الكتابة بين الجثث.. قُبلةٌ على جبين غزة

الكتابة بين الجثث.. قُبلةٌ على جبين غزة
د. خليل عيسى
أخبار البلد -  

في ظلالِ البيوتِ المُهدّمةِ، وعلى ألسنةِ الحجارةِ المُحطَّمة، ينبعثُ هَمسٌ لا يعرفُ الصمتَ: همسُ غزّةَ التي تُحاصَرُ بالحزنِ والدمعِ.

هنا، حيث تختلطُ رائحةُ الترابِ بنشوةِ الصمود، ويختبئُ الأملُ خلفَ جدارٍ متصدّعٍ، ينهضُ عيسى قراقعُ بفكرِهِ وقلمِهِ ليكتبَ ملحمةَ الألمِ والكرامةِ.

"الكتابة بين الجثث على جبين غزّة" ليس كتاباً عاديّاً، بل نافذةٌ على قلبٍ ينزف، وصوتٌ يصدحُ من عمقِ المعاناةِ البشريّة؛ فكلُّ صفحةٍ فيه صرخةٌ مدوّيةٌ، وكلُّ فصلٍ روايةٌ من وجعٍ وأملٍ متجدّد.

وإذْ قلتُ في إشهارِ كتابِ "امرأة الساعةِ السادسة والثلاثين" قبلَ ستة أعوامٍ: "نسجَ عيسى حُلَلاً مرقَّشةً بخيوطٍ من حريرٍ، لغةً من رحمِ الموت، وقعرِ الزنازين، وجلبةِ السجون، وعذاباتِ المظلومين"، فإنَّه، في هذا الكتابِ، يَخيطُ أكفانَ الموتِ والموتى، ويسيرُ بينَ الجثثِ، يصوغُ المشاهدَ المروّعةَ بلغةٍ حروفُها الدمُ والجثثُ والموتى والقتلى والشهداءُ والأجسادُ المتطايرةُ والمقطّعةُ والمسلوخةُ والمحترقةُ والمتفحمةُ والمتبخّرةُ والمُمزَّقةُ والمتناثرةُ والمَفرومةُ والمطحونةُ، للخُدّجِ والرّضعِ والأطفالِ والنساءِ والرجالِ والشيوخِ.

وإذْ قلتُ في المناسبةِ نفسِها: إنَّ تجربةَ الأسرِ أضافتْ لعيسى قراقعَ بُعداً تفصيليّاً في تصويرِ دقائقِ الأسرِ، وجعلتْه طبيباً يجسُّ أوجاعَ الأسرى وهمومَهم وآلامَهم، وجعلتْه مُصوِّراً مُحترِفاً ينقلُ واقعَ الحركةِ والسكونِ، والهمسِ والبوحِ بعيونِ الأسرى وحدقاتِهم، فإنَّه، في هذا الكتابِ، يصوغُ ديباجةً مُحبَّرةً بعذاباتِ الأسرِ والسجونِ والأقبيةِ والزنازينِ والتعذيبِ والشّبحِ والاغتصابِ وقهرِ النفسِ، وسحقِ المعنوياتِ، وقتلِ الروحِ، بلغةٍ مُوجعةٍ تَعزفُ لحنَ الآهاتِ والأنّاتِ، مُثقلة بصراخِ المُعذَّبينَ والمُعذَّباتِ.

لغةٌ واصفةٌ دقيقةٌ، وصِبغةٌ أدبيّةٌ ضافيةٌ حيناً، ولغةٌ سياسيّةٌ عسكريّةٌ خشنةٌ فظّةٌ قهريّةٌ حيناً آخر، لغتانِ مبنيّتانِ على حسنِ اختيارِ المفرداتِ، وسرد مُتتبَّع مُبدع دالّ على قراءةٍ واعيةٍ لكلِّ التفاصيل والأقوال والأحداث، على ذاكرةٍ حافظةٍ تتّسعُ لكلِّ التصريحاتِ والتعليماتِ وما قالته الوثائقُ والأشعارُ تطعيماً وتدسيماً وتزييناً.

بين الخبريةِ المباشرةِ، والإنشائيّةِ البارزةِ، والأدبيّةِ الجميلةِ، والجملِ الاستفهاميّةِ والاستغرابيّةِ والاستعجابيّةِ والاستنكاريّةِ والتهكميّة والتقريعيّةِ، وكلِّ فنونِ الكتابةِ بأشكالِها وأنواعِها وألوانِها وسماتِها، تُنسَجُ خيوطُ هذه الكتاباتِ كشبكةِ عنكبوتٍ مُحكمة الخيط، دقيقة الصنع.

بالصورِ المتلاحقةِ والتشبيهاتِ والمِخيالاتِ والنصوصِ المُضمّنةِ والاقتباساتِ، أشعاراً وأقوالاً وآياتٍ، وبالتفاصيلِ الموجعةِ التي تعجُّ بها نصوصُ الكتابِ يُمَجِهِرُ الكاتبُ، التفاصيلَ النفسيّةَ والجسديّةَ التي لا تُلحِظُها عينُ كاميرا، ولا عدسةُ مصوِّرٍ، ولا هيئاتُ الأممِ المتحدةِ وحقوقِ الإنسانِ مثقوبةُ الأعينِ والعدساتِ، مثقوبةُ المشاعرِ والأحاسيسِ، مثقوبةُ الإنسانيّةِ القرارِ.

بين صورتينِ وموقفينِ وشخصين وحدثين يتنقّلُ الكاتبُ، يعيشُ الدورينِ ويمثّلُ الواقعينِ، يحكي عن خلجاتِ النفسِ ونفثاتِ الضميرِ والتواءاتِ القلبِ، يقرأ الأنا عميقاً، والآخرَ أعمقَ، يغوصُ في الخلايا، ويسبحُ في الأنسجةِ، ويتنقّلُ بين تلافيفِ العقلِ، ويقفزُ على حبالِ الأفكارِ.

قدرةٌ على تذكّرِ التفاصيلِ والأحداثِ والأشخاصِ، واسترجاعِها، وسردِها بعنايةِ دودةِ قزٍّ تصنعُ قطعةَ حريرٍ لا ترى فيها نشازاً أو نفوراً؛ اتّكاءً على ثقافةٍ واسعةٍ، وسعةِ اطّلاعٍ على الكتبِ والكتاباتِ، على الوثائقِ والآراءِ، قديمِها وحديثِها، وفهمِ النفسيّاتِ والتوجّهاتِ، وقدرةٍ على استحضارِ الوقائعِ والأحداثِ وتسييلِها في مجرى الأحداثِ كماءٍ يجري في نهرٍ، تارةً، وشلّالٍ مُنصبٍّ من علٍ، تارةً أخرى.

المُضحكاتُ المُبكياتُ، والتناقضاتُ الغريبةُ في نصوصٍ تكشفُ هشاشةَ العدوِّ، وساديّتَه، ونازيّتَه، وفاشيّتَه، وضعفَه، وخوارَه، وتشظّيَه، وتلاشيَه، وتُبرزُ قوّةَ الفلسطينيِّ، وشمَمَه، وأنفتَه، وعنفوانَه، وتحدّيَه، ونهوضَه من الرمادِ كطائرِ الفينيق.

تكرارٌ للصورِ والمشاهدِ، للعباراتِ والكلماتِ؛ حفراً عميقاً في الوعي واللاوعي، والذاكرةِ والمكانِ واللامكانِ، والشعورِ والإحساسِ، رصفاً ووصفاً كمشهدٍ سينمائيٍّ متعدِّدِ الأبعادِ والأصوات، على امتدادِ فضاءٍ زمانيٍّ ومكانيٍّ، من النهرِ إلى البحرِ، ومن الجنوبِ إلى الجنوب.

عشقٌ حتى نُخاعِ العظمِ لفلسطينَ، بغزّتِها وضفّتِها، بمدنِها ومخيّماتِها وقراها، بشوارعِها وأزقّتِها وحواريِها، نزعةٌ إنسانيّةٌ عاليةٌ لكلِّ باقٍ في هذه الأرضِ، مستحقٍّ لهذه الحياةِ، ولكلِّ تارك لها صاعدٍ في السماء.

سجلٌ حافلٌ بأقوالِ الفاعلينَ السياسيّينَ والاجتماعيّينَ والإعلاميّينَ والأدباءِ والكتّابِ والمفكّرينَ والرسّامينَ والمغنّينَ والأطبّاءِ والممرّضينَ والمسعفينَ وعباراتِهم، وتوظيفٌ صحيحٌ للكتبِ والرواياتِ والموسوعاتِ والوثائقِ والبياناتِ.

الكتابةِ بينَ الجُثَثِ على جَبينِ غَزَّةَ، كتابٌ لا يَكتُبُ بالحِبرِ، بل بالدَّمِ والوَجَعِ، لا يَسْرُدُ حِكايةً، بل يُبعَثُ شَهادةً حَيَّةً مِن بَينِ الأَنقاضِ، ويَنقُشُ على جَبينِ الإنسانيَّةِ عارَ العالَمِ وصُمودَ غَزَّةَ.

إنَّهُ لا يُؤَرِّخُ لِحَربٍ عابِرَة، بل يُخَلِّدُ شَرَفاً مُقيماً، ويُحَوِّلُ الجُثَثَ إلى كَلِماتٍ، والخَرابَ إلى سَردٍ مُقاوِمٍ، والدَّمارَ إلى أَدَبٍ يَنحَني لهُ التَّاريخُ.

هذِهِ لَيسَت صَفَحاتِ كِتابٍ، بل شَظايا أَرواحٍ تَتَناثَرُ في العُيونِ، ونِداءاتُ حُرِّيَةٍ تَصرُخُ مِن بَينِ الرُّكامِ، وعَهدُ كاتِبٍ لَمْ يَتَراجَعْ أَمامَ العاصِفَةِ، بلِ اختارَ أَنْ يَكتُبَها، أَنْ يَشهَدَ عَلَيها، وأَنْ يَتْرُكَنا نَقرَأَ الحَقيقَةَ كما هيَ: مُضَرَّجَةً، نازِفَةً، شاهِدَةً، شَهيدَةً.

في زَمَنٍ تُخْتَزَلُ فيهِ فِلَسطينُ إلى أَرقامٍ وإِحصاءات، يُعيدُنا هَذا الكِتابُ إلى جَوهَرِها: إنسانٌ يُقاوِمُ، وأَرْضٌ تُحِبُّ، وكَرامَةٌ لا تَموتُ.

شريط الأخبار انخفاض أسعار الذهب محليا إلى 82.50 دينارا للغرام البنك المركزي يقرر تثبيت أسعار الفائدة على جميع أدوات السياسة النقدية أوغندا.. القبض على شخص بتهمة قتل 38 شخصا وأكل لحومهم السير تحذر من القيادة بعكس الاتجاه .. مخالفة 250 دينارا وحجز 14 يوما إعلان هام جدا لطلبة المنح في جامعات الجنوب إثيوبيا.. توقيف مشتبه بهم بتسميم رجل أعمال إسرائيلي عثر عليه جثة في مطعم بأديس أبابا مناهجنا تعاني من "الحشو الزائد" لنيل المكافآت المادية.. شكاوى الأهل الحالية تفضح ما كشفه وزير التعليم سابقاً! خمسة سيناريوهات لتشكيل الحكومة وسط مأزق نتنياهو وأيزنكوت تايسون و"أرطغرل" يصلان إلى الأردن للمشاركة في أسبوع الفنون القتالية الأردن التفاصيل طقس لطيف الحرارة اليوم واحتمال هطول أمطار خفيفة شمالي المملكة الملك يفتتح الدورة العادية الـ 3 لمجلس الأمة بخطاب العرش السامي.. الاثنين بدء فرز الأصوات المتبقية في انتخابات الكنيست .. وترقب للنتائج النهائية وفيات الخميس 29-10-2026 الهلسة: ترحيل ذوي الإرهابيين درءاً للتوترات الطيبي يضع أصوات العرب في معادلة إسقاط نتنياهو الفيدرالي الأميركي يثبت أسعار الفائدة في اجتماعه قبل الأخير للعام الحالي الخارجية السورية: استدعاء السفير الأردني وتسليمه مذكرة احتجاج على قصف مواقع في محافظة درعا أسرة الاتحاد الأردني لشركات التأمين تحتفل بمناسبة تسلم المهندس ماجد سميرات رئاسة مجلس الاتحاد العام العربي للتأمين ونجاح مؤتمر GAIF35 نيوتن للتأمين ترسّخ حضورها في معرض ومؤتمر العمليات الخاصة «سوفكس 2026» "صناعة عمّان" و" التدريب المهني" تبحثان سبل تعزيز تشغيل الأردنيين في القطاع الصناعي