الدول العتيقة والعميقة في تكوينها السياسي والاجتماعي والاقتصادي قادها رجال يتخذون القرارات وفق مصلحة وطن ومجتمع دون أن يرتجف لهم كف أو ترتعد لهم فرائص (الفَريص : لحمةٌ بين الكتف والصّدر تَرْتَعِدُ عِنْدَ الفَزَعِ)،.، وقد نجحت هذه الدول في المساهمة بشكل فاعل بصناعة التاريخ البشري ، واستمرت الدول التي سارت على نفس التفكير والنهج في التربع على اعلى قمم منصات السياسة والعسكر والتكنولوجيا والاجتماع والاقتصاد وما زالت .
منذ أن تم تعيين الاستاذ الصحفي السياسي محمد داودية وزيرا للزراعة في حكومة الدكتور بشر الخصاونة والانتقادات توجه لهذا التعيين على اعتبار أنه من غير المختصين ،بل ذهب بعضهم الى القول أن ذلك سيؤثر على سير العمل بوزارة الزراعة ، وطبعا هذا كلام مناف للحقيقة والصحة ،ومن التجارب في الاردن وفي العالم كان الوزراء من غير أصحاب الاختصاص أو من الفنيين في تخصصات وزراتهم هم أكثر من نجحوا في الوزارات التي قادوها وقد اثبتت التجارب العملية ذلك .
شخصيا اجد نفسي مجبرا ان اخوض للتعريف بقدرات الوزير داودية الذي عرفته عن قرب ، فهو من المثابرين والمتابعين ، وهو مثقف يملك الخبرة والتجربة التي تمكنه من العمل من ناحية ومن ناحية أخرى لديه قدرة على الاستماع للأخرين وتمحيص الرأي الصواب من الرأي الخطاء ، وهو أيضا سياسي له خبرة في هذا المعترك والذي عرضه في مرحلة ما الى الفصل من العمل، وهو قيادي ليس بتابع منذ أن عرفته قبل ما يناهز الثلاثين عاما ، وبالتالي فأن الرأي المنصف يقول ان هذا الرجل يستطيع قيادة أي موقع يعرض عليه أو يتسلم إدارته .
ولعل من المناسب الرجوع للماضي ،حينما كان يتولى المحامي سالم مساعدة حقيبة المالية وقد كان ناجحا بأمتياز واكثر بكثير من المحاسبين او أصحاب شهادات الدكتوراة من امريكا او بريطانيا وفي تخصصات مالية ،بل ان المرحوم الوزير الاسبق عاكف الفايز هو من تولى حقيبة وزارة الدفاع وحقيبة وزارة الزراعة وكان من الوزراء المبدعين الذين تركوا اثرا في مسيرة العمل الوزاري في الاردن كما أن الوزير الاسبق الدكتور المحامي هاني الخصاونة تولى حقيبة وزارة الاعلام نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وكان من أنجح وزراء الاعلام ،والوزير الاسبق الطبيب المرحوم جمال الشاعر تولى حقيبة وزارة البلديات في حكومة المرحوم الشريف عبد الحميد شرف وحكومة المرحوم قاسم الريماوي وفي عهد هذه الوزارة تم تأسيس مديرية خاصة بحماية البيئة وتم انجاز المخطط التنظيمي الذي شمل كل محافظات الاردن واكاد اجزم ان الدكتور جمال الشاعر من أنجح الوزراء الذين تولوا هذا الموقع ، واليوم يقود وزارة البلديات ( التي اصبح اسمها وزارة الادارة المحلية ) الوزير توفيق كريشان وهو ليس من أصحاب الاختصاص في اي فرع من فروع الهندسة، واكاد اجزم أيضا ان الوزير كريشان من انجح الوزراء ،ولا يغيب عن البال وزراة الداخلية التي كرس في مفهوم ادائها الوزير الاسبق سمير الحباشنة أهمية الانحياز للمواطن لان الوزير وجد لخدمة الوطن والمواطن وليس قمعه أو منع حريته كما كان يفعل بعض الوزراء ممن كانوا في الاصل موظفين في وزارة الداخلية ، وهذا تكرر مع الوزير المحامي ضيف الله مساعدة الذي جعل من الوزارة مركزا للتواصل مع الجمهور، بل ومركزا للحوار مع القوى والاحزاب السياسية في زمن كانت الاحكام العرفية هي عنوان تلك المرحلة، كما أن أداء وزير الاعلام الحالي على العايد وهو بالمناسبة ليس إعلامي يؤكد كل يوم أنه ناجح بإمتياز لانه كما تشير الوقائع من أصحاب الحنكة والقرار ، وغيرهم من الوزراء الاردنيين الذين تركوا بصمة في عملهم ما زال المواطن يذكرها ،ولو اخذنا تجارب الدول العظمى مثل فرنسا وبريطانيا وامريكا لوجدنا أن غالبية من ترك أثر في تلك الدول هم من الوزراء الذين تولوا حقائب لم يكونوا من ذوي الاختصاص ،بل ان بعضهم لم يكن لديه شهادات جامعية او حتى ثانوية كرئيس وزراء بريطانيا الاسبق جون ميجر ورئيس جمهورية فرنسا جورج بومبيدو .
بإختصار إن التصويب على هذا الوزير أو ذاك يجب أن يتم على أساس عمله وعطائه وانجازاته ، فالقرار يحتاج الى رجال يتخذونه لا الى شهادات متخصصة يتوقف عطائها عند تسيير الادارة أوممارسة"الكيديات" الوظيفية كما يحدث منذ زمن في وزاراتنا ما أعاق ويعيق الانتاج ويعطل مسيرة العمل، وبالتالي يؤثر على الحالة العامة لمسيرة الوطن، فالموقع الوزاري هو منصب سياسي وعلى هذا الاساس يجب ان تستمر مسيرة الاردن ،وهذا نجاح يسجل لمسيرة الدكتور بشر الخصاونة سيذكره التاريخ بأنه اعتمد على رجال لهم القدرة على اتخاذ القرار ، ومن هؤلاء الرجال الوزير محمد داودية.
zazzah60@yahoo.com