم محمود درويش الذي لم يعلن صراحةً دعمه لحزب الله، لكنه قال إن لكل من يتعرض للهجوم الحق في المقاومة بالقوة.