وقد تعود الجذور العلمية لقياس التنمية المحلية إلى نشأة علم الاقتصاد الإقليمي في خمسينيات القرن الماضي، بقيادة الاقتصادي الأمريكي والتر إيزارد، الذي يُعد الأب المؤسس لهذا الحقل العلمي. ففي عام 1954 أُسست الجمعية الدولية لعلم الاقتصاد الإقليمي، وبدأ الباحثون يطورون أدوات لقياس الفوارق التنموية بين المدن والأقاليم، وليس بين الدول فقط. ومنذ ذلك الحين، أصبحت التنمية المحلية فرعاً قائماً بذاته يجمع بين الاقتصاد والجغرافيا والتخطيط الحضري والإحصاء.
وفي العقود اللاحقة، وسّع عدد من كبار المفكرين مفهوم التنمية. فقد ركز أمارتيا سن على أن التنمية تعني توسيع قدرات الإنسان وحرياته، وليس مجرد زيادة الدخل، بينما قادت لجنة ستيغليتز–سن–فيتوسي تحولاً عالمياً نحو مفهوم "ما بعد الناتج المحلي"، مؤكدة أن قياس التقدم يجب أن يشمل جودة الحياة، والاستدامة، وعدم المساواة، ورأس المال البشري، والثقة بالمؤسسات، وليس الناتج الاقتصادي وحده. وقد تبنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والأمم المتحدة هذه الرؤية في العديد من مؤشرات الرفاه والتنمية المستدامة.
واليوم، تعتمد المؤسسات الدولية على مجموعة واسعة من المؤشرات لقياس التنمية المحلية، يمكن تقسيمها إلى خمس مجموعات رئيسية.
أولها المؤشرات الاقتصادية التقليدية، مثل نصيب الفرد من الناتج المحلي، ومعدل البطالة، والفقر، والاستثمار، وإنتاجية العمل، وعدد الشركات الجديدة، والصادرات، ومتوسط الأجور.
وثانيها المؤشرات الاجتماعية، وتشمل جودة التعليم، ومتوسط العمر المتوقع، والرعاية الصحية، والمساواة بين الجنسين، والأمن، ومستوى السكن، وهي مؤشرات تشكل العمود الفقري لمؤشر التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
أما المجموعة الثالثة فتتعلق بالبنية التحتية، مثل جودة الطرق، وتوافر المياه والكهرباء، والصرف الصحي، وسرعة الإنترنت، والنقل العام، في حين تركز المجموعة الرابعة على البيئة والاستدامة، مثل جودة الهواء، وإدارة النفايات، والانبعاثات الكربونية، واستهلاك المياه، والمساحات الخضراء.
لكن الثورة الحقيقية في قياس التنمية جاءت مع استخدام البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، حيث بدأت المنظمات الدولية تستخدم مؤشرات قد تبدو للوهلة الأولى غريبة، لكنها أثبتت دقة عالية في قياس النشاط الاقتصادي والتنمية المحلية.
ولعل أشهر هذه المؤشرات هو مؤشر الإضاءة الليلية. فالأقمار الصناعية التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي تلتقط صوراً للأرض ليلاً، ويستخدم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هذه الصور لقياس النشاط الاقتصادي، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى بيانات رسمية. فكلما زادت كثافة الإضاءة، ارتفع النشاط الاقتصادي غالباً، واتسع العمران، وتحسنت الخدمات. وقد استُخدمت هذه التقنية لقياس التنمية في مناطق الحروب والكوارث، مثل سوريا واليمن والسودان، وحتى لمتابعة النشاط الاقتصادي في كوريا الشمالية. كما أثبتت دراسات عديدة أن الإضاءة الليلية تعد مؤشراً موثوقاً للتنمية المحلية عندما تغيب البيانات التقليدية.
ولا يقتصر الأمر على الإضاءة الليلية. فالمؤسسات الدولية أصبحت تستخدم أيضاً استهلاك الكهرباء كمؤشر سريع للنشاط الاقتصادي، لأن زيادة الإنتاج الصناعي والتجاري تنعكس مباشرة على الطلب على الكهرباء.
كما تُستخدم بيانات الهواتف المحمولة لقياس حركة السكان، والسياحة، والنشاط التجاري، بينما أصبحت بيانات بطاقات الائتمان والمدفوعات الإلكترونية أداة مهمة لقياس الإنفاق والاستهلاك بصورة يومية.
بل إن بعض الدراسات تستخدم صور الأقمار الصناعية للمباني وتحللها بواسطة الذكاء الاصطناعي لتقدير مستويات الفقر وجودة السكن، في حين يعتمد البنك الدولي على زمن الوصول إلى المدارس والمستشفيات والطرق الرئيسية باعتباره مؤشراً على العدالة في الحصول على الخدمات.
ومن المؤشرات غير التقليدية أيضاً مؤشر الغطاء النباتي الذي يقيس الإنتاج الزراعي، وأسعار العقارات التي تعكس جاذبية المدن، وإشغال الفنادق لقياس النشاط السياحي، وسرعة الإنترنت لقياس جاهزية الاقتصاد الرقمي، بل وحتى كمية النفايات البلدية التي تستخدمها بعض المدن الأوروبية مؤشراً على النشاط الاقتصادي والاستهلاك.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا يعني ذلك بالنسبة للأردن؟ الإجابة هي أن الأردن يمتلك فرصة حقيقية للانتقال من المؤشرات التقليدية إلى بناء مؤشر وطني ذكي للتنمية المحلية، يقيس أداء المحافظات والألوية والبلديات بصورة دورية. ويمكن أن يجمع هذا المؤشر بين البيانات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وبين المؤشرات الحديثة المستمدة من الأقمار الصناعية، واستهلاك الكهرباء، والمدفوعات الإلكترونية، وحركة الهواتف المحمولة، مع الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والتنبؤ بالاتجاهات المستقبلية.
إن وجود مثل هذا المؤشر سيغير طريقة صنع القرار. فبدلاً من توزيع الاستثمارات والإنفاق التنموي بصورة متساوية أو بناءً على تقديرات عامة، ستصبح الحكومة قادرة على تحديد المناطق الأكثر احتياجاً، وقياس أثر كل مشروع تنموي، ومقارنة أداء المحافظات بطريقة موضوعية وشفافة، وربط الموازنات التنموية بالنتائج الفعلية.
لقد انتقل العالم من مرحلة قياس التنمية بالدخل فقط، إلى مرحلة قياس جودة الحياة والفرص والرفاه والتنمية المكانية باستخدام أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد. وإذا أراد الأردن أن يواكب هذا التحول، فإن بناء مؤشر أردني ذكي للتنمية المحلية لن يكون مجرد مشروع إحصائي، بل سيكون أداة استراتيجية لتوجيه الاستثمارات، وتقليص الفجوات التنموية، وتحقيق تنمية أكثر عدالة واستدامة، تستند إلى الأدلة والبيانات، لا إلى الانطباعات والتقديرات.




