لسنا بحاجة للكثير من الجهد لرصد اشتياق الاردنيين لصوت رسمي يعبر عما يجول في خاطرهم. كثيرة هي الاحداث التي تكرر في المنطقة التي تعيد في كل مرة مسألة العلاقة بين السلطة والمواطن الى السطح. ولعل السمة الابرز لاي ازمة اقليمية او داخلية هي عدم قدرة الاردن الرسمي باشكاله كافة على التعبير عن الاردنيين ورغباتهم أو حتى حقيقة مواقفهم تجاه اي من الازمات الداخلية والاقليمية.
غريب ان تدرك ان مثل هذه الظاهرة لا تشكل اي حالة من القلق لدى صانعي القرار في الاردن. لا بل من المحزن ان تدرك ان الاردن هو من الدول القليلة التي لا تملك فيها الدولة قدرة على التواصل مع داخلها ولا تملك قدرة على التأثير او صياغة الراي العام لمواطنيها، مما يعني ان الرأي العام الاردني يمكن صياغته والتأثير فيه من الخارج بسهولة. هذا ما يفسر غياب رؤية موحدة لدى الاردنيين تجاه كثير من القضايا الداخلية والخارجية، وهذا ما يفسر غياب رؤية حقيقية للدولة تصل للاردنيين وتقنعهم بمنطقية الرؤية وارتباطها بالمصلحة الاستراتيجية العليا للدولة.
هذه التساؤلات تقودنا لجزئية مهمة وهي ان كانت الدولة فعلا تملك رؤية استراتيجية تعبر عن مصالح الاردن الحقيقية، ما المشكلة اذا، ان تتوضح هذه الرؤية وتصل للاردنيين؟ لماذا تبقى تدار الامور باسلوب التكتم والتستر والعمل بالسر وتجنب الحوار، وفي النهاية اسلوب ادارة المشهد التقليدي من خلف الكواليس نفسه، وكأن الاردنيين لا يستحقون اي نوع من انواع المكاشفة والمصارحة لما يجري ويدور، وان رايهم وموقفهم لا يمثل اي قيمة لاصحاب القرار. الحقيقة ان بعض المسؤولين في جلساتهم الخاصة لا يترددون في التقزيم من اهمية التواصل مع الاردنيين ووضعهم بصورة الاوضاع الحقيقية. للاسف هذه العقلية اليوم هي التي باعدت بين المواطن والدولة، وهي التي تصر على توسيع هوة المصداقية وبناء اسوار عالية من عدم الثقة قد يصعب هدمها مستقبلا.
ما الذي يحدث في معان؟ هذا السؤال على سبيل المثال يكاد يطرح يوميا من قبل صحافيين ودبلوماسيين ومراقبين للاوضاع في المنطقة، الاهم ان الاجابة غائبة ولا يملك احد اليوم قدرة على اعطاء اجابة حقيقية وواقعية لطبيعة الموقف هناك. الى متى نبقى نصر على احتكار المعلومة… ألم نتعلم من كل ما جرى ان غياب المعلومة يعني ان تملأ الإشاعات والروايات المختلفة هذا الفراغ… لهذا من يفضل اخفاء المعلومة لا يحق له اليوم ان ينتقد او يستهجن انتشار الروايات المتعددة.
من زاوية أخرى، تبقى فكرة غياب رؤية الدولة الواضحة مشكلة حقيقية ليس بالنسبة للمواطنين والرأي العام فقط بل بالنسبة للمسؤولين أنفسهم. أغلب المسؤولين يشتكون من غياب رؤية واضحة للدولة او طريقة عملية منهجية لايضاح رؤية واستراتيجية الدولة ان وجدت طبعا.
في المقابل تبرز في ظل غياب هذه الرؤية معضلة أخرى ناتجة عن محاولات بعض مسؤولي الدولة تعبئة هذا الفراغ وبالتالي ندخل في معضلة من يمثل الدولة؟ وهل رؤية و مطالب هؤلاء تمثل رؤية وأجندة الدولة؟ ام هي أهواء و رغبات شخصية لأولئك الافراد؟ حتى المسؤول الاردني اليوم يعاني من معضلة اختفاء الرؤية الاستراتيجية وغياب المنهجية السياسية لاتخاذ القرار.
لم نعد نملك ترف الوقت، ولا يمكن الاستمرار في ادارة الدولة بالطريقة التقليدية الخالية من اي رؤية استراتيجية منظمة او وضوح في آليات اتخاذ القرار وتطبيقه ومتابعته. المطلوب ولادة برنامج وطني سياسي واعلامي يعوض غياب المشروعات الاعلامية الوطنية، ويعيد تنظيم شكل ادارة المشهد السياسي الاردني من شكل القرارات المتخذة و اسبابها الى متابعة تطبيقاتها.