قد يستغرب البعض حين نقول إن الأردن يُعد من أكثر الدول دعمًا للتطور التكنولوجي، والأكثر إيمانًا بالاستثمار في جيل الشباب، رغم محدودية الموارد وتحديات الجغرافيا والسياسة. لكن المتابع لمسيرة الدولة الأردنية منذ أن تولّى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية، يدرك أن التكنولوجيا لم تكن يومًا خيارًا ثانويًا، بل كانت ركنًا أصيلًا في الرؤية الملكية لمستقبل الدولة.
منذ البدايات، أولى جلالة الملك اهتمامًا بالغًا بالحكومة الإلكترونية والتحول الرقمي، واضعًا نصب عينيه دولة عصرية، كفؤة، وقادرة على خدمة مواطنيها بأدوات العصر. إلا أن هذا المسار، ورغم ما شهده من مبادرات وجهود، تذبذبت مؤشراته بين صعودٍ ونزول، وبقي المواطن الأردني يلمس خدمات إلكترونية متفرقة هنا وهناك، دون أن تتحقق القفزة النوعية المنشودة أو التكامل الحقيقي الذي يختصر الوقت والجهد ويعزز الثقة.
من هذا المنطلق، لا يبدو غريبًا ولا مفاجئًا أن يركز جلالة الملك، في رسالته الأخيرة الموجهة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، على إعطاء الأولوية للتكنولوجيا المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة، وتشجيع البحث والتطوير في الصناعات الدفاعية. فهذه ليست عناوين عابرة، بل مفاتيح سيادة وأدوات قوة في عالم لم يعد يعترف إلا بمن يمتلك المعرفة ويحسن توظيفها.
الأردن، وعلى عكس ما قد يظنه البعض، يمتلك مخزونًا بشريًا تقنيًا عالي الكفاءة، عقولًا مدرّبة، وخبراتٍ أثبتت حضورها ونجاحها في دول الجوار وفي مؤسسات إقليمية ودولية مرموقة. هذه الكفاءات لم تكن يومًا عبئًا، بل كانت دومًا رافعة حقيقية حين أُتيحت لها الفرصة، وحين وجدت البيئة الحاضنة والدعم المؤسسي الجاد.
إن أبناء الأردن من المهندسين، والمبرمجين، وخبراء الأمن السيبراني، والباحثين في التقنيات المتقدمة، لن يتوانوا لحظة عن دعم مسيرة وطنهم نحو الأفضل، متى شعروا بأن هناك "يدًا حانية” من مسؤول واعٍ، يؤمن بقدراتهم، يرعاهم، ويوجه طاقاتهم في الاتجاه الصحيح. فالمشكلة لم تكن يومًا في نقص الكفاءات، بل في غياب التنسيق، وتشتت الجهود، وافتقاد "المايسترو” الرسمي القادر على قيادة هذا الأوركسترا الوطني التقني بتناغم ورؤية واضحة.
رسالة جلالة الملك جاءت لتؤكد أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع، وأن الأردن قادر على أن يكون لاعبًا مؤثرًا في ميادين التكنولوجيا المتقدمة إذا ما التقت الرؤية الملكية مع إرادة تنفيذية حقيقية، ومؤسسات تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأذكى والأبقى.
نحن نملك العقول، ونملك الإرادة، ونملك الرؤية… وما نحتاجه اليوم هو قيادة تنفيذية تُحوّل هذه المقومات إلى واقع ملموس، يقود الأردن نحو موقع يليق به: دولة واثقة، متقدمة، ومحصّنة تقنيًا في عالم لا يرحم المتأخرين.

