العالم اعتاد على النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها القوة الاقتصادية الأولى والضامن الأساسي لاستقرار النظام المالي الدولي. لكن هذا الدور يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق يتمثل في الدين العام الأميركي الذي تجاوز سبعة وثلاثين تريليون دولار في أواخر عام 2025، بمعدل نمو يقارب ستة مليارات دولار يومياً. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات مالية، بل مؤشرات على أزمة هيكلية قد تعيد تشكيل موازين القوى الاقتصادية العالمية وتضع النظام المالي الدولي أمام اختبار قاسٍ. في البداية، يبدو الدين الأميركي مشكلة داخلية تخص ميزانية الدولة الفيدرالية، لكن عند التدقيق يتضح أن الأمر يتجاوز حدود واشنطن.
الولايات المتحدة ليست مجرد دولة غارقة بالديون؛ إنها الدولة التي تصدر العملة الاحتياطية العالمية. أكثر من ستين في المئة من الاحتياطيات النقدية في البنوك المركزية حول العالم مقومة بالدولار، كما أن معظم التجارة الدولية، من النفط إلى السلع الأساسية، تتم بالدولار. أي اهتزاز في الثقة بهذه العملة يعني اهتزازاً في النظام المالي العالمي بأكمله. مدفوعات الفوائد على الدين الأميركي تجاوزت الإنفاق الدفاعي في بداية عام 2026، وهو مؤشر خطير، فالدولة التي تنفق أكثر على خدمة دينها من إنفاقها العسكري تواجه قيوداً استراتيجية على قدرتها في الحفاظ على نفوذها العالمي. هذا التحول يضعف قدرة واشنطن على الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة وحتى في الابتكار التكنولوجي، ويجعلها أكثر اعتماداً على الاقتراض المستمر.
الحل الأكثر استدامة يتمثل في إصلاحات جذرية تشمل خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب على القطاعات الأكثر استفادة من الاقتصاد الرقمي لكن هذا السيناريو يواجه مقاومة سياسية واجتماعية كبيرة
إدراكاً لخطورة الوضع، طرحت إدارة الرئيس دونالد ترامب سياسات جديدة تهدف إلى تعزيز الثقة بالدولار وتخفيف عبء الدين. أبرز هذه السياسات يتمثل في محورين أساسيين. الأول هو إطلاق الدولار الرقمي عبر قانون GENIUS Act الذي وقّع عليه ترامب في يوليو 2025، والذي يهدف إلى جعل الولايات المتحدة رائدة في مجال الأصول الرقمية. والقانون تشريع أميركي صدر في يوليو 2025 ينظم عمل العملات المستقرة في الولايات المتحدة، ويضع إطاراً شاملاً لإصدارها، تمويلها، وضماناتها، بهدف حماية المستهلكين وتعزيز مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية. الفكرة تقوم على إطلاق إطار تنظيمي للدولار الرقمي بما يعزز مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية في مواجهة منافسة العملات الرقمية الأجنبية مثل اليوان الرقمي الصيني. الهدف هو جذب استثمارات ضخمة في قطاع العملات الرقمية وتوفير تدفقات مالية جديدة تقلل من الاعتماد على الاقتراض التقليدي.
المحور الثاني هو استخدام الذهب كأصل داعم، حيث طرحت الإدارة أوراق عمل تناقش إمكانية ربط بعض الأصول الرقمية بالذهب لتوفير استقرار نقدي طويل الأمد. الذهب، باعتباره ملاذاً آمناً، يُستخدم هنا كضمان لتعزيز الثقة بالدولار الرقمي وتقليل مخاطر فقدان الثقة بالعملة الأميركية في ظل الديون المتزايدة. هذه السياسات تبدو مبتكرة، لكنها لا تعالج جذور المشكلة المتمثلة في الإنفاق الحكومي المرتفع والفوائد المتزايدة على الدين العام.
تأثير هذه الأزمة يتجاوز حدود الولايات المتحدة ليطال الاقتصاد العالمي بأسره. أسواق النفط والذهب مرتبطة بالدولار، وأي ضعف في قيمته يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار. إذا فقد المستثمرون الثقة بالدولار، قد ترتفع أسعار الذهب بشكل كبير، وهو ما يحدث حاليا، فيما تصبح أسواق النفط أكثر تقلباً، وهذا ينعكس مباشرة على الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة ويزيد من أعبائها المالية.
إطلاق الدولار الرقمي قد يمنح الولايات المتحدة تفوقاً في مجال الأصول الرقمية، لكنه يحمل مخاطر جديدة، إذ قد يؤدي إلى مضاربات واسعة ويخلق فقاعات مالية تهدد الاستقرار العالمي، كما أن المنافسة مع العملات الرقمية الأجنبية قد تتحول إلى ساحة صراع جيوسياسي جديد. ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية يؤدي إلى زيادة تكلفة الاقتراض للدول النامية، وهذه الدول التي تعتمد على الدولار في ديونها الخارجية تواجه ضغوطاً على عملاتها المحلية وتراجعاً في الاستثمارات الأجنبية، ما يفضي إلى مزيد من الأزمات المالية والاقتصادية في العالم النامي من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا.
الدين الأميركي ليس مجرد رقم داخلي، بل هرم من المخاطر المتراكمة يمتد تأثيره من واشنطن إلى أسواق الطاقة العالمية ومن البنوك المركزية إلى الدول النامية
الديون الأميركية لا تؤثر فقط على الاقتصاد، بل على السياسة الدولية أيضاً. واشنطن المثقلة بالديون تجد نفسها أقل قدرة على المناورة في ملفات استراتيجية، فيما تستغل القوى المنافسة مثل الصين وروسيا هذا الوضع لتعزيز نفوذها المالي والتجاري. الصين تروج لليوان الرقمي كبديل محتمل للدولار في التجارة الدولية، بينما تستخدم روسيا أدواتها المالية للالتفاف على العقوبات الغربية. هذا التحول قد يؤدي إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الاقتصادية العالمي، حيث لم يعد الدولار وحده سيد اللعبة بل أصبح في مواجهة منافسين جدد. الانقسام السياسي الداخلي يزيد من صعوبة معالجة أزمة الدين، فالجمهوريون والديمقراطيون يختلفون حول كيفية التعامل مع العجز المالي بين خفض الإنفاق وزيادة الضرائب، وهذا الانقسام يجعل من الصعب تمرير إصلاحات جذرية ويؤدي إلى حلول مؤقتة لا تعالج المشكلة من أساسها. كما أن الاقتصاد الأميركي يعتمد بشكل كبير على الاستهلاك والاقتراض، ما يجعل أي محاولة لتقليص الدين تواجه مقاومة اجتماعية وسياسية، فالمواطن الأميركي المعتاد على مستويات عالية من الإنفاق الحكومي والخدمات قد لا يقبل بسهولة إجراءات تقشفية.
السيناريوهات المحتملة متعددة. إذا استمرت الديون في الارتفاع بنفس الوتيرة، قد يصل الدين العام إلى أكثر من خمسة وأربعين تريليون دولار خلال خمس سنوات، وهو ما يعني زيادة مدفوعات الفوائد بشكل غير مسبوق وفقدان الثقة بالدولار، ما يؤدي إلى اضطرابات مالية عالمية. أما إذا نجحت إدارة ترامب في تعزيز الدولار الرقمي وربطه بالذهب، فقد تتمكن من جذب استثمارات جديدة وتخفيف عبء الدين، لكن هذا السيناريو يتطلب إدارة دقيقة وضبطاً صارماً للأسواق المالية، وهو أمر صعب في ظل الانقسام السياسي الداخلي. الحل الأكثر استدامة يتمثل في إصلاحات جذرية تشمل خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب على القطاعات الأكثر استفادة من الاقتصاد الرقمي، لكن هذا السيناريو يواجه مقاومة سياسية واجتماعية كبيرة وقد يكون من الصعب تنفيذه في المدى القريب.
الدين الأميركي ليس مجرد رقم داخلي، بل هرم من المخاطر المتراكمة يمتد تأثيره من واشنطن إلى أسواق الطاقة العالمية ومن البنوك المركزية إلى الدول النامية. أي خلل في إدارة هذا الدين قد يطلق موجة اضطرابات مالية عالمية تجعل من الاقتصاد الدولي رهينة للسياسات الأميركية. إدارة ترامب تراهن على الذهب والدولار الرقمي كأدوات لتعزيز الثقة بالدولار وتخفيف عبء الدين، لكن الواقع المالي يُظهر أن المشكلة أعمق بكثير. هذه المبادرات قد تمنح الولايات المتحدة تفوقاً في مجال الأصول الرقمية، لكنها لا تعالج جذور الأزمة المتمثلة في الإنفاق المرتفع والفوائد المتزايدة. العالم كله يترقب ما إذا كانت واشنطن ستنجح في إدارة هذه الأزمة أم أن الدين الأميركي سيتحول إلى قنبلة مالية تهدد استقرار النظام الدولي. الإجابة ستحدد ليس فقط مستقبل الاقتصاد الأميركي، بل مستقبل الاقتصاد العالمي بأسره.