بسام بدارين- حلقة ما في النظام وليس في الشارع هي التي ضغطت على العصب الحيوي لرئيس الوزراء السابق معروف البخيت ودفعته لقبول فكرة اللجوء للعصبية العشائرية في مواجهة محاولات مفترضة لربطه بمشاريع الفساد خصوصا بعدما أصبحت خيمة التضامن العشائري 'موضة' دارجة عندما يتعلق ببحث بعض المتهمين بالفساد عن خيارات لتجنب الإستهداف السياسي.
وفي صالونات عمان لا يوجد سياسي أو وزير سابق فاسد فعلا والجميع يتصورون أنهم مستهدفون بالتأكيد إما من قوى خفية في حراك الشارع أو من المؤسسة الأمنية أو من أطراف داخل النظام تحاول مغازلة الشارع عبر تقديم 'أكباش فداء'. هذه قناعة الجميع بدون إستثناء.. حتى مدير المخابرات السابق محمد الذهبي يلمح لزواره في السجن لإنه يدفع ثمن حسابات سياسية وقد يدفع ثمنا لسعي النظام للتضحية بأحد ما.
وحتى الآن لا يوجد ولا مسؤول واحد سابق يعترف بإرتكاب خطأ وإستعداده لدفع ثمنه وكلفته.
لذلك ولأسباب مفهومة خرج البخيت المتزن المعتدل عن طوره عمليا وقبل بما عرضه عليه مقربون منه بخصوص ركوب موجة التضامن العشائري فقد أصبح ذلك محطة أساسية لكل من يرعب في إتقاء شر طبقة الحكام النافذين اليوم في النظام أو في مواجهة إحتمالات التضحية به على مذبح الفساد ليس لسبب إلا لأن الناس بالشارع بدأت تثقب الآذان بهتافات خطيرة جدا تطال النظام نفسه ولإن صور شخصيات مهمة بدأت تحرق في الشارع العام.
مؤخرا وفي مدينة السلط أحرقت صور لشخصيات مقربة من القصر وفي الطفيلة جنوبا صدح النشطاء بهتافات تطالب القصر الملكي بوضح حد للأمراء وللأشراف بعدما إنتقد أحد الأشراف من يسيئون للأمير حسن بن طلال.
البخيت وبمجرد ظهور إسمه مجددا في قضية الكازينو ولاحقا في قضية الفوسفات تشكل لديه إحساس لا يخفيه بأن جهة نافذة وفي الحكومة تحديدا تسعى خلفه.. عليه إستلم الرجل الطريق من أقصره فترك بوصلة الإتصالات الخاصة التي يمكن أن يجريها شخص بوزنه مع مؤسسات مرجعية وإتجه مباشرة نحو التضامن العشائري فتجمع أولا الف شخص من عشيرته في باحة منزله وبعد أسبوع وصل العدد إلى 2500 في خيمة تضامنية دائمة زرعت في قلب ضاحية دابوق الراقية بالعاصمة عمان وفي وسط الشارع الذي تمر به كبار الشخصيات في المملكة مع لافتة يفهم من يقراها بأن التضامن مع الأردن يتطلب التضامن مع البخيت.
هنا يقول الرجل الذي إعتاد الهدوء ضمنيا لمن يعتقد أنهم يتصيدونه: لست لقمة سائغة
الإنطباع العام بأن رجلا مثل البخيت لا يحتاج فعلا لهذه الإستعراضات فالرجل يثير خلافات سياسية وإدارية وبيروقراطية من مختلف الأوزان والأحجام لكن ثمة إجماع ضمني على صعوبة تصديق أي رواية حول تلقيه أي منفعة بحكم المنصب العام فحرصه الشديد على تجنب حتى الإمتيازات العادية دفعه سنوات لإجبار أولاده أحيانا على ركوب التاكسي في التنقل.
لكن القضاء لا علاقة بالإنطباعات وثمة بالتأكيد ما أجبر رجل الصمت والصبر والحكمة على طرح ورقة العشيرة فبعض الإجتهادات ترى بأن التأزم في مربع القرار اليوم يضع مصائر كثيرين في مهب الرياح ويدلل على أن كل الإحتمالات واردة.. من الواضح أن البخيت فقد الثقة بأن الماكينة ستحميه أو ستتحرك لصالحه فقرر تكريس اللعبة المرهوبة عندما قبل بفكرة الإطار العشائري.
قبل ذلك وبعد رفض تكفيله للمرة الثامنة فعل محمد الذهبي نفس الشيء بعدما لم تصله أي إشارات يفهم منها بأن ما يحصل معه مجرد 'فركة إذن'.. هنا غادر آل الذهبي منطقة التحضيرات القانونية الخاصة بقضية إبنهم السجن وجربوا حظهم ببناء خيمة تضامنية بمبادرة من كبيرهم الرئيس نادر الذهبي وتم إختيار عنوان أقل وطأة للإعتراض 'لماذا ترفض المحكمة تكفيل إبننا؟'.
ولكي يكفلوا أفضل حضور مناطفي وعشائري ممكن أقام آل الذهبي نشاطهم في مدينة السلط التي لا يمكن إعتبا رهم من عشائرها الأساسية وتقدموا بالدعوة لسلسلة من الشخصيات السلطية والوطنية التي رفضت تلبية الدعوة بكل الأحوال.
وقبل الذهبي أقيمت خيم متعددة لأشخاص حقق أو يحقق معهم القضاء فالعشائر تبدو مصرة على براءة أولادها رغم أن أطرافا أخرى في نفس العشائر هي التي تطالب بإسقاط الرؤوس الكبيرة مما يجعل الموقف برمته مربكا ومرتبكا.
لابد هنا من ملاحظة بأن من يرسلون تحذيرات للنظام ومؤسساته اليوم عبر هذه الخيم العشائرية هم أزلام وأركان النظام في الواقع، وتحديدا من الفئة الناعمة الهادئة الوديعة من طراز الذهبي نادر والبخيت حيث يبدو أن نخب الحكم والدولة تشعر بالقلق ومستعدة للإنقضاض حتى لو على مؤسسات النظام الذي تمثله لو تطلب الأمر بعدما إنتشرت فوضى إتهامات الفساد بكل مكان من إيقاع الحراك إلى لجان البرلمان وصفحات الإنترنت ولاحقا إلى المستويات الإدارية التنفيذية والقضائية التي تبحث عن طريقة على شكل ملاذ لتثبيت الإستقرار العام في البلاد.
مشكلة الأطر العشائرية في التضامن أنها بدائية سياسيا وتوحي بأن صراعا ما داخل مؤسسات القرار يتفاعل وتعترض ضمنيا على سلطات القضاء لكن ما يحرك الرموز هنا هو رفع الغطاء من قبل النظام عن الفاسدين المفترضين وكذلك عن 'المخطئين' الذين يميزون أنفسهم عن الفاسدين إضافة للخوف من موجات التطهير العامة التي يمكن أن تنتقص من نظام العدالة ففي وقت الحراك الشعبي لا زالت الإنطباعات أقوى من الحقائق