مسيحيّو لبنان بين العسكر والعسكرة

مسيحيّو لبنان بين العسكر والعسكرة
أخبار البلد -  

 

 

تقليديّاً، لم يكن المسيحيّون اللبنانيّون مُحبّين للعسكرة، وإن كانوا مُحبّين للعسكر. العسكرة وقفوا ضدّها بما يشبه الإجماع إبّان العهد الشهابيّ في الستينات، مع أنّها كانت متواضعة جدّاً بقياس ما كان يجري في الجوار. تزمّتهم في اللبنانيّة كان في وجه منه موقفاً مناهضاً للعسكرة التي استولت مبكراً على مصر وسوريّة والعراق.

 

 

أمّا العسكر فكان حبّهم له ينطوي على شيء من حبّ الاحتفال السلميّ ومن الكرنفال الملوّن. فالدول لا بدّ لها من جيوش، والجيوش لا بدّ من أن يُحتفل بها، لا سيّما متى كان البلد يفتقر إلى الإجماعات. مع هذا، لم يتعاطفوا مع الانقلاب العسكريّ للقوميّين السوريّين مطالع الستينات، علماً أنّ القوميّين يومذاك مثّلوا سياسات التشدّد المسيحيّ، على عكس حالهم لاحقاً. وهم تعاطفوا، في المقابل، مع دعوة ريمون إدّه إلى بوليس دوليّ على الحدود مع إسرائيل، أي إلى تجنيب العسكر والمجتمع الحروبَ وأهوالها.

 

 

إذاً، وهذا مُفارِق جزئيّاً، حبّهم للعسكر كان ينطوي على كراهية للعسكرة: فهم يحبّونه بالضبط لأنّه لا يستولي على السلطة، ولا يعسكر المجتمع والثقافة، ولا ينخرط في حروب القضايا «المقدّسة»، ولأنّ وجوده برهن، لثلاثين سنة، أنّ ثمّة إجماعاً جزئيّاً واحداً ممكنٌ في لبنان، وموضوعُ هذا الإجماع كان صناعة مسيحيّة.

 

 

لقد كان مطلوباً تهميشٌ مديد للمسيحيّين، ترعاه الوصاية السوريّة، ويباركه «الشركاء في الوطن»، لكي يتحوّل قائد العسكر زعيماً شعبيّاً يلتفّ حوله ثلثا المسيحيّين. حصل هذا بعد تاريخ حافل بدفع المجتمع إلى العسكرة: تحدّي الناصريّة، تحدّي المقاومة الفلسطينيّة، الضريبة الباهظة التي تكبّدتها الديموقراطيّة في العهد الشهابيّ إرضاءً للنظام العسكريّ العربيّ، عهد الوصاية السوريّة و «عروبة لبنان» كأيديولوجيا رسميّة مفروضة، ودائماً تعهير الجيش في البيئات الراديكاليّة لأنّه «لا يقاتل إسرائيل». وهذا قبل أن يضاف إلى لائحة المآسي «داعش» و «النصرة» والكوارث التي نزلت بمسيحيّي الشرق واللجوء الكثيف بنتيجة الوحشيّة الأسديّة.

 

 

وبسبب «التفاهم» بين التيّار العونيّ و «حزب الله»، في ظلّ شعور المسيحيّين بالامّحاء السياسيّ، بدأ العسكر والعسكرة يختلطان في وعيهم. وهم، اليوم، باتوا أقرب إلى مجتمع ملتبس العواطف والرغبات. لكنْ، ما دامت العسكرة خارج تأثيرهم، بل خارج وجودهم الفيزيائيّ، بات المشهد مثيراً للشفقة: إنّهم يصفّقون للعسكرة ظانّين أنّهم يصفّقون للعسكر.

 

 

والعسكرة تأتي مصحوبة بالزعيم - المرشد، وبعقيدة «الجيش والشعب والمقاومة» التي ذكّرت البعض بثالوث «الوحدة والحرّيّة والاشتراكيّة»، وأيضاً بالنفوذ الإيرانيّ. لكنّها، قبل هذا وبعده، تأتي مصحوبة باحتمال فناء العسكر ومعه فناء المجتمع ذاته لأنّها الأخت التوأم لقضايا المصير المزعومة القداسة، والتي تضعنا على الدوام في مهبّ الكارثة. وهذا كلّه غريب تقليديّاً عن المسيحيّين اللبنانيّين غربته عن العسكر، عسكرهم.

 

 

وسوء الفهم ليس مدعاة للسخرية فحسب. إنّه أيضاً سبب للشفقة. فالعسكرة بالإعارة و «المجدُ» بالإعارة فيهما الكثير من عدم فهم العالم المحيط. من عدم فهم للسياسة والواقع بدأ مع اتّفاق الطائف في 1989، حين فقد المسيحيّون الأدوات التي يفسّرون بموجبها السياسة ويتعقّلون الواقع.

 

 

لكنّ الساذج حاجة للخبيث، والضعيف حاجة للقويّ. وفي وسع الخبيث القويّ أن يكون الساحر، فيما الساذج الضعيف مسحوره المبهور والمُفوَّت. والمسحور يصفّق لساحره، وهو يمضي في التصفيق على إيقاع تقدّم الساحر من المنصّة، فما إن يبلغها حتّى يكتشف المسحور، متأخّراً، نتائج انسحاره. يكتشف، مثلاً، أنّ لبنان الذي همّشه في زمن الوصاية السوريّة سيغدو مثلاً أعلى، فيما الوجهة هذه تعزّزها وجهة أعرض تستولي على المنطقة اليوم: فليُنظَر إلى «الحشد الشعبيّ» في العراق مثلاً، حيث العسكرة تبتلع العسكر، وإلى بلدان أخرى يتعسكر فيها العسكريّ المهزوم والتعيس فيعلن نفسه مخلّص الأمّة ويروح يحقّق الانتصارات على شعبه.

 

 


 
شريط الأخبار نقابة المقاولين على صفيح ساخن… تأجيل يثير الشكوك 3870 ميجا واط الحمل الكهربائي المسجل الخميس "الملكية الأردنية" تتحدث عن حركة الركاب وزيادة التكاليف وأسعار التذاكر الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي ثان خلال معارك جنوب لبنان هيئة البث الإسرائيلية: خلافات حادة بين واشنطن وتل أبيب حول "صفقة إيران" وصول شحنتين من النفط بإجمالي مليونَي برميل "500 عملية إطلاق في يوم واحد"..تزايد قصف "حزب الله" للجيش الإسرائيلي وتسببه في مقتل وإصابة الكثيرين "تجارة الأردن": البطاريات ووحدات الإنارة والشواحن متوافرة بكميات كبيرة إيران لإسرائيل: النهاردة الخميس اجهزي يا عروسة أسعار الذهب في السوق المحلي لعيار 21 تنخفض في التسعيرة الثانية حكم تاريخي ضد "ميتا" و"يوتيوب".. في قضية أضرار نفسية ممر لوجستي يربط موانئ الخليج العربي بالأردن ودول شمال السعودية الخارجية العراقية تؤكد رفض بلادها لأي استهداف يطال الأردن ودول الخليج أمطار غزيرة تضرب عددًا من المحافظات... وتحذير من جريان السيول حتى الجمعة (تحديث مستمر) الحوثيون يلوحون باستعدادهم للانضمام إلى إيران رئيس أركان جيش الاحتلال: "الجيش ينهار من الداخل" إغلاق مؤقت للسير عند جسري الحسينية وعنيزة بسبب ارتفاع منسوب المياه احتجاجًا على طرد سفير إيران.. وزراء أمل وحزب الله يقاطعون جلسة الحكومة اللبنانية مصدر عسكري إيراني: أكثر من مليون مقاتل جاهزون للمعركة البرية ضد أمريكا الاتحاد الأردني لشركات التأمين يختتم برنامجه التدريبي الثالث لعام 2026 المعنون: "خدمة العملاء عبر الروبوتات الذكية Chatbots"