مسؤولية أمن الوطن لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، ولو كان الأمر كذلك لكان لكل دولة جهاز أمن داخلي بواقع شرطي أو رجل أمن لكل مواطن، ولهذا لا يمكن أن يكون هذا واقعياً، وبالتالي فإن مسؤولية الأمن هي تشاركية تُساهم بها المؤسسات الأمنية والمواطن ومنظمات المجتمع المدني والأسر المجتمعية والمدارس والجامعات والمنابر الإعلامية والدينية والثقافية والإجتماعية وكل الناس والمؤسسات العسكرية والمدنية والنظام السياسي والإقتصادي والإجتماعي والتربوي على السّواء.
والأمن ليس عسكرياً فحسب فهو أيضاً يدخل في أبواب السياسة والإقتصاد والإجتماع والتربية وكل جوانب وقطاعات الحياة، وكلّ يجب أن يؤطّر مسؤولياته الملقاة على عاتقه ومن جانبه بموجب مواطنته لغايات حل المشاكل والتحديات التي تواجه المواطن والوطن، فالإقتصاديون مثلاً يتوجّب عليهم إيجاد الحلول اللازمة لخلق فرص العمل والمساهمة بالقضاء على الفقر والبطالة لغايات ضبط أو إيقاف احتقان الشارع في هذا الصدد، والسياسيون يقع على عاتقهم أيضاً مسؤولية إيجاد القوانين الناظمة للحياة السياسية بطرق توافقية وحوارية يلتقي الناس فيها بمنتصف الطريق لغايات ضبط إيقاع الحراكات الشعبية وإقناعها بما تمّ من خطوات إصلاحية على سبيل تطوير الحياة السياسية والحزبية وإفراز مجلس نيابي ممثّل لألوان الطيف كافة، وأساتذة الجامعات والمعلمون عليهم مسؤولية توجيه الشباب صوب التربية الوطنية وخلق بيئة الحوار معهم لإيصال الرسائل الوطنية اليهم بطريقة صحيحة وغير مخطؤة، والمنابر الإعلامية والدينية دورها فاعل لتهدئة كلّ الناس وتوجيههم لخدمة الوطن، والتنمية الإجتماعية عليها دور كبير لحل كل المشاكل الإجتماعية من فقر وتنمية وغيرها، وهكذا دواليك فكل القطاعات وكل المواطنين مسؤولون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وبمشاركة قصيرة الأمد أو طويلة الأمد للحفاظ على الأمن الوطني وللمساهمة بمساعدة الأجهزة الأمنية لتتولّى إدارة المسؤولية التشاركية والسياسات على أرض الواقع.
ولهذا فإن التجنّي على رجل الأمن -في ظل إنحدار أو تردي منظومة القيم والمبادئ ومحاولة البعض جرّنا للفتنة والخراب- التجنّي ولو لفظياً أو التطاول عليه مرفوض البتة، لأن هيبة رجل الأمن هي من هيبة الدولة برمّتها، وواجب كل مواطن شريف بحكم مواطنته المساهمة في أمن الوطن والعمل كرديف للأجهزة الأمنية في كل مناحي الحياة وكلّ من موقعه دون تنصّل من شرف المسؤولية، بل وإحترام رجال الأمن والحفاظ على هيبتهم للحفاظ على هيبة الوطن وحفظ الأمن والأمان في خضم نجاحات تسجّل للدولة الأردنية مقارنة مع دول جوار ملتهبة على الأرض.
وينطبق ذلك أيضاً على هيبة الدولة والتي يقول البعض أنها تتراجع، وهي أيضاً ليست مسؤولية الدولة لوحدها فالكل شريك فيها لغايات تطبيق القانون وتحقيق منظومة العدل والمساهمة في مؤسسية الدولة والحفاظ عليها.
لا يُمكن لعاقل أن يصدّق بأن أمن الوطن لا يمرّ في هذه الظروف العصيبة –وفي ظل تنامي الحركات العسكرية وحتى الفتن الداخلية في المنطقة- بمؤامرات داخلية ربما من قبل خلايا نائمة أو خارجية تهدف لإشعال نار الفتن ما ظهر منها وما بَطَن باستخدام شتّى السبل والوسائل من خلال خلق بؤر انشطارية فوضوية لخلق سياسات الفوضى هنا وهناك واستخدام المواطنين بل واستغلال بعضهم وبسذاجة ليشعلوا نار الفوضى بشتى الوسائل سواء من خلال مطالبية حريّة التعبير عن الرأي أو حركات العنف المجتمعي هنا وهناك أو تصدير الأزمات من الدول المجاورة أو المظاهر الإحتجاجية لدس السم بالدسم أو حرق الإطارات أو الإعتداء على الممتلكات العامة ودعوات الفوضى والعزف على أوتار الفتنة والمغالاة في الإعتصامات وغيرها.
أجزم بأن أمن الوطن خط أحمر في الوضع الطبيعي، فكيف به اليوم في ظل منطقة شرق أوسط ملتهبة؟ وبالطبع نثق كل الثقة بأجهزتنا الأمنية البطلة وجيشنا العربي المصطفوي المغوار وجهوزيتهم، لكننا في ذات الوقت نطلب من الناس المواطنين عدم إشغال أجهزتنا الأمنية في قضايا جانبية ليست ذات أولوية في هذه الظروف، لغايات التركيز على الحفاظ على الأخطار الخارجية المحدقة بالوطن.
وأؤكد هنا أيضاً بضرورة رصّ الصفوف وتمتين جبهتنا الداخلية والحفاظ على وحدتنا الوطنية والإلتفاف حول قيادتنا الهاشمية لأنها الضامن الأساس في الحفاظ على منظومة أمننا وإستقرارنا.
فمسؤولية أمن الوطن مسؤولية تشاركية، وتطفئة نار الفتن كلها مسؤولية الجميع وليس الأجهزة الأمنية لوحدها، فقد تحمّلت أجهزتنا الأمنية الكثير وصبرت وضبطت النفس وتعاملت بمهنية مع كثير من مظاهر الفوضى السياسية والمطالبية وحتى العبثيّة، وأثبتت نجاحاً ملحوظاً يقرّ به الجميع وكحالة أردنية فريدة بين دول المنطقة –اللهم لا حسد- من خلال وقوف ثالوث التشاركية الأمنية في خندق الوطن: القيادة الهاشمية المظفرة والمواطن الأردني الشهم والأجهزة الأمنية البطلة، فالشكر كل الشكر لكل الأجهزة الأمنية وكلّ مواطن يساهم في أمن الوطن، ولنساهم بالحفاظ على أمننا من كلّ عابث، وليتأكّد الجميع بأننا لا نحسّ بقيمة الشيء إلّا إذا فقدناه –لا سمح الله تعالى- ولنأخذ العبرة من غيرنا ومن حولنا، فخرق السفينة يُغرقنا جميعاً، فلا نسمح لعاقّ للوطن أو مندس أو حاقد أو عدوّ أو مُفتن للعبث بأمن وطننا ولنساهم بحكم مواطنتنا وإنتمائنا في بناء الوطن النموذج صوب تحقيق أهداف الدولة الأردنية العصريّة والتي رسمها جلالة الملك المعزّز حفظه الله تعالى وفق رؤيته الإصلاحية وخريطة الطريق الوطنية.
*وزير الأشغال العامة والاسكان الأسبق