الشريط الإعلامي

في الجزائر شعب يريد أن ينتصر وأن يفرح

آخر تحديث: 2021-12-20، 10:01 am
ناصر جابي
اخبار البلد - 


 
الشعب الجزائري يريد أن يفرح بعد هذا الانتصار الذي حققه الفريق الوطني الرديف في كأس العرب بقطر، التي نجحت بشكل مبهر في تنظيم هذه الكأس على كل المستويات، في انتظار تحدي كأس العالم، بعد سنة واحدة، وتبين خلال هذه الكأس العربية للجميع، أنها قادرة عليه وأكثر.
ليس من حق الشعب الجزائري أن يفرح فقط، بعد هذا الانتصار، بل انتظار أن يتوسع هذا النجاح المحقق في كرة القدم، إلى ميادين أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية. هو انتصار في حقيقة الأمر اعتمد بشكل أساسي على بروز ذهنية النجاح عند عدد قليل من الجزائريين والشباب، يمثلهم أحسن تمثيل مدرب الفريق الوطني جمال بلماضي، الذي استطاع بسرعة أن يبث روح النجاح والتحدي، التي غابت عند الجزائريين لسنوات طويلة.
فقد استطاع هذا المدرب الشاب، ابن العائلة الشعبية المهاجرة إلى فرنسا، من فرض شخصيته وأسلوب عمله الجدي، ليس على شباب الفريق، بل على السلطات الرسمية – بما فيها الإعلام الرسمي – التي لم تتعود على هذا الأسلوب في التعامل معها من قبل شخصيات عمومية مثل بلماضي، المعتمد على الجدية والصراحة في القول والفعل. أسلوب عمل وثقافة تبناها الفريق الرديف وقائده مجيد بوقرة، الذي يشترك في الكثير من الصفات الحاضرة عند بلماضي، مثل المنبت الشعبي والهجرة إلى فرنسا كوسط عائلي، رغم الاختلاف الظاهر في حدة الطباع والصرامة التي تميز أكثر بلماضي، مقابل الهدوء الذي يميز شخصية بوقرة الذي استطاع أن يورثه للشباب، كما ظهر أثناء المقابلات القوية التي أنجزها الفريق الجزائري، في مقابلات تميزت بالكثير من التنافس والندية، مع فرق قوية كان هدفها الفوز على الجزائر قبل كل شيء، قبل كل اعتبار.

نجح شباب الفريق الوطني ومن ورائه الجمهور الجزائري في منحنا صورا جميلة، عن قوة الرابط العربي والمغاربي بين الشعوب

لم يكن النجاح والتميز دائما في انتظار هذه العائلات الشعبية في فرنسا، وأبنائها وهي تعيش ظروفا اقتصادية واجتماعية أكثر من صعبة، زيادة على الجو العدائي والعنصري في بعض الأحيان، الذي وجدته في محيطها الاجتماعي المباشر، فقد سكنت هذه العائلات أحياء شعبية لم يكن النجاح والتميز هو الحاضر الأكبر فيها، رغم ذلك استطاع أبناء هذا الوسط أن ينجزوا الكثير في مجالات متعددة كان من بينها رياضة كرة القدم، التي استعملوها كمصعد اجتماعي لهم ولوسطهم العائلي. شباب مهاجر استعمل لصالحه هذه الظروف العدائية، كما تظهر لأول وهلة، ليطور شخصية قوية وحبا للتحدي والنجاح، وارتباطا أكبر بالبلد الأصلي الذي بقي في علاقة قوية معه، حتى وهو يفقد التعامل جزئيا باللغة العربية، أو الأمازيغية، لصالح الفرنسية الأكثر استعمالا لديه، من دون أن ينسى تعلم الإنكليزية، وهو ينفتح على عالم كرة القدم والتدريب في بلدان خارج فرنسا، كجزء من اتجاهات هجرة جديدة لدى الجزائريين، لم تكن معروفة في السابق، كما هو حاصل في قطر ودول الخليج، زيادة على ذلك القرب الملاحظ عند هذا الجيل بالذات من الإسلام كهوية استعملها للاحتماء بها خلال عيشه وتعامله اليومي مع مجتمع فرنسي لم يكن متقبلا له ولثقافته دائما.
لم تكن هذه الاعتبارات التاريخية والسياسية، هي الوحيدة التي كانت حاضرة في ذهني وأنا أشاهد إنجازات هذا الفريق، في دورة كأس العرب، التي تحرجت منها بعض الأوساط – قليلة جدا – المتحدثة باسم الطرح الثقافي الأمازيغي المعتمد على أحادية الهوية. سرعان ما اختفت، بعد النجاحات التي حققها الفريق الوطني في هذه الدورة، وصولا إلى الفوز بالكأس. جو يؤكد مرة أخرى أن الجزائريين كل الجزائريين، كانوا وما زالوا في حاجة الى انتصارات لدعم النسيج الاجتماعي والثقافي الوطني، الذي يكون أكثر تشنجا ونزعة إلى الصراع في جو الإخفاق الطويل الذي عاشته الجزائر على أكثر من صعيد، في مجالات كثيرة ومتعددة لسنوات، يمكن البناء على لحظة النجاح هذه للقطيعة معه، فهو ليس قدرا محتوما على الجزائريين.
بطولة كأس العرب في الدوحة، كانت فرصة أخرى أمام هذا الشباب ومن ورائه الجمهور الجزائري، في الخروج من القوقعة الوطنية القاتلة، التي ما زالت تحاول بعض الأوساط الشوفينية تكريسها في علاقة الجزائريين مع الشعوب العربية والمغاربية، فقد نجح شباب الفريق الوطني ومن ورائه الجمهور الجزائري وغالبية الشعب، أن يمنحانا صورا جميلة ستبقى في مخيال أجيال من المغاربيين، عن قوة الرابط العربي والمغاربي بين الشعوب، بمناسبة المقابلة مع الفريق المغربي الشقيق، التي بقيت في إطارها الرياضي، لم تخرج عنه، بل بالعكس فقد عبر الفريقان عن قرب وجداني وعاطفي ميز كل المقابلة، رغم طابع التنافس الذي ميزها بين فريقين كانا مرشحين للفوز بالكأس. في وقت كانت تعرف فيه وما زالت للأسف العلاقات السياسية بين الدولتين توترا كبيرا. وهو ما حصل مع الفريق التونسي، الذي استطاع الفريق الجزائري أن ينرفزه ويلعب على أعصابه -بعدد البطاقات الصفراء وبعض مظاهر الاحتكاك البدني – عكس ما كان يحصل تاريخيا مع الفرق التونسية، التي كانت هي التي تنجح في التشويش على الفرق الجزائرية، باستغلال عنفوانها ورفض تقبلها للهزيمة، عندما تأتي من الجار القريب، رغم أن حدة التنافس في الغالب أكثر حضورا بين المغاربة والجزائريين وليس بين الجزائريين والتوانسة ـ على الأقل من قبل الطرف الجزائري الذي قلًت نزعته التنافسية مع المصريين، بمناسبة هذه الكأس العربية، فهل نحن أمام تغيير في سيكولوجية الشعوب وعلاقاتها في ما بينها، عبّر عنه شباب الفرق الوطنية بمناسبة هذه الكأس العربية؟ وهي تعيش جوا من الهدوء والسكينة في الدوحة، كان غائبا على الدوام في ملاعبنا المغاربية، التي تحولت إلى فضاء للتعبير السياسي الحر والمعارضة والعنف في أحيان أخرى، لشباب لم تنجح الأنظمة السياسية في جعلهم يهتمون بعرضها السياسي السيئ الذي مثلته الأحزاب والعملية الانتخابية التي تعرف نسب مقاطعة عالية من قبلهم، في مجتمعات صغيرة السن ما زالت في انتظار انتصارات أخرى على شكل عروض سياسية جديدة.
حتى لا تتحول كرة القدم إلى تلهية جماهيرية، في غياب مشاريع جدية للتغيير السياسي الذي يطالب به الشعب الجزائري منذ سنوات طويلة، فشلت النخب السياسية الحاكمة حتى الآن في التجاوب الإيجابي معهم أثناء الحراك الشعبي. جو التفاؤل السائد جزائريا هذه الأيام، بعد افتكاك الكأس العربية، يجعلني أتمنى ان تستغل النخب السياسية الرسمية هذا الجو، للقيام بعرض سياسي نوعي للجزائريين كما كان عرض الفريق الوطني الجميل والقوي.
كاتب جزائري