لم يعد تأثير عدوى فيروس كورونا يقتصر على المصاب نفسه وحسب ، ولكن وفقا لما اثبتته الابحاث الطبية أن الانتشار السريع لوباء فيروس كورونا ، سببه الرئيسي العدوى التي يسببها ناقل الفيروس الى الغير بسبب عدم مراعاتهم لإجراءات الوقاية العامة ، إذ تعتبر إصابة الإنسان بفيروس كورونا من أخطر الإصابات في الوقت الحاضر نظرا لعدم توفر لقاح ، الأمر الذي دفع بالسلطات والحكومات في مختلف دول العالم إلى المسارعة بإصدار تشريعات وقوانين من شأنها أن تسهم في الحد من تفشي هذا الوباء من جهة والحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد من جهة أخرى ،ولذلك فإن أهم إجراء للحد من هذا الفيروس حتى الآن هو أن يقوم المصاب بعزل نفسه وعدم مخالطة الآخرين ، فوفقا لما أصدرته دائرة الإفتاء الأردنية فإنه يحرم على كل مصاب بمرض معدٍ (كالكورونا)، أو من يشتبه إصابتهم به مخالطة سائر الناس، حتى لا يكون سببًا في نقل العدوى والمرض إليهم، ما يترتب عليه الإضرار بهم بشكلٍ خاص ، والإضرار بالبلد وأمنه الصحي والاقتصادي بشكل عام، وتعطيل مصالح العباد والبلاد.
وبينت المادة (17) من قانون الصحـــــة العامة رقم (47) لسنة 2008 أن المرض المعدي:هو المرض الناتج عن الكائنات الحية الدقيقة كالبكتيريا والفيروسات والفطريات والطفيليات وما شابهها او عن سمومها ويمكن للعامل المسبب للعدوى ان ينتقل إلى الإنسان من مستودع او مصدر العدوى بطريقة مباشرة أو غير مباشرة .
وبما أن المصاب بهذا الفيروس هو إنسان وله حقوق وجب معاملته كمريض وليس كمجرم ، ولكن مع عدم توفر لقاح فعال حتى الآن، فإنه يشكل خطرا على المجتمع إذا ما استخدم مرضه كسلاح ضد الأشخاص ، ومن هنا وجب التوضيح أنه لا يمكن للقانون أن يقف موقفا سلبيا من السلوك الإجرامي الذي قد يصدر عن ممارسة البعض مع علمهم بإصابتهم بهذا الفيروس ، كالامتناع عن حجر أنفسهم وعدم التزامهم بالإجراءات الوقائية المتبعة لحماية أنفسهم ومنع انتشار هذا الوباء ، ونقله لغيرهم عن قصد أو غير قصد ويحدث تبعا لذلك حالة إيذاء أو وفاة .
والسؤال المطروح هنا ما هي المسؤولية التقصيرية المترتبة على عدم التزام الأشخاص المشتبه بهم أو المصابين بفيروس كورونا ونقلهم للعدوى؟ وما التكييفات القانونية لهذه الجريمة وفقا لأحكام القانون الأردني ؟
إن تحديد الأساس القانوني لأي التزام هو فاتحة تحديد آثاره ،فإطار المسؤولیة المدنیة الناشئة عن الإخلال بالالتزام المدني إنما يتحدد بالنظر إلى مصدر هذا الالتزام،و نظرا لأن المسؤولية التقصيرية عن نقل هذه العدوى غير واضحة للكثيرين كان لا بد من الإشارة إليها ، تعدّ المسؤولية التقصيرية أحد أنواع المسؤولية المدنية، وتنشأ المسؤولية التقصيرية "الفعل الضار"؛عن الإخلال بالواجب القانوني العام الذي يفرض على كل شخص عدم الإضرار بغيره".
حيث تنشأ نتيجة الإخلال بالواجب العام الذي يفرضه القانون –بمفهومه الواسع- على كل فرد بمراعاة الحيطة والحذر وتجنب إيقاع الضرر بالآخرين، فالمسؤولیة التقصيرية، تأتي جزاء لواجب عام مفروض على الكافة، وأن مصدر الالتزام الذي تقوم على أساسه المسؤولیة التقصیریة هو القانون. وفي نطاق المسؤولية التقصيرية لناقل عدوى (فيروس كورونا) في القانون الأردني، فإنه يجد أساسه وأثره القانوني في حكم المادة (256 )من القانون المدني الأردني، والتي تُحدِّد بأنّه:" كل إضرار بالغير یُلْزَمُ فاعله، ولو غیرُ ممیّز، بضمانِ الضرر".
نستنتج من المادة (256)أعلاه، حكم المسؤولية عن الفعل الضار في عناصرها الثلاثة، فترتب الالتزام بالضمان على كل إضرار–دون حق أو غير مشروع- والإضرار يستلزم :الفعل وعدم الفعل الإيجابي أو السلبي الذي ینشأ عنه الضرر، ثم وجود علاقة سببية بينهما .فیعتبر الفعل الضار (العمل غير المشروع)في القانون المدني الأردني مصدراً مستقلا ورئیسیاً من مصادر الالتزام غير الإرادية، ويتمثل في الإخلال بواجب قانوني عام يقضي بعدم الإضرار بالغير، مما ينشأ عنه التزام في حق الشخص المخّل بذلك الواجب السلبي العام حیث یكون مسؤولا مسؤولية تقصيرية عن فعله الضار.
وتأسیساً على ما تقدَّم، فإن المسؤولیة التقصیریة التي تقع على ناقل (فیروس كورونا)یمكن أن یجد أثره في حالة إخلاله بالالتزام المفروض علیه بموجب القانون، وهو التزام واحد لا یتغیّر:"عدم الإضرار بالغیر" وإن تعددت سبب حالات وقوعه–منها الواردة في أمرالدفاع رقم (8) لذلك لا یجوز الاتفاق على تعدیل أحكامها او الإعفاء منها، وفقا لنص المادة (270 )من القانون المدني، إذ یُلزم وفق أحكام القانون بضرورة احترام القوانین والأنظمة والتعلیمات التي تمنع انتقال تلك العدوى للغیر، وإ لا تعرض للمسائلة القانونیة بشقیها الجزائیة والمدنیة.
وهنا لا بد من الإشارة الى ثلاث حالات ، الأولى هي نقل الفيروس عمدا : والتي يمكن إسباغ جناية القتل العمد على واقعة نقل فيروس كورونا عمدا إلى الشخص السليم ،إذا ما كان الهدف منها إزهاق روح المجني عليه مع توافر رابطة السببية بين السلوك والنتيجة .والثانية إذا توافر قصد القتل لدى المتهم عند إتيانه السلوك الذي من شأنه نقل العدوى غير أن الفيروس لم ينتقل للمجني عليه لسبب لا دخل لإرادة المتهم فيه وهنا توقفت مسؤوليته عند حد الشروع في القتل وفقا لنصوص القانون ، وتطبيقا لذلك يمكن إدانة شخص بالشروع في القتل عندما يهدد بأنه مصاب بالمرض ويقوم مثلا بوضع لعابه بقصد إصابة جمهور الناس ، والثالثة :إذا كان قصد المتهم من نقل الفيروس هو مجرد الإيذاء دون القتل ولم يترتب على فعله وفاة من انتقلت إليه العدوى ففي مثل هذه الحالة تتوافر في حقه جريمة إعطاء مواد ضارة أفضت الى الموت طبقا لنصوص القانون .
وخلاصة القول وبالرغم من وجود نصوص جزائية في القانون الأردني تحمي ضحايا نقل فيروس كورونا إليهم سواءً بالقصد أو بالخطأ إلا أن هذه النصوص وحدها لا تكفي لمواجهة جميع الممارسات غير الأخلاقية لبعض الأشخاص ، لذلك لا بد من التأكيد على سيادة مبادئ الأخلاق والضمير الحي والتصرف بطريقة مسؤولة والانصياع للقرارات الصادرة عن جهات الاختصاص للحد من انتشار هذا الفيروس بما يحقق الصحة العامة ويحافظ على أمن وسلامة الوطن ، حفظ الله البشرية جمعاء.