التاريخ بين جميد المنسف ونكهة الراوي

التاريخ بين جميد المنسف ونكهة الراوي
نضال المجالي
أخبار البلد -  

قبل أسبوع، وجدت نفسي في جلسة عامرة على منسف، اجتمع فيها نخبة من الأصدقاء والمعارف بضيافة «معزب بريشي حشم». يومها جلس بيننا شخصية كركية مرموقة في القانون، علماً ومنصباً، وكنت أظن أن الحوار سيتجه نحو قضايا القضاء والتشريعات. لكن المفاجأة أن الرجل، وما إن بدأ الكلام، حتى تحولت الجلسة إلى درس عميق في التاريخ والأنساب والعصور، بأسماء وتفاصيل لم نعلمها أو يتم تدريسها علي وعلى الحضور حسب كلامهم قط.


اعترفت بيني وبين نفسي – وربما على مسمع من البعض – أنني في مقابل ثقافته «قارئ على قد اليد». صحيح أنني أقرأ هنا وهناك، وأحاول أن أحلل واضع بصمتي حتى لو مقترحا، لكن ما سمعته تلك الليلة جعلني أدرك أن بعض الرواة، مهما كان اختصاصهم بعيدا عن التاريخ أو حتى مستقبلنا الضبابي، يمتلكون قدرة ووعيا وثقة على نسج بناء ونقل رواية صادقة وصريحة تفوق ما نجده في كتب مطبوعة أو مقالات مزخرفة او حصص مدرسية وجامعية أو حتى مقابلات تلفزيونية.

هنا تذكرت كم مرة استضفنا أو شاهدنا من يقدّم على أنه «خبير» أو «مؤرخ»، فقط لأنه قرأ كتاباً حديث الطباعة، أو صديقا لمدير محطة أو برنامج مسجل، بينما يغيب عن الشاشات واللقاءات من يملك الرواية الحقيقية كصديقنا القانوني. النتيجة أن التاريخ عند كثير ممن اطلوا عليا كان يُنقل مبتوراً، أو يُعاد تشكيله ليناسب هوى الراوي. بعضهم يتعصب لمكانه أو قبيلته، فيحول الحكاية إلى قصيدة مدح، وآخر يختصر أحداثا كبرى في جملة سطحية. والأسوأ أن هذه الأخطاء قد تتحول إلى «روايات رسمية»، فنعلّم أبناءنا نصف الحقيقة، ونكبر على ذاكرة ناقصة.

ولكم أن تتخيلوا كيف تنقلب الأمور إلى مهزلة، حين يخرج أحدهم ليؤكد أن معركة خاسرة كانت «نصراً مؤزراً»، ويثقلنا آخر بادعائه أن قبيلته هي أول من اخترع العجلة والإنترنت معا! وآخر نعلم انه نال أفضل الفرص والامتيازات يخطب بالعامة انه تقلد المنصب بمنافسة بعد أن تقدم بطلب توظيف، وشهدت يوما من أقسم اليمين تكليفا وهو يتغنى بأمجاد والده وعشيرته أنها من صنعت مستقبلنا وأمننا، وعلمت لاحقا أن هناك من قاد مركبته في العودة لمنزله لضمان سلامة وصوله ولكم أن تحددوا السبب، وآخرهم يعتلي موقعا كان يوما اسمه في سجل قضية يخصها، ثم نجد من يصفق ويطبل لهم جميعا، فيما يتناقلونه من أخبار، وكأننا في مسرحية هزلية لا في سجل للتاريخ، ونسوا «أن حارتنا ضيقة».

في المقابل، حين تختار الراوي المثقف الصريح المتابع والمتتبع، ترى الفرق. فلو سمعت لخبرة وتاريخ البحر مثلا في العقبة من صياد يجلس فوق «الدونقي» ستراه يصف لك البحر بمصطلحاته الدقيقة بحرفية وعزف بكلمات لا تسمعه في أحاديث وتفاخر غيره نعلم جميعا انه تعلم السباحة بمسبح في أندية «عمان»، ولو جلست بقرب مسنّ كركي ليروي لك عن تاريخ رجال فيها أو عن الزراعة بأدواتها ومواسمها، أو العادات والعشائر وأنسابها فستشعر أن الرواية ليست فقط علماً بل حياة. وكنت قبلها جلست في وادي السير مع «أبو خضرة» مزارع يربي النحل، يتحدث بعمق عن التغير المناخي بحكم تجربته بإنتاج العسل،  هؤلاء هم الرواة الذين يضيفون على الكتاب لا يكررونه.

تجربتي تلك على «سدر» المنسف علمتني درساً بليغاً: صدق الرواية ليس حكراً على المؤرخين ولا على الأكاديميين، وعلى ضيوف الشاشات حديثا، بل على من عاش بعمق، وان لم يكن من ذات العصر فهو من عاين، ودقق، وغاص، ونقل بأمانة وتشويق. فلو أحسنا اختيار رواة قصصنا وتاريخنا - ومثلهم مسؤولينا-، لما وقعنا في فخاخ النقص والتعصب، ولما ضحكنا – بسخرية مُرّة – على نتائج خياراتنا الخاطئة.

ولهذا فإن صدق الرواية ضمانة لصدق الهوية. ومن لم يحسن اختيار راويه ويوثق تاريخه بصدق، فليستعد لأن يحمل على كتفيه تاريخاً ناقصاً كالمنسف بلا جميد.
شريط الأخبار وزير الحرب الأمريكي: ترمب يقود المساعي لإبرام اتفاق عظيم مع إيران عراقجي: وقف اعتداءات إسرائيل على لبنان مشمول بالاتفاق مع أمريكا البنك المركزي الأردني يقرر تثبيت أسعار الفائدة الاعدام لشخص قتل صديقه بقصد السرقة افتتاح المؤتمر الدولي الـ27 لجمعية أطباء الأورام الحكومة تثبت أسعار الغاز المستخدم بالصناعات "سفينة حبوب" تثير أزمة بين إسرائيل وأوكرانيا.. ما القصة؟ بعد 8 سنوات من ثباتها.. تعديل مدروس لأجور النقل يعيد التوازن للقطاع الشركة الاردنية لصناعة الانابيب تصادق على تقريها الاداري والمالي وتنتخب مجلس ادارة جديد ... اسماء رفع أسعار البنزين والسولار وتثبيت الكاز والغاز لشهر أيار أمانة عمّان: إغلاق نفق صويلح جزئياً مساء اليوم لإعادة تأهيل إنارته ترقية محمد العواملة مديرا اداريا لدائرة المركبات في شركة سوليدرتي الأولى للتأمين ما هي قصة “مسجد” إبستين في جزيرته الخاصة وكيف وصلت إليه كسوة الكعبة؟ الزمن سيعود للوراء خلال 3 سنوات.. توقعات علمية مذهلة الطلب على المشتقات النفطية يرتفع 14.5% خلال الربع الأول من العام الحالي البنك العربي و(لاليغا) يطلقان بطاقة فيزا ائتمانية مشتركة بحضور نجم كرة القدم العالمي "مارسيلو" أسرة مول النافورة تهنئ موظفيها وعمال الاردن بمناسبة عيد العمال العالمي "أخبار البلد" تهنئ بعيد العمال وتؤكد مكانة العامل الأردني نقابة أصحاب استقدام واستخدام العاملين في المنازل تهنئ بعيد العمال الطلب على المشتقات النفطية يرتفع 14.5% خلال الربع الأول من العام الحالي